تابعنا على لينكد إن

كان أحمد يعمل كمحامٍ في شركة كبيرة، عندما خسر أحد المحاكمات التي استثمرت بها الشركة بشكل قوي. عاش أحمد فترة عصيبة، إلّا أن استمرار الشركة بعرض الترقية التي كانت قدمته قبل خسارة المحاكمة جعله أكثر ارتياحاً، لكنه اضطر لرفض العرض لأنه يتطلب منه الانتقال من موقع العمل.

وعلى الرغم من أنّ أحداً لم يخبر أحمد بأية ملاحظات بشكل مباشر، لكن بضع تغييرات في الجو العام في المكتب جعلت أحمد يشعر أنّ الناس ابتدأوا يعاملونه بطريقة مختلفة عن السابق.

ووصل أحمد لهذا الشعور، بعد أن علِم بإساءة أحد شركائه إليه أمام مجموعة من الناس، بطريقة “عدائية وسلبية جداً”. كما أخبرنا أحمد أنه “لم تتم دعوتي إلى عدة اجتماعات، وتم إبعادي عن العديد من القرارت المهمة بشأن اتجاه المحاماة في الشركة”. وبلغت هذه الحالة ذروتها في مناسبة اجتماعية، عندما تلقى جميع محامي الشركة دعوات إلى لعبة كرة سلة باستثناء أحمد. من هنا، لم يعُد لدى أحمد أدنى شك أن كل هذا كان متعمَّداً، لاسيما أنه واحد من أقوى اللاعبين في الفريق وطوله  4.6 متر.

أصبحت الآثار السلبية للتنمّر والمضايقات في مكان العمل أمراً معروف بشكل أكبر، إلا أنّ نوعا أكثر هدوءاً من التعذيب بات أكثر شيوعاً وهو النبذ. ويشير البحث إلى أن 71% من المهنيّين يعانون درجةً معينة من الاستبعاد أو العزلة الاجتماعية في فترة ستة أشهر (مقارنة مع 49% آخرين يعانون من مضايقات أخرى على سبيل المثال). كما تشير الدراسة أن تجربة النبذ في مكان العمل يمكن أن تحمل ألماً نفسياً أكبر من معاناة الموظف من سلوكيات عدوانية أكثر وضوحاً.

وأثناء تحققنا من أسباب النبذ، توصلّنا إلى عددٍ من الاستراتيجيات التي يمكنك استعمالها إذا شعرتَ بالاستبعاد المقصود أو استخدام المعاملة الصامتة معك في العمل.

بدايةً، حاول أن تفهم لماذا تحدث عملية النبذ ولما تُعدّ مؤلمة جداً. إذ يُعرّف النبذ بذلك التصرف الذي يستثنيك من جميع الأحداث، كأن يمتنع أحدٌ ما عن إخبارك بشيء، أو لا يصل إليك، أو لا يدعوك إلى شيء. وفي حال كان هذا التصرف نابعاً من شخص واحد أو عدة أشخاص، فإنه قد يتضمن كذلك الاستبعاد من محادثات البريد الإلكتروني، أو من أن تتقدم لاختبارات منصب ما في اللجنة، أو من تقديم المقترحات. كما قد يتم إيقاف المحادثات التي تحاول المشاركة فيها، أو يتم تجاهل طلبك من القهوة مع بين طلبات الآخرين، أو لا تتم دعوتك إلى نزهة نهاية الأسبوع مع زملائك.

في الغالب، لا يكون هذا الأمر متعمداً، إذ قد يكون الشخص الممارس لهذه التصرفات ناسياً أو متشتّتاً في تلك اللحظة. أما السبب الأكثر عموماً، هو أن يكون شخصاً عديمَ الإحساس اجتماعياً. لكن بالنسبة لأولئك الذين يقومون بتلك التصرفات عن قصد- كطريقة غير منطقية لتجنب الخلافات أو لحماية لنفسه- فهم لا يدركون كم تكون هذه التصرفات مؤلمة؛ حيث تُظهر الدراسة أن أغلب المدراء لا ينظرون إلى النبذ على أنه مؤلم أو غير مقبول اجتماعياً.

إلا أن بحثاً مكثفاً يؤكد ما يتسبب به النبذ من إيلام للموظف، سواء كان متعمداً أم لا، لأن ما يتم إغفاله هو شيء مهم جداً؛ فنحن كبشر، لدينا حاجة اجتماعية أساسية وهي “الانتماء”؛ فمن منظور تطوّري، نعتمد على انتمائنا إلى مجموعة ما للبقاء على قيد الحياة. ولذلك يشكّل غياب المشاركة الاجتماعية المتوقّعة تهديداً لتلك الحاجة الأساسية؛ ويشير إلى أننا عديمو القيمة اجتماعياً وغير مناسبين لذلك المجتمع الذي نعتمد عليه. وأن تكون الطرف المتلقّي – مما قد تعلمه من خلال تجاربك- لعملية النبذ هو أمر مؤلم جداً.

وما يجعل النبذ أمراً أكثر إيلاماً عندما يكون غامضاً جداً. بمعنى أنه قد يكون من غير الواضح لك أنّ شخصاً ما يتعمد أذيتك أم لا، أو أنه يتم استبعادك فعلاً أم أنها مجرد أوهام تدور في رأسك. إنّ مجرد التفكير الشديد في هذه الأسئلة يسبّب الألم. ولأننا أكثر عرضة لتفسير أفعال الاستبعاد البسيطة على أنها ذات معنى، حتى لو لم تكن مصحوبة بنية سيئة، فمن الأكثر ترجيحاً أن نقتنع أننا مقصودون بشكل متعمّد.

يمكن أن يكون للنبذ تأثير قوي جداً على عملك، وذلك لأن معظمنا يستجيب إلى هذا النوع من التعاملات بالانسحاب النفسي. (حتى في تلك الحالات التي يعمل فيها الأشخاص المنبوذون على أن يتم إعادة إدراجهم تحت مظلة الاهتمام، فهم يصبحون أكثر تركيزاً على تجنب النبذ من القيام بمهامهم اليومية). في مكان العمل، قد يعني هذا تضاؤلَ الحافز والالتزام تجاه المهمة أو الفريق أو الشركة. وقد يؤدي هذا أيضاً إلى ترك الموظف للشركة واستبداله بآخر؛ حيث تُظهر دراسة أن معدلات ترك الموظفين لعملهم واستبدالهم بآخرين ترتفع عند تعرضهم لسلسلة من التصرفات التي تشير إلى أنهم منبوذون لنحو ثلاثة أعوام. كما أن استبعادك في مكان العمل له تأثير مباشر على قدرتك على التفوق، إذ تصبح أكثر عرضة لفقدان معلومات مهمة أو قد يتم تجاوزك لمشروع مهم من الممكن أن تحصل من خلاله على ترقية.

إذن، ماذا تفعل إذا كنتَ تعتقد أنك مستهدف فعلاً بهذه النوعية من التصرفات؟
الخطوة الأولى هي الإدراك: تحدّى جميع الافتراضات التي تقودك إلى لوم نفسك. وافهم أن مدى تأثّرك بتصرفات النبذ هذه يعتمد كلياً على كيفية فهمك للوضع وتأثيره عليك. كما أن جزءاً منه يتوقف على اختلاف تجربتك الخاصة عن المعايير الاجتماعية أو عن التصرفات التي تتوقعها في مثل هذه الحالات. على سبيل المثال، إذا لم تتوقع يوماً أن تتم دعوتك إلى اجتماع، فلن تشعر بأنه تم استبعادك عمداً إذا ما عُقد الاجتماع من دونك. لذلك فإن فهم المعايير الخاصة بالحالة والنية من وراء التصرف قد يحسّن من فهمك للحدث بحد ذاته.

أيضاً، اسأل نفسك عن الحالة التي تم إقصاؤك فيها، إذ قد يكون الإقصاء حينها منطقياً، ولاتنس النظر لؤلائك الذين تم استبعادهم أيضاً. فربما لم تتم دعوتك إلى اجتماع مع رئيس القسم كما لم تتم دعوة أي شخص آخر أيضاً من نفس القسم، رغبةً بأن يجتمع بكم جميعاً بشكل منفصل.

من المفيد أيضاً أن تتحدث مع أحد المقرّبين الذين تثق بهم ويعلمون الحالة والأشخاص الذين تتعامل معهم. ربما يكون هناك سياق اجتماعي آخر عليك أن تعرفه؛ فمثلاً ربما لم تتم دعوتك إلى اجتماع ما لأنك غير مؤثر فيه، والأمر يعود إليك بأن تقوم بما يجعلك أكثر أهمية وأن تمارس نفوذك بنشاط أكبر.

الخطوة التالية، هي المقاربة: انظر فيما إذا كان هناك شخص آخر يتعرض لمثل هذه المواقف (مثلاً هل يميل خالد إلى تجاهل سامي؟) وتحدث إليهم واعرف فيما إذا كانت قصصكم متطابقة. ستشعر بالراحة إذا لم تكن وحدك، وقد تكتشف أن المشكلة تكمن عند خالد أكثر من كوْن المشكلة تتعلق بك.

عندما تتحدث إلى شخص عما تعاني منه، من المهم ألا تفترض أن هذا الشخص سيؤكد ما تقوله له. وذلك لأنه من الصعب ملاحظة النبذ ممن هو خارج الموقف، ومن الطبيعي ألا يلاحظ أي أحد ما يجري معك، حتى وإن كان يحصل فعلاً. وهذا لا يعني أنك تتخيل كل هذا، فإذا كان ما يحدث معك لا يقتصر على موقف معين، عليك أن تثق بحدسك. وإذا كان الشخص الذي تتحدث معه لا يرى حقيقة ما يحدث، اطلب منه أن يتخيل معك أن هذا يحدث فعلاً. وإذا تخيل الأمر، ما الذي قد يكون السبب وراء ما يحدث؟ وما الذي يمكنك فعله تجاه ما يحدث؟ قد تحصل على نصائح ودعم جيدين حتى ولو كان الشخص لا يدعم وجهة نظرك.

كما يوجد طرق أخرى تتعلق بالتصرفات التي يمكنها أن تغيّر تجربتك أو الوضع نفسه أكثر من كونها تتعلق بالتفكير العقلي.

أحاول الحصول على دعم اجتماعي. بالإضافة إلى محادثاتك مع زملائك لمحاولة اكتشاف ما يجري، حاول إيجاد أشخاص يقدّرون مساهماتك في الفريق- أو يقدّرونك اجتماعياً- واقضِ معهم مزيداً من الوقت. قد يبدو هذا عديم الجدوى ولكن مثل هذه التفاعلات الاجتماعية الإيجابية تدفع باتجاه معالجة مشكلة تقليل القيمة الذاتية. وبالإضافة إلى أن تواصلك مع أشخاص آخرين يمكن أن يمنحك الثقة التي تحتاجها لتتعاملَ وجهاً لوجه في علاقات أكثر صعوبة.

من الناحية اللوجستية، إذا كان يتمّ استبعادك من المحادثات والاجتماعات التي تتمّ فيها مشاركة معلومات مهمة، جِد طرقاً أخرى للحصول عليها. كوّن شبكة أوسع من العلاقات في العمل بحيث تتمكن من تجاوز ذلك الشخص الصعب وتحصل على ما تحتاجه بطرق أخرى.

إذا استمر الوضع على حاله، وثّق ما يحدث معك كما قد تفعل مع أي أنماط أخرى للتعدي مثل التنمّر أو المضايقات. هذا سيعطيك فرصة أفضل لإحالة القضية للآخرين أو للشخص نفسه. قد يكون من الصعب اختبار المواقف التي تنطوي على النبذ لأن احتمال تقدير الآخرين للشعور السيء الذي تعيشه أقل من احتمال تقديرهم لشعورك إذا كنتَ تتعرض لنوع آخر أكثر وضوحاً من سوء المعاملة- حتى المتخصّصون بالموارد البشرية قد لا يكونون واعين بمدى الألم الذي قد يسببه النبذ. لذلك يمكن لتوثيق الحالة التي تتعرض لها وتأثيرها على عملك أن يساعدك في توضيح الأمور.

الخيار الأخير هو المواجهة المباشرة للشخص الذي يقوم بإقصائك. ولكن هذا الخيار له مخاطره لأن هناك احتمالاً أن هذا الشخص لم يكن يفعل ما يفعله بقصد، وحتى إن كان يقصده فلن يعترف به. افهم الطرق المختلفة للتعامل مع الخلافات بشكل يساعدك على حلّ المشكلة بدلاً من جعلها أسوأ. بل والأكثر شيوعاً أن المتّهمين بممارسة النبذ ينكرونه، سواء لأنهم لا يريدون التعامل مع الأمر أو لأنهم لم يقصدونه فعلاً.

في حالة أحمد، شعر بالثقة نسبياً لأنه علم سبب معاملته بالنبذ- وأنه كان مقصوداً فعلاً. ما زلنا نوصي بأن يناقش الحالة مع أشخاص مقربين يثق بهم في الشركة أو ذوي الخبرة ليعرف إذا مرّ أحدهم بحالة مشابهة ويتعلّم كيف قاموا بحلّها. ولأن الوضع الذي مر به كان يؤثر على عمله- إذ كان يتم استبعاده عن اجتماعات وقرارت مهمة وفرص التواصل- نوصي أيضاً أن يقوم أحمد بتوثيق جميع حوادث النبذ التي مرّ بها وكيف أضعفت من تأثيره في العمل. ويمكنه بعد ذلك أن يواجه الأمر مع أولئك الذين يستهدفونه وجهاً لوجه، وقد يتضمن ذلك الإدارة أو قسم الموارد البشرية.

في محاولة لرفع الوعي تجاه النبذ في مكان العمل، لن نحاول أن نفرض على الجميع أن يكون موجوداً في كل مكان أو مناسبة وفي جميع الأوقات. لكن وبطبيعة الحال، من الأفضل تشكيل روابط اجتماعية مع بعض الناس أقوى من غيرهم. ويمكن أن يتم استبعاد الجميع من رسالة إلكترونية بغير قصد- فهذه مواطن الخلل اليومية العادية. ولكن تتطلب أماكن العمل مستوى معيناً من المهنية والاحترام بين جميع الأعضاء. وإذا كان هناك نمط معين يقوم من خلاله الأشخاص أنفسهم بإقصائك لأسباب خارج المعايير الاجتماعية لمؤسستك، هنا عليك أن تثق بحدسك وتستخدم أفضل ممارسات حل الخلافات لمعالجة المشكلة بمهنية واحترام متبادلَين واللذين يفتقر إليهما نهج أولئك الذين يمارسون النبذ.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz