كان أول استخدام لاختبارات الشخصية على يد الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الأولى، في محاولة لمعرفة الجنود الذين قد يعانون من "صدمة القصف"، وقد أضحت هذه الاختبارات اليوم صناعة رأسمالها يقارب 500 مليون دولارٍ، وبمعدل نمو سنويّ يقدر بـ 10% إلى 15%. ويخضع ملايين العمال لاختبارات تقييمية كل عام كجزء من اختيار الموظفين، وذلك لتحسين التعاون والعمل الجماعي، وتحديد المسارات الوظيفية المُرضِية.

لكن فحص الشخصية لا يخلو من الجدل. ففي الدعاوى القضائية الأخيرة، حكمت المحاكم بأن استخدام اختبارات بعينها يُعد تمييزاً ضد طبقات العمال المحمية بالقانون، لا سيما ذوي الإعاقة. وتشير البحوث إلى أن كثيراً من معتقدات خبراء الموارد البشرية حول فحص الشخصية، تتعارض مع الأدلة العلمية. ويخشى علماء الإدارة من أن تركيز النظر على الشخصية باعتبارها مصدراً أساسياً للخلاف في العمل قد يدفع المديرين إلى التغاضي عن الدور المحوري الذي يلعبونه في خلق الظروف المواتية لفرق العمل لِكي تنجح، مهما كان تكوينها.

ومع ذلك، فإن النمو القوي لهذه الصناعة يوحي بأن المديرين يعتمدون بشكلٍ متزايدٍ على اختبارات الشخصية كأداة لتحسين مستوى العاملين لديهم. ذلك أن الاختبارات غير مكلفة مقارنة بأدوات التقييم الأخرى، ومن السهل إدارتها – إذ يمكن اجتياز الاختبارات الحديثة على الإنترنت دون الحاجة إلى وجود مراقبين. ويوجد على الساحة اليوم مئات من التقييمات الشخصية، ولكن على مدار القرن الماضي، كان لثلاثة منها تأثير واسع المجال.

مؤشر مايرز-بريجز لأنماط الشخصية. بدأت كاثرين بريجز بحثها حول الشخصية في عام 1917 كوسيلة لفهم ما رأت أنه انجذابٌ غير محتملٍ بين ابنتها العزيزة إيزابيل وخطيبها كلارنس مايرز. وعلى مدار أكثر من 20 عاماً، عمل الفريق المكون من الأم وابنتها على تطوير مؤشر مايرز-بريجز لأنماط الشخصية، معتمدتين بشكلٍ كبيرٍ على عمل الطبيب النفسي السويسري كارل يونغ (Carl Jung). ومنذ ستينيات القرن العشرين، خضع نحو 50 مليون شخص للاختبار، مما جعله إلى حدٍ بعيدٍ تقييم الشخصية الأكثر شعبية على الإطلاق.

يرى مؤشر مايرز-بريجز لأنماط الشخصية أن الناس لديهم حالاتٌ مفضلة من الإدراك (الاستشعار أو الحدس) والحُكم (التفكير أو الشعور)، وكذلك مواقف خاصة بكيفية بنائهم للطاقة (الانفتاح أو الانطواء) وميولهم للعالم الخارجي (الحكم أو الإدراك). وتتجمع هذه التفضيلات لتشكل 16 نمطاً من أنماط الشخصية.

ويجادل الخبراء بأن التصنيف إلى فئاتٍ لا ينبئ بالفعالية الفردية أو الجماعية. حيث وجدت الدراسات أن أكثر من نصف الناس الذين خضعوا للاختبار مرة أخرى حصلوا على نتيجة مختلفة في المرة الثانية. إن مؤسسة مايرز-بريجز تحذر من استخدام الاختبار لأجل "التوظيف أو تحديد المهام الوظيفية"، إلا أن شعبية الاختبار استمرت لدى كثيرٍ من الشركات الرائدة. ويرى أنصار الاختبار أنه مفيدٌ لمساعدة الناس على فهم أساليبهم وتفضيلاتهم وكذلك أساليب وتفضيلات زملائهم، وللحد من الخلافات في أماكن العمل.

نموذج العوامل الخمسة. نموذج العوامل الخمسة، والذي يسمى غالباً "الخمسة الكبار" (Big Five)، هو عبارة عن مجموعة من السمات الشخصية المستمدة من دراسة إحصائية للكلمات التي تستخدم عادة لوصف الخصائص النفسية عبر الثقافات واللغات. والفئات الخمسة هي: الانفتاح على التجربة، والوعي، والانبساط النفسي، والانسجام، والتوتر العصبي.

لقد أفرز نموذج العوامل الخمسة، المقبول على نطاقٍ واسع لدى الأكاديميين كمعيار ذهبي في مجال بحوث الشخصية المتطورة، مجموعة من التقييمات الشخصية الأخرى، بما في ذلك استبيان الشخصية الجديد (الذي وضعه اثنان ممن صاغوا نموذج العوامل الخمسة) واستبيان هوغان (Hogan) للشخصية (الذي يفحص كيفية ارتباط الشخص بالآخرين). وتُظهر الدراسات أن التقييمات المرتكزة على نموذج الخمسة الكبار، على عكس مؤشر مايرز-بريجز لأنماط الشخصية، يمكنها بشكلٍ موثوقٍ التنبؤ بالأداء الوظيفي (لكن الارتباط يكون أقوى بالنسبة للمعايير الشخصية الأخرى، مثل معدل الذكاء). وتشير الأبحاث أيضاً إلى أن التقييمات المبنية على نموذج العوامل الخمسة يمكن أن تساعد على التنبؤ بالشخصيات التي من المرجح أنها إما أن تتصادم أو أن تعمل بانسجام مع بعضها.

مستكشف نقاط القوة. في التسعينيات، ظهر فرع جديد في علم النفس يدرس كيف أن العقول السليمة تظل مرنة ومزدهرة. وقد أفرز الفرع الجديد، المسمى "علم النفس الإيجابي"، تقييماتٍ متنوعة. إن اختبار تقييم المواهب، الذي وضعته مؤسسة غالوب (Gallup) بعنوان "مستكشف نقاط القوة 2.0" (StrengthsFinder 2.0)، وهو الأشهر في هذا المجال، يخضع له 1.6 مليون موظفٍ كل عام في أكثر من 400 شركة من الشركات المدرجة في قائمة مجلة فورتشن 500. وتهدف التقييمات المبنية على استكشاف نقاط القوة إلى زيادة المشاركة والرضا عن العمل والإنتاجية، من خلال مساعدة الشركات على تصميم وظائف تستفيد من أفضل صفات موظفيها. وتتضمن التقييمات الأخرى أفكاراً من علم النفس الإيجابي، ويستخدم في استبيان مؤسسة في آي أيه (VIA) عن نقاط قوة الشخصية، ومنهج بيركمان (Birkman).

يرى البعض أن التركيز على السمات الإيجابية وحسب ليس الطريقة المثلى لتحفيز التحسين؛ فالنقد البناء وتقييم الذات الواقعي يسهمان أيضاً في تحسين الأداء.

ما الخطوة التالية؟ تتخلى الشركات على نحو متزايدٍ عن أداتي اسم العلامة التجارية والمصدر المفتوح لصالح اختبارات الشخصية التي تتوافر حسب الطلب. والهدف من ذلك هو تحسين ممارسات التوظيف من خلال حصر الموظفين أصحاب الأداء العالي في وظائف بعينها، ثم استخدام الهندسة العكسية لإعادة صياغة الوصف الوظيفي بناء على سماتهم الشخصية.

يشكك بعض الأكاديميين في فاعلية هذه المنتجات، إلى حد ما بسبب طبيعة منهجيات الشركات التي تميل إلى التملك. ولكن يعتقد كثيرون أن القفزات التي أُحرزت في علم الأعصاب وفي أدوات التحليل الإحصائي ستتمخض عن وسيلة موثوقة لتحديد السمات الشخصية اللازمة لإتاحة أيد عاملة عالية الأداء. ونظراً للأرباح التي يمكن جنيها من وراء ذلك، فستواصل الشركات الاستثمار في مجال اختبارات الشخصية، وتصارع من أجل الحصول على الميزة التنافسية في اقتصاد يرتكز على المعرفة.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!