سماح ونورا وساره هنّ مجرد نساء نجحن في اختراق “السقف الزجاجي” الشهير وصولاً إلى تولي رئاسة مجالس إدارة شركات كبيرة. وعلى الرغم من أنّ تمثيل النساء لا يزال ضعيفاً في المناصب العليا في الشركات والمؤسسات، تزداد الرغبة في فهم ما إذا كانت هناك أوجه اختلاف بين تجارب النساء والرجال عند تولي أعلى المناصب.

سعينا من خلال بحثنا إلى معرفة ما إذا كان المستثمرون الناشطون يفرّقون في تعاملهم بين رؤساء الشركات الرجال والنساء، علماً أنهم يمارسون ضغوطاً على الشركات من أجل تغيير سياساتها الاستراتيجية وقراراتها. ولقد وجدنا أنّ حملة الأسهم الناشطين يمثلون تحدياً أكبر للنساء رئيسات مجالس الإدارة مقارنة مع الرجال.

يزداد حملة الأسهم الناشطون في الأسواق المالية الأميركية، وينظر المدراء بصورة عامة إليهم نظرة عدائية ويعدّونهم متنمرين يعربون على الملأ عن عدم رضاهم عن إدارة الشركة ويطالبون بإدخال تغييرات عليها. في حالة شركة ياهو على سبيل المثال، عبّر حملة الأسهم الناشطون بصوت عال عام 2008 عن تأييدهم قبول عرض الاستحواذ من شركة مايكروسوفت، على الرغم من عدم اتفاقه مع استراتيجية رئيس إدارة الشركة في ذلك الوقت. وفي العام 2015، قارنت إيرين روزنفلد الرئيسة السابقة لمجلس إدارة شركة مونديليز (Mondelez) العملاقة للوجبات الخفيفة بين حملة الأسهم الناشطين الذين “يلعبون لعبة كرة القدم الخيالية” من منازلهم أو خلف مكتبهم، وأولئك الذين “يلعبونها فعلاً في الملعب” بقولها إنّ “إسداء النصح للآخرين للتصرف بطريقة ما، لا يبدو صعباً على الذين ليس عليهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم”.

يتعلق الكثير من الاستثمار الناشط الذي يجري الحديث عنه في وسائل الإعلام بمستثمر كبير يملي على رئيس الشركة ما عليه أن يفعله. مع ذلك، ينخرط في بعض الأحيان عدد من المستثمرين الناشطين في ما يسمى “هجوم قطيع الذئاب”، ويستهدفون الشركة في الوقت نفسه. ومن الأمثلة الشهيرة على تعرض الشركات لهجمات من هذا النوع في السنوات القليلة الماضية شركة مطاعم داردن (Darden Restaurants) مالكة سلسلة أوليف غاردن (Olive Garden)، وشركة بتسمارت (PetSmart). إلى جانب ذلك، يحظر القانون على الناشطين التكتل معاً ضد الإدارة من دون الكشف عما يقومون به علانية. ولكن ونظراً لصعوبة إثبات أنّ الناشطين قد شكّلوا مجموعة، فإنهم يتمكنون أحياناً من العمل معاً. لقد أردنا معرفة إن كان النوع الاجتماعي لرئيس الشركة له دور في استهداف المستثمرين الناشطين لها. واستطعنا من خلال قراءتنا لنتائج أبحاث جامعية سابقة استنتاج ثلاث إجابات ممكنة وإنما متناقضة في ما بينها:

  • لا، لا يوجد فرق في معاملة النساء والرجال، لأن المستثمرين الناشطين لا يفرقون بين النوعين الاجتماعيين أو الجنسين. وبما أنّ المستثمرين يركزون على زيادة قيمة حصتهم في الشركة إلى أقصى حد، فينبغي ألا يكترثوا إن كان رئيس الشركة رجلاً أم امرأة. وبالتالي، لا ينبغي أن يكون هناك فرق سواء استهدفوا شركات تقودها رجال أو نساء، عندما يتعلق الأمر بأداء الشركة.
  • نعم، رئيسات الشركات مُستهدفات بوتيرة أقل، لأن نظرة المستثمرين أكثر ميلاً إلى صف النساء. وبالنظر إلى العوائق الإضافية التي يتعين على النساء اجتيازها لكي يصبحن رئيسات مجلس إدارة، تبدو رئيسات الشركات أكثر كفاءة من الرجال الرؤساء، وبالتالي يُنظر إلى الشركات التي تقودها النساء على أنها أكثر كفاءة إدارياً. ونتيجة لذلك، ينبغي أن تكون رئيسات الشركات أقل عرضة للاستهداف من حملة الأسهم النشطاء.
  • نعم، رئيسات الشركات أكثر عرضة للاستهداف، لأن لدى المستثمرين ذهنية “فكّر في المدير، فكّر في الرجل”. وهذا يقترح أنه وبسبب الأفكار النمطية الجندرية، يميل الناس إلى رؤية المدراء أكثر شبهاً بالرجال منه بالنساء. لقد ذكرت العديد من الدراسات الجامعية أنّ الصفات التي تُربط بمنصب المدير (الحزم والعدوانية والكفاءة) تتعارض غالباً مع الصفات التي ينسبها مجتمعنا إلى النساء. وقد تقود هذه الأفكار النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي إلى تصور أنّ منصب المدير لا يناسب النساء، وينتج عن ذلك بالتالي زيادة استهداف النشطاء لشركات تقودها نساء.

وهكذا، إذا كان النشطاء محايدين حيال النوع الاجتماعي، فإنهم لن يكترثوا بنوع رئيس الشركة الاجتماعي. وإذا عدّ النشطاء المديرات النساء أكثر كفاءة من المدراء الرجال، عندها سينحازون للنساء. وإذا عدّ النشطاء الرجل أنسب لتولي منصب المدير، سينحازون للرجال.

لقد افترضنا أنّ الإجابة الثالثة هي الصحيحة: إذ توقعنا أنّ المستثمرين معرضون للتحيز الشائع المتصل بالأفكار النمطية حول دور الجندرة، والأرجح أن يستهدفوا المديرات أكثر مما يستهدفون المدراء الرجال. وتُعد الأفكار النمطية المتصلة بالنوع الاجتماعي شائعة وتميل لممارسة تأثير أقوى في الأوضاع الغامضة، وهذا ما نراه في كثير من الأحيان عندما يتعلق الأمر بربط قرارات رئيس الإدارة بنتائج الشركة.

لاختبار هذه الفرضية، حللنا معطيات 3,026 شركة أميركية كبيرة بين العام 1996 والعام 2013. وحددنا نشاط المستثمرين النشطاء من خلال مراجعة سجلات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (Securities and Exchange Commission). إذ تطلب الهيئة من المساهمين الذين يستحوذون على أكثر من 5 في المئة من حقوق التصويت في شركة عامة بنية التأثير على إدارتها، تعبئة طلب يُسمى “جدول 13د” (Schedule 13D). ولقد عثرنا على أكثر من 1,500 من هذه الطلبات من أجل 1,090 شركة ضمن عينتنا. وحاولنا أن نأخذ في الاعتبار أية فروقات أخرى غير الجندرة قد تؤثر على قرارات النشطاء. ولأن الشركات التي توظف مديرات تختلف عن الشركات التي توظف مدراء من الرجال، عملنا على التحكم بمجموعة كبيرة نسبياً من المتغيرات بما في ذلك حجم الشركة، وربحيتها، وقوتها المالية، وعائدات أسهمها، وتنافسيتها في القطاع نفسه، ضمن نموذج قائم على الاحتمالية (probit model). واستخدمنا كذلك منهجية “الميل إلى مطابقة النتيجة” الاحصائية (propensity score matching) المصممة لمطابقة الشركات التي تقودها نساء، وتلك التي يقودها رجال والمتشابهة في الأبعاد الرئيسية. وبصورة أشمل، أجرينا عدة تحليلات إضافية لاستبعاد التفسيرات البديلة. وبغض النظر عن متغيرات التحكم التي استخدمناها، والمواصفات الاقتصادية القياسية والتقنيات الانحدارية، كانت نتائجنا متسقة في ما يخص نوع رئيس الشركة الاجتماعي.

وجدنا أنّ الشركات في عينتنا التي يقودها رجال استهدفها ناشط خلال 6 في المئة من وقت فترة الدراسة، مقابل 9.4 في المئة عندما كانت تتولى امرأة المنصب. وحدثت هجمات ما يُسمى “قطيع الذئاب” على شركات يديرها رجال ونساء بنسبة 1 في المئة و1.6 في المئة على التوالي. وعلى الرغم من أنّ هذه الفروقات تبدو ضئيلة، إلا أنها تعني أنّ الشركات التي تديرها نساء كانت أكثر عرضة للاستهداف بنسبة 50 في المئة من قبل ناشطين، وتقريباً 60 في المئة أكثر عرضة للاستهداف من قبل عدة ناشطين في الوقت نفسه.

على الرغم من أنّ الأحداث التي يقف وراءها ناشطون نادرة في الإجمال، فإنها تميل للحصول على تغطية واسعة، وواقع أنّ المديرات أكثر استهدافاً من المدراء الرجال يثير القلق إذ أنّ من شأنه إدامة الأفكار النمطية السلبية المتصلة بالنوع الاجتماعي بحق رئيسات الشركات. ويرى الناس أنّ الحراك الهادف (activism) مؤشر على مدى حسن أداء شركة ما ورئيسها، وبالتالي، فإنّ زيادة الحراك ضد رئيسات الشركات من شأنه تعزيز الفكرة بأنهن غير قادرات على إدارة الشركات بنفس القدر مثل الرجال.

لا يتيح لنا بحثنا فحص لماذا بالضبط يستهدف المستثمرون النشطاء رئيسات الشركات بقدر أكبر. ومع ذلك، فإنّ نتائجنا متسقة مع ذهنية “فكّر في المدير، فكّر في الرجل”، نظراً لأن الأسباب الأخرى الممكنة أُخذت إحصائياً في الحسبان التقنيات الانحدارية. ولقد تمكنّا فقط من متابعة نشاط المستثمر الناشط الذي كان يعمل في العلن تماماً، إذ إنّ تعبئة “الجدول 13د” لدى هيئة الأوراق المالية يماثل إعلاناً رسمياً من جانب المستثمر. ولكن المستثمرين النشطاء يتعرضون للشركات من خلال أعمال تجري خلف الكواليس، والأرجح أن يكون التحيز الجندري أكثر بروزاً عندما يعمل المستثمرون بطرق أقل علانية.

وفي الحقيقة، يبدو أنّ المستثمرين الناشطين ينظرون إلى المدراء من منظار الأنماط المتصلة بالنوع الاجتماعي: فهم يرون المديرات أقل فعالية من المدراء الرجال، وبالتالي فهم يخصّون النساء بقدر أكبر من التوجيهات (غير المرغوب فيها) بشأن كيفية إدارة الشركة. ويمكن القول أنّ هذا المنظار الجندري الذي نعتقد أنه يؤثر على كيفية رؤية المستثمرين الناشطين للعالم، يميل إلى العمل تحت مستوى الإدراك الواعي، بحيث أنّ أغلب المستثمرين لا يعون على الأرجح تحيزهم. وعندما لا يتضح لماذا لا تحقق الشركة الأداء بالدرجة القادرة على تحقيقها، تصبح الأفكار النمطية الجندرية أوضح وتؤثر على كيفية تقييم الناشطين كفاءة المدير التنفيذي.

يحتاج المستثمرون الناشطون ومجالس الإدارة إلى إدراك وجود مثل هذا التحيز والعمل على التصدي له. ويكتسي هذا الأمر أهمية، لأن المدراء التنفيذيين يصرفون الكثير من الوقت والجهد للتعامل مع المستثمرين النشطاء. لنأخذ على سبيل المثال الحراك الذي قاده نلسون بليتز ضد إندرا نويي في شركة بيبسي والذي استمر قرابة سنتين قبل أن يتوصلا إلى هدنة في العام 2015.

أخيراً، يتعين على الرؤساء التنفيذيين أن يقدموا عروضاً بصرية مفصّلة بشأن استراتيجية وتوجّه الشركة، وأن يخوضوا حروباً بالوكالة من أجل عضوية المجلس، وأن يعقدوا اجتماعات مكثفة مع مختلف المساهمين من أجل إقناعهم بأنّ الإدارة تُحسن تسيير الشركة. إلى جانب ذلك، يُعتبر الوقت الذي يصرف في مقارعة المستثمرين الناشطين، إنما يُقتطع من الوقت الذي ينبغي أن يخصصه رئيس الشركة لإدارتها فعلياً. وبالتالي فإنّ المستثمرين النشطاء يقوّضون فعالية المدير التنفيذي. وفي حال كانت المديرات التنفيذيات يواجهن قدراً أكبر من تهديدات الناشطين، فهذا يعني أنّ منسوب الضغوط أعلى على مسيرتهنّ المهنية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!