لسنوات، بدت سلسلة متاجر وول مارت وكأنها فهمت بالضبط ما يريده العملاء، إذ طورت تحليلات المستهلك المعقدة واستخدمت تلك البيانات جنباً إلى جنب مع ضغط لا هوادة فيه على الموردين، للتحول إلى عملاق التجزئة الذي يبيع عملياً كل شيء بأقل الأسعار الممكنة.

ثم جاءت الإنترنت، ليظهر منافسون عرفوا كيف يتتبعون ويتوقعون السوق، تماماً كما كانت تفعل وول مارت، من أجل أن نرى نجاحاً سريعاً لمواقع مثل أمازون وغيرها من المواقع التجارية الإلكترونية الأُخرى. ما يدفعنا هذا إلى التساؤل عما إذا كان عملاق المتاجر وول مارت قادراً على الصمود، أو حتى الازدهار، مع عدد متاجره البالغة 4600 متجر في الولايات المتحدة لوحدها.

ومع تباطؤ نمو مبيعات وول مارت، قام مجلس الإدارة عام 2014 بتعيين دوغ ماكميلون (Doug McMillon) لتولي منصب الرئيس التنفيذي. وطلب منه إعادة وول مارت إلى المنافسة دون تدمير العلامة التجارية.

وعمل ماكميلون صاحب الـ50 عاماً على محاولة الارتقاء لهذا التحدي. حيث عمل بجد لإحداث التغيير مع احترامه في الوقت ذاته لتقاليد الشركة. إذ أمضى ماكميلون حياته المهنية في الشركة، وبدأ العمل في تفريغ الشاحنات ضمن متجر وول مارت في تولسا، أوكلاهوما، ثم حصل على ترقيات متتالية ليدير سلسلة متاجر سام كلوب (Sam’s Club)، وهي سلسلة فرعية عائدة لوول مارت، ثم تولى عمليات وول مارت الدولية. وتُعتبر مهمته ليست بهذه السهولة إذ تتمثل بقيادة عملية التحول ضمن أكبر شركة في أميركا.

وجلس ماكميلون لإجراء المقابلة في مكتبه ضمن مقر وول مارت في بنتونفيل، ضمن الجزء الشمالي الغربي من أركنساس، وهو المكتب ذاته الذي احتله مؤسس الشركة الأسطوري سام والتون أثناء قيامه ببناء وول مارت لتتحول إلى شركة قيمتها 500 مليار دولار. وتحدث ماكميلون مع هارفارد بزنس ريفيو حول محطات رحلة وول مارت الرئيسية وشرائها موقع (Jet.com) بقيمة بلغت 3 مليارات دولار، وكيف يخطط للاستجابة للرياح المتغيرة التي تعصف بالأسواق الأميركية.

هارفارد بزنس ريفيو: عندما أصبحت الرئيس التنفيذي لشركة وول مارت، ماذا كانت أهم أولوياتك؟

ماكميلون: يزيد عمر وول مارت عن 50 عاماً، وتم تأسيسها لغرض محدد، إلا أنّ العالم يتغير بسرعة. فعندما توليت هذا المنصب، بدا واضحاً أنّ المجلس أراد مني امتلاك عقلية أنني سأبقى في هذا المنصب لفترة، حيث قال لي: “تحتاج الشركة للمرور ببعض التغييرات، بالتالي عليك ألا تقوم بإدارتها والحفاظ عليها فحسب، بل الاستعداد أيضاً للمستقبل”. وهذا ما كنّا نحاول القيام به.

هل هذا يعني الانتقال إلى العالم الرقمي؟

لقد وضعنا بالتأكيد العمل على التجارة الإلكترونية والانتقال إلى العالم الرقمي ضمن أولوياتنا، لكن هناك أولويات أُخرى مثل: هل موقعنا التجاري صحيح في 28 سوق عالمي نحن فيه؟، وعلى المستوى الثقافي: هل لدينا السلوكيات التي نحتاجها لمواجهة المستقبل؟، وماذا علينا أنّ نغير في سلسلة متاجرنا؟

هل أنت متأكد من أنّ المتاجر الفعلية جزء من مستقبل الشركة؟

هدفنا هو أن نكون قادرين على خدمة عملائنا المستقبليين. للقيام بذلك، إذ أنه علينا إدارة أعمالاً تجارية إلكترونية قوية ومميزة، وتطوير ما نقوم به في المتاجر الفعلية. حيث يريد الزبائن توفير المال والوقت ويريدون أوسع تشكيلة من المنتجات. وبدورنا نؤمن أنه من خلال جلب التجارة الإلكترونية والقدرات الرقمية جنباً إلى جنب مع ما نقدمه في المتاجر، يمكننا فعل الأشياء التي لا يمكن لمتاجر الإنترنت القيام بها.

هل يمكن أن تتكيف استراتيجيتك لتتوافق مع حقيقة أنك بالفعل تحافظ على آلاف المتاجر؟، أم أنك واثق من أنّ التكامل هو أفضل نهج؟

يريد العملاء في الواقع كل شيء. فهم يريدون الذهاب إلى الإنترنت لمشاهدة مئات الملايين من العناصر والعثور على أي شيء يبحثون عنه، ويريدون أيضاً الحصول على تجربة سارة في بيئة متجر تقليدية.

لطالما عُرفت وول مارت بأسعارها المنخفضة، هل باتت الراحة الناتجة عن التسوق على الإنترنت أكثر أهمية من السعر؟

عُرفت وول مارت دائماً بانخفاض أسعارها، واعتاد الزبائن على ذلك أيضاً. لكنهم يريدون أيضا توفير الوقت، فضلاً عن توفير المال. ولا يمكنك بناء أعمال تجارية ناجحة اليوم اعتماداً فقط على تقديم أسعار منخفضة. إذ لم تعد الرؤية التقليدية والتي تقوم على الخدمة مقابل الأسعار المنخفضة منطقية.

تأخرت وول مارت في دخول مجال التجارة الإلكترونية. لماذا استغرقت كل هذا الوقت؟، هل السبب أن النموذج القديم كان مربحاً بحيث لم يكن هناك حاجة ملحة للتغيير؟

بلا شك نتمنى لو كنا أكثر تنافسية في وقت مبكر. حيث واجهنا في بعض النواحي ما يسميه كلايتون كريستنسن “معضلة المبتكر”. إذ قمنا بتوظيف الموهوبين واستثمرنا وقمنا بتنويع ما نقدمه بدل التراجع وغدونا أكثر تنافسية، وجعلنا التوظيف جزءاً أساسياً من أعمالنا. ويعود هذا جزئياً إلى امتلاكنا المتاجر التقليدية. إذ كنا نعرف أنه إذا واصلنا فتح متاجر وول مارت ضخمة، فإنّ أداءها سيكون جيداً. ولا تزال حركة الزيارة في حالة ارتفاع ضمن الولايات المتحدة، لكن يجب أن يكون التحول الرقمي أكثر من مجرد خدمة عملاء جيدة، وأكثر من التجارة الإلكترونية. فنحن بحاجة إلى رقمنة جميع وظائفنا ومهامنا لنتمكن من أن نكون أسرع وأكثر كفاءة. ولا يزال هناك الكثير من الأعمال الواجب علينا القيام بها.

كانت وول مارت دائماً الرائدة في مجال التحليل وفهم العملاء. أما الآن، في عصر البيانات الكبيرة، بات هذا المستوى من الفهم موجود لدى كل تجار التجزئة. كيف يمكنكم الحفاظ على ميزتكم التنافسية؟

يتمثل التحدي في معرفة كيفية جعل الناس يتعاملون معنا بالشكل الصحيح. حيث أننا نمتلك فريق كبير في وادي السيليكون الآن. ولدينا فريق تقني كبير هنا بنتونفيل وآخر في الهند. كما أنه لدينا مكتب (Jet.com) في نيو جيرسي. كيف يمكننا تصميم الشركة لخلق تجربة سلسة يحبها العملاء؟ متى نعمل معاً؟ ومتى لا نعمل معاً؟ ومن المسؤول عن ماذا؟

كيف يمكنك التأكد من امتلاك من يقودون عملك الأساسي نفس الحماس والاهتمام والموارد لتبني أحدث العمليات الرقمية؟

يجب أن يصبح الأشخاص الذين يديرون الأجزاء القديمة من أعمالنا رقميين أيضاً. إذ لا يمكن أن يكون بعض الناس يعيشون في الأمس، بينما يعيش آخرون في الغد. وعلينا جعل الجميع ينظرون إلى المستقبل لننافس باقي الشركات. ونحاول تغيير العادات الثابتة لجميع موظفينا ونقلهم تجاه المستقبل.

كيف يمكنك توصيل هذه الفكرة عبر كامل أنحاء الشركة؟

نحن في عملية تعليمية مستمرة، حيث وضعنا الأهداف واجتمعنا في مجموعات وبشكل فردي. كما أعطينا الموظفين مراجع يقرؤونها، ومن ضمنها مقالات من هارفارد بزنس ريفيو. حيث يتعلم الناس بطرق مختلفة، بعضهم يقول إنهم يفهمون بشكل جيد عندما يرون دراسة حالة، في حين يفهم آخرون إذا اطلعوا على أبحاث نظرية حول الموضوع.

هل تجد أن لديك بعض الموظفين الذين يفتقرون إلى المهارات والصفات لإنجاح هذه الرحلة؟

أجل، من المنطقي حصولك على ردود مختلفة أثناء قيادتك لهذا التغيير. فهناك من يحتاجون إلى وقت أكثر أو لن يكونوا راغبين في التغيير. فقد شاهدنا مغادرة بعض لموظفين، وسنرى مغادرة آخرين. لكن لدينا الكثير من المتعلمين الجيدين، وموظفين واعدين في الشركة. وأنا على ثقة بأننا كمجموعة سنكون قادرين على المضي قدماً.

تواجه وول مارت منافسة فيما يخص الاسعار وأيضاً فيما يتصل بالجودة. ثم هناك عملاق الإنترنت أمازون أيضاً. كيف ترى الفوز في هكذا بيئة؟

نحاول التركيز على العملاء أكثر من المنافسة. وبالطبع، لدينا منافسين في نفس مجال عملنا ونحاول التعلم منهم. كما نحاول توظيف مواهب مميزة في المجال الرقمي. وحققنا عمليات استحواذ ومتأكد من أننا سنستحوذ على شركات أُخرى. ونحن أيضاً أكثر انفتاحاً على الشراكة مما كنا عليه في الماضي. إذ لم نعد نريد بناء كل شيء بمفردنا.

لنتحدث قليلاً عن موقع أمازون، كيف تحشد وول مارت قواها ضده؟

اسمح لي بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال من خلال تبيان بضعة أمور. فعندما توليت هذه المهمة بادئ الأمر، قدمت لطاقم عملي هذا الكتاب “مخزن كل شيء” (The Everything Store) وهو كتاب لبراد ستون (Brad Stone) الذي يلقي نظرة معمقة على موقع أمازون. وطلبت منهم قراءته وفهمه، ثم ناقشناه معاً في الاجتماعات.

ويُعتبر هذا الكتاب نسخة طبق الأصل من “كتالوغ روباك” (Roebuck catalog) الخاص بشركة سيرز (Sears) الصادر عام 1908 والذي كان يضم الكثير: (أسرّة ولوحات وبيانو وأطعمة ومواقد وبنادق والكثير). بعبارة أُخرى، كان يقدم تشكيلة هائلة لساكني الضواحي. وكان ذلك في عام 1908، في زمن كان الناس يحصلون على طلباتهم عبر نظام السكك الحديدية المنشأ حديثاً. وجاءت سيرز لتقدم “كتالوغ روباك” مع فكرة إنشاء منافذ بيع لتصبح شركة تضم قائمة مبيعات ومتاجر مع التركيز على التشكيلة والقيمة والخدمة. وكانت المتاجر قريبة من العملاء، الذين كان بمقدورهم الحصول على ما يريدون على الفور، ونعلم أنّ البشر يريدون تحقيق رغباتهم بسرعة.

وأنت تعتقد أن نسخة وول مارت ذات النموذج المزدوج قادرة على قهر أمازون؟

كمتجر تجزئة، لقد استمتعنا بمشاهدة ما بناه موقع أمازون. فالموقع رائع حقاً. إنه سوق مبتكر فيه يحصل العملاء على أوسع تشكيلة بأقل وقت ممكن. بالتالي كيف يمكننا متابعة ما كنا نقوم به مع تحقيق ذات هذه الأشياء بأنفسنا؟ يمكننا القول أنّ هدفنا هو نسخ ما يجب نسخه وابتكار ما ينبغي لنا ابتكاره لينتهي المطاف بنا بتحقيق الفوز وتطوير ما نقوم من دون تغيير هويتنا. حيث فكرنا كثيراً في السنوات القليلة الماضية، ونشعر أنّ هدفنا وقيمنا وثقافتنا مستمرة على طول السنين. ونرى لدى النظر إلى الماضي أنّ التغيير الصعب أمر لا مفر منه لتجار التجزئة، ولكننا واثقون من قدرتنا على المضي عبره بأقل ضرر ممكن.

كيف يحدث التحول الرقمي لديكم حالياً؟ وما هو التحدي الأكبر؟

يحدث التحول الرقمي بسرعة. إذا قارنت أعمالنا في التجارة الإلكترونية مع أي جهة أُخرى، يمكنك القول بأنّ عملنا التجاري جيد. حيث ارتفعت مبيعاتنا في السنة المالية 2016 في مجال التجارة الإلكترونية العالمية حوالي 12٪ لتصل إلى 13,7 مليار دولار. لكن عندما ترى ما تقوم به الجهة الأفضل في هذا المجال، سترى أننا نحقق أقل بكثير منها، وهذا فقط في التجارة الإلكترونية.

هناك الكثير من التحولات الرقمية الأُخرى التي يجب أن تحدث. نحن نفكر في الطريق الصحيح، ونتحرك لكن ليس بالسرعة الكافية. أشعر بالإحباط من ذلك.

ما هي القيمة الكبرى وراء شراء (Jet.com)؟ ولماذا دفعت 3 مليارات دولار لشراء الموقع بدل بناء واحد تابع للشركة من الصفر؟

كنا نحقق تقدماً مع موقعنا (Walmart.com) من دون موقع “جت”، لكن لم يكن ذلك كافياً. وكان تجربة العملاء الشفافة التي بناها مارك لوري (Marc Lore) الرئيس التنفيذي وبقية فريقه جذابة. كما تتيح تجربة “السلة الذكية” الخاصة بموقع “جت” للعملاء أن يشاركوا بنشاط في السعر الذي يدفعونه، وذلك حسب طريقة شراء الأشياء، باستخدام بطاقة السحب الآلي بدل بطاقة الائتمان، والتخلي عن امتياز إرجاع الغرض وما إلى ذلك. وعندما رأينا “جت”، رأينا منصة تقنية قوية وفريقاً كان متوائم ثقافياً مع فكرتنا حول العالم.

هل الهدف هو دمج المنصتين والعلامتين التجاريتين؟

سنقوم بمشاركة الكثير من الأشياء في الخلفية، ولدينا في نهاية المطاف منصة تكنولوجية مشتركة وأعمال مرتبطة، إلا أننا سندير العلامتين التجاريتين بشكل منفصل عن بعضهما البعض وبهويتين منفصلتين.

لماذا يجب على العلامتين التجاريتين البقاء منفصلتين؟

تبدو علامة “جت” التجارية أكثر مدنية ولديها عملاء من الجيل الأصغر عمراً والأعلى دخلاً مقارنة بشركة وول مارت. كما أنّ لها علاقات مع بعض العلامات التجارية التي لا تريد بيع منتجاتها عبر وول مارت.

على الرغم من قيام وول مارت مؤخراً برفع الأجور، لا تزال الشركة تواجه قضايا تتصل بسمعتها. كيف تتعامل مع ذلك؟

نتعامل بواقعية ونحاول التركيز على ما يمكننا القيام به لجعل شركة وول مارت أفضل، ثم يمكننا بعدها التحدث عن السمعة. أنا فخور حقاً بعملنا في الاستدامة البيئية والاجتماعية، بما في ذلك الالتزامات التي نبذلها بشأن الغازات الدفيئة. وإذا كان العالم يعرف ما قمنا به على مدى السنوات العشر الماضية وما نقوم به لجعل الأمور بشكل أفضل بشكل كلي، أعتقد أنّ سمعتنا كانت لتكون أفضل بشكل كبير.

كيف ترد على الاتهامات العالقة بأن وول مارت تسيء معاملة عمالها؟

كانت أول وظيفة لي مع وول مارت تفريغ الشاحنات في مستودع، ثم عملت كمساعد مدير في متجر، وكنت محظوظاً بما فيه الكفاية للانتساب إلى برنامج “تدريب المشتري” هنا. وكنت أحب التسويق وقادني مساري المهني إلى سام كلوب ووول مارت الدولية. كما حظيت بفرص في هذه الشركة أكثر مما كنت أحلم به. هناك مئات الآلاف مثلي ممن خاضوا تلك التجربة، لكنها لم تكن مثالية. نحن نحاول إجراء بعض التغييرات الجذرية إلى حد ما لجعل سلم الفرصة أكثر واقعية للجميع، وأنّ نخلق حقاً الفرص التي نطمح إلى تحقيقها طوال الوقت.

كيف تفعلون ذلك؟

علينا البدء من أسفل الهرم الوظيفي، من مكان بدء العمل حيث يمكن لخريج الكلية أو شخص يريد بناء حياة مهنية الحصول على مكان للانطلاق، ثم عليك وضع المراتب الوظيفية المتدرجة بشكل مناسب وتقديم الدعم المناسب لكي يتمكن الناس من الترقي إذا أرادوا ذلك. فقد استثمرنا في الأجور، والتدريب ومجالات أُخرى لإنشاء نظام يمكن أن يساعدك على المضي قدر ما تريد في السلم الوظيفي، بقدر قدراتك وأخلاقياتك في العمل.

هل تبحث عن نوع مختلف من الموظفين في هذه الأيام؟

سيشمل مستقبل قطاع التجزئة المزيد من التكنولوجيا، ولدينا بالفعل وحدات تهتم بهذا حالياً، كما تتوفر المزيد من البيانات للناس. إذ أننا بحاجة إلى عاملين في المتجر ومدراء يمكنهم العمل على الأجهزة المحمولة والقيام بالتحليل وطرح الأسئلة وتلقي البيانات وأساساً تشغيل مخزن داخل مخزن. فتخيل أنك تحاول إدارة قسم الألعاب بشكل رائع داخل متجر وول مارت. سيعتمد نجاحك على التنبؤ. من خلال كيف تفكر في الطقس؟ ماذا عن المجتمع؟ ما هي المتغيرات الأُخرى التي علينا النظر إليها؟ ولجذب النوع المناسب من المواهب، نحن بحاجة إلى القيام ببعض الاستثمارات. وهو ما سيؤدي إلى مخازن أفضل.

دعنا نتحدث عن دورك كرئيس تنفيذي. ما هو أكثر ما تحتاج إلى التركيز عليه؟

لقد عملت في الشركة لفترة طويلة، بالتالي من المهم تطوير رؤية من الخارج للشركة. فإذا كنت معتاداً جداً على الأشياء التي نفعلها طوال الوقت، سأقوم، بوعي أو من دون وعي، بحمايتها وبالتالي سأتسبب في إبطاء الشركة. لذلك حاولت قضاء الكثير من الوقت خارج الشركة والتعلم من الرؤساء التنفيذيين الآخرين. ولا زلت أزور متاجرنا طبعاً، إلا أنني أذهب إلى وادي السيليكون في كثير من الأحيان، وأجتمع مع أشخاص من شركات ناشئة وأُخرى كبيرة نتعامل معها تجارياً لأطرح عليهم الأسئلة في محاولة لمعرفة ما يعنيه الوجود في العالم الرقمي. كما أسافر حول العالم لمعرفة ما يعنيه أن تكون علامة تجارية عالمية. ثم أحاول استخدام كل ذلك لخلق الاستراتيجية الصحيحة والمستوى المناسب من العمل لتسريع التغيير. وأحاول الاستفادة من المنظور الجماعي وحكمة وخبرة من أتحدث إليه لقيادة وول مارت كما لو كانت شركة حديثة العهد تأسست للتو.

كيف تعرف إذا كنت على الطريق الصحيح؟

أولاً، لا أفعل كل ذلك بنفسي، لكن هناك بالتأكيد خطر مرتبط بالتغيير. وربما لا ننجح، لكن من الأفضل لنا خوض غمار ذلك ومحاولة الوصول إلى المستقبل حتى نتمكن من البقاء 50 عاماً إضافية، مقارنةً بمحاولة الاستفادة القصوى من النظام القديم.

ما هي نصيحتك للرؤساء التنفيذيين الآخرين ممن تمر شركاتهم بالتغيير المدمر؟

عليه التصرف مثل طالب المدرسة وإحاطة نفسه بأشخاص يعرفون كيفية التصرف. حيث يحتاج خبراء العالم الرقمي إلى أن يكونوا جزءاً من فريق الإدارة لديه، وكذلك مجلس إدارته. فقد ضم مجلس إدارة وول مارت أشخاصاً مثل كيفن سيستروم (Kevin Systrom) المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أنستغرام وماريسا ماير (Marissa Mayer) الرئيسة التنفيذية لشركة ياهو.

كيف يمكنك الاستمرار في التعلم؟

أنا شخص فضولي. أنت تتحدث إلى رجل كان من أوائل المستخدمين لأجهزة “نيوتن” و”بالم بايلوت”. كما أنه لدي جهاز “جوجل هوم” في مطبخي، وأحب اللهو بأجهزة الذكاء الصناعي. وأحب تعلم أشياء جديدة، وكذلك الكثير من قادة وول مارت، وهذا يعطينا الفرصة.

هل تجرب وول مارت أشياء مثل منصات التعرف على الكلام والواقع المعزز والواقع الافتراضي؟

لدينا بعض التجارب، لكننا متراجعين في هذه المجالات. لكن سيحدث الواقع الافتراضي، كما سيحدث تعلم الآلة في المستقبل القريب. ولا نستطيع الابتعاد كثيراً عن تلك الأمور، وعلينا بناء قدراتنا الخاصة في بعض المجالات وذلك بمساعدة الشركاء.

هل شعرت ذات مرة أن وتيرة التغيير خارجة عن السيطرة؟

في الماضي، كانت الشركات المماثلة لوضعنا تتخذ خياراتها الاستراتيجية مرة كل سنة أو ثلاثة أشهر. حالياً علينا القيام بذلك يومياً. حيث أتكلم من حين لآخر مع آيه جي لافلي (A.G. Lafley) الرئيس التنفيذي السابق لشركة “بروكتر أند غامبل”، وتحدثنا من فترة قريبة كيف أنّ الاستراتيجية هي أمر عليك النظر إليه كل ساعة. إذ تحتاج كرئيس تنفيذي إلى امتلاك إطار عمل في عقلك، وعليك التفكير بشكل استراتيجي طوال الوقت.

يبدو هذا أمراً مثيراً للتحدي.

يمكن أن يكون محبطاً لفريقك، إذ أنك لا تريد إنشاء بيئة يشعرون فيها بأنهم يحاولون ضرب هدف متحرك كل يوم. فخلال عملية التعلم، عليك أيضاً دراسة ما تريد مشاركته مع البقية وكيف تتواصل مع جموع الناس التي تعمل في شركتك. لكن سواء أرغبت في ذلك أم لا، تحدث الاستراتيجية ضمن دورات أسرع بكثير.

هل يمكنك أن تُعطي مثالاً عن تحول استراتيجي سريع كان عليك اتخاذه؟

من الأمثلة على ذلك أعمال البقالة عبر الإنترنت. إذا نظرتم إلى التجارة الإلكترونية بحسب الفئة، ستجدون المواد الغذائية الطازجة في آخر القائمة، لكن لدينا سلسلة إمدادات أغذية طازجة، ولدينا مخازن قرب غالبية السكان الأميركيين، بالتالي نريد الاستفادة من هذه الميزة والجمع بينها وبين استخدام الهاتف المحمول. بمعنى آخر، يمكن للناس طلب البقالة من هواتفهم والتقاطها عندما يريدون في موقف السيارات الخاص بالمتجر. ولدينا أيضاً عمليات اختبار نقوم بها مع “أوبر” و”ليفت” وجهات أُخرى لتوفير إمكانية توصيل البقالة إلى المنازل. إذ يعتبر هذا أحد الأمور التي أطلقناها بسرعة كبيرة.

لنتحول إلى الأسواق العالمية. هل من المرجح أن يأتي نمو وول مارت مستقبلاً من الولايات المتحدة أو من الخارج؟

اعتدنا وضع أهداف تتصل بزيادة حصة الإيرادات الدولية لدينا، لكننا لم نعد نتحدث عن ذلك كثيراً هذه الأيام، نظراً لأن الولايات المتحدة لا تزال تقدم فرصة نمو. ومع ذلك، سيتحقق لدينا نمو في الكثير من الأماكن. وتعتبر الصين سوقاً واعداً بحد ذاته، وعلينا القيام بمزيد من الجهد في الهند، كما أنّ أفريقيا، ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى، مهمة لنا. ولدينا شركات في كندا والمملكة المتحدة تذكرنا بالولايات المتحدة، مع فرق قوية وقادرة. ثم هناك والمكس (Walmex)، والتي تغطي المكسيك و5 بلدان في أميركا الوسطى. كل هذا عمل كبير ومهم لنا.

كيف تصف التوازن بين الاستفادة من النطاق العالمي والحاجة إلى تمييز كل سوق محلي عن الآخر؟

تتمثل فلسفتنا في الاهتمام بالسوق المحلية أولاً، ثم النظر إلى مدى تطورنا في الأسواق الأُخرى. حيث تتفوق السرعة على الحجم. وأعتقد أنّ كل متاجرنا في أسواقها، دون استثناء، تبيع معظم بضائعها من موردين محليين، من المواد الغذائية الطازجة إلى البضائع المعلبة، وذلك لأننا لا نريد شحن المنتجات بعيداً جداً. أما فيما يتصل بباقي البضائع والملابس، فلهما أكثر من جانب عالمي، وفي هذه المجالات نحن نشحنها حول العالم.

هل تقلق، نظراً لما يحدث في جميع أنحاء العالم سياسياً، ودخولنا مرحلة إنهاء العولمة؟

إنّ العالم سوق عالمي. ربما يمكنك اختيار أن تكون مشاركتك أقل، ولكن لا تزال هناك بلدان أُخرى تريد التجارة مع بعضها البعض. وتقول الأرقام إنّ التجارة مع مرور الوقت جيدة بالنسبة للولايات المتحدة من حيث نمو إجمالي الناتج المحلي، ومن حيث ادخار الناس للمال، ومن حيث الناس الذين يعيشون الحياة التي يريدونها. ونحن نؤيد التجارة، ولكننا ندرك أنّ لها تأثير سلبي على المناطق المغلقة.

ما دور القطاع الخاص في مساعدة الناس على مواجهة التغيير العالمي؟

نحن لم نفعل كل ما بوسعنا كبلاد، (وهنا أتحدث عن القطاعين العام والخاص) لإعداد الناس للانتقال إلى وظائف اليوم وغداً. فلن يتوقف العالم عن الأتمتة، بالتالي علينا ترقية وظائفنا وتدريب الناس ليكونوا قادرين على القيام بذلك. لأنه إذا كان لديك وظيفة، سيكون لديك كل شيء. لديك فرصة لامتلاك منزل، والتأكد من حصول أطفالك على التعليم. إذ ترتبط كل هذه الأمور ببعضها البعض.

إذا انزلقت الولايات المتحدة إلى حرب تجارية مع الصين، فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى وول مارت؟

هناك أبعاد عديدة لهذه المسألة. هل يرغب الأميركيون في أن ينمّو التصنيع الأمؤركي وأن ينجح؟ أجل. هل نريد تصدير المزيد؟ أجل. هل نريد أيضاً توفير المال على أي منتجات مثل الدراجات مثلاً؟ أجل. بالتالي، تحتاج الحكومات إلى معالجة أسباب التوتر هذه، وعلى القطاع الخاص المساهمة. إذ نشارك في وول مارت ضمن هذه المناقشات ونحاول التأكد من معرفة الناس بذلك.

كيف ستبدو تجربة وول مارت بعد 10 سنوات من الآن؟

ستكون أكثر سلاسة، وستكون مدعومة بقدرات رقمية وفيزيائية، وسيكون لها مكونات الاستدامة. حيث سيساعدنا الذكاء الاصطناعي والقدرة اللوجستية على التأكد من وجود البضائع التي تريدها دائماً في خزائنك أو ثلاجتك. وبالنسبة للمنتجات التي ترغب في استكشافها، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، سنقوم بإنشاء بيئات يمكنك فيها العثور على شيء ربما لم تجربه من قبل.

ما هي رؤيتك للاستدامة؟

نحن نفترض بأنّ الشفافية ستزداد، وسيريد العملاء من الشركات والعلامات التجارية اتخاذ قرارات جيدة حول كيفية إنتاج المنتجات والحصول عليها. يعني هذا أنه عندما تتسوقون معنا، ستعلمون أننا نقدم مساهمة إيجابية اجتماعياً وبيئياً حول العالم. من خلال تثقيف وإعلام شعبنا، وسنعمل على ضمان تفكير الجميع بالاستدامة الاجتماعية والبيئية.

هل يهتم العملاء بما فيه الكفاية حيال ذلك؟ هل هي بمثل أهمية السعر والراحة؟

يتعلق كل شيء بالأولوية. فإذا كان عليك الاختيار بين الأوكسجين والماء، عليك تنفس الأوكسجين أولاً، لكنك أيضاً تريد الماء، صحيح؟، تريد أيضا أن تأكل، صحيح؟ وكذلك العملاء متشابهون. هل يريدون أسعار منخفضة؟ أجل، لكنهم يتوقعون منا أيضاً اتخاذ قرارات جيدة للكوكب وجيدة لمن يعملون في سلسلة التوريد لدينا. حيث إنهم يريدون كل ذلك. وستحقق الشركات التي توفر كل هذا تميزاً أكثر من البقية.

لا يبدو أن الاستدامة تمثل أولوية بالنسبة للإدارة الأميركية الجديدة. هل يقلقك هذا؟

الاستدامة هي جزء من هويتنا. إنها في ثقافتنا الآن. ولا نريد التخلي عنها، وربما ليس بمقدورنا القيام بذلك. إذ اتضح أنّ وضع مصابيح موفرة للطاقة في متاجرنا يحقق عائداً على الاستثمار أفضل مقارنة بالمصابيح التقليدية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة سيحقق ذات الوفورات أيضاً. وربما تكون فترة تعويض النفقات أطول، ويجب أن تأخذ هذا بعين الاعتبار. حيث بدأنا جهودنا ضمن مجال الاستدامة في ظل إدارة تتبع للحزب الجمهوري الأميركي، ثم تابعناها على مدار السنوات الماضية تحت الحزب الديمقراطي، وها هي الإدارة الجمهورية تعود من جديد. وما نقوم به هو الأمر الصحيح، وعملاؤنا يريدون منا القيام بهذه الأشياء بغض النظر عن الوضع السياسي في الولايات المتحدة.

هل يوافق مساهموك على الجهود المبذولة لتحقيق مبادرات لا تعطي أرباحاً سريعة؟

هناك فائدة من وجود عائلة تملك نصف الشركة، وذلك لأنه يسهل علينا في بعض الحالات اتخاذ نهج متوازن. حيث يهتم مجلس إدارة عائلة والتون بالنتائج على المدى القصير، ولكنهم يهتمون أيضاً بنتائج طويلة الأمد. إنهم يريدون أن تكون شركة وول مارت الأفضل وذلك أكثر من أي شيء آخر. وأريد أنا وفريقي الإداري تحقيق التوازن بين التفكير على المدى القصير والمدى الطويل. أنا ممتن لذلك.

ظهرت نسخة من هذه المقالة في عدد مارس/آذار – أبريل/ نيسان 2017 (الصفحات من 94 إلى 100) من مجلة هارفارد بزنس ريفيو.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!