تابعنا على لينكد إن
القادة الذين ينجحون في إحداث تحوّلات في شركاتهم ينفّذون ثماني خطوات صائبة (وهم ينفّذونها بالترتيب الصحيح).

خلال العقد الماضي، راقبتُ كيف حاولت أكثر من 100 شركة أن تعيد تشكيل نفسها لتتحوّل إلى شركة أقدر بكثير على المنافسة. وقد ضمّت القائمة شركات كبيرة (فورد "Ford")، وشركات صغيرة (لاندمارك كوميونيكيشنز "Landmark Communications")، وشركات تعمل انطلاقاً من أميركا (جنرال موتورز)، أو أماكن أخرى في العالم (الخطوط الجوية البريطانية "British Airways")، وشركات كانت على وشك الانهيار (إيسترن إيرلاينز "Eastern Airlines")، وأخرى كانت تكسب أموالاً طائلة (بريستول- مايرز سكويب "Bristol-Myers Squibb"). وقد اندرجت جهود التغيير هذه تحت شعارات مختلفة: مثل إدارة الجودة الشاملة، وإعادة الهندسة، وتقليص عدد العاملين، وإعادة الهيكلة، والتغيير الثقافي، والتحوّل. ولكن في كل حالة من هذه الحالات تقريباً، كان الهدف الأساسي ذاته، وهو إدخال تغييرات جوهرية على طريقة العمل من أجل مساعدة الشركة على التكيّف مع بيئة جديدة في السوق تتّسم بقدر أكبر من التحدّي.

كان النجاح الباهر حليف جهود التغيير الذي بذلتها بعض تلك الشركات، بينما كان نصيب البعض الآخر الفشل الذريع. أمّا الغالبية العظمى فتقع في منزلة بين المنزلتين، وإن كانت تجنح أكثر نحو الجزء الأدنى من المقياس. إن الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه الأمثلة مشوّقة ومفيدة في الغالب للكثير من المؤسسات التي ستنشط في خضمّ بيئة أعمال ستشهد اشتداداً كبيراً في المنافسة خلال العقد المقبل.

إن الدرس العام الأول الذي يمكن استقاؤه من الحالات الأنجح هو أن عملية التغيير تمرّ عبر سلسلة من المراحل التي تحتاج، بالإجمال، إلى فترة زمنية طويلة عادةً. وتجاوز بعض الخطوات بغرض حرق المراحل لن يخلق سوى وهمٍ بالسرعة، ولن يقود البتّة إلى نتيجة مُرضية. أمّا الدرس العامّ الثاني فهو أن الأخطاء الجسيمة المرتكبة في أي مرحلة من المراحل ستترك تبعاتٍ كارثيةً، وسوف تُبطئ الزخم، وتقضي على المكاسب التي بُذل في سبيل تحقيقها الكثير من الجهد والتعب. وربما لأننا لا نملك سوى خبرة قليلة نسبياً في تجديد المؤسسات، فإن حتى أكفأ الناس يرتكبون غالباً خطأ واحداً كبيراً على الأقل.


الخطأ الأول: عدم خلق ما يكفي من الإحساس بضرورة التغيير وإلحاحه


تبدأ أنجح جهود التغيير عادة عندما يشرع بعض الأفراد، أو بعض المجموعات، بدراسة معمّقة لوضع الشركة التنافسيّ، وموقعها في السوق، واتجاهاتها التكنولوجية، وأدائها المالي. فيركّزون على التراجع المحتمل في الإيرادات عندما تنتهي فترة صلاحية إحدى براءات الاختراع، أو تراجع هوامش الأرباح المستمر على مدار خمس سنوات في أحد الأقسام الأساسية في الشركة، أو أحد الأسواق الناشئة التي يبدو أن الجميع يتجاهلونه. ومن ثم يحاولون العثور على طرق لنشر هذه المعلومات في الشركة على نطاق واسع وبأسلوب مشوّق، ولاسيما ما يتعلق بالأزمات الحاصلة، أو المحتمل حصولها، أو الفرص السانحة الكبرى التي يتعيّن اغتنامها. وهذه الخطوة الأولى أساسية جداً، لأن مجرّد البدء ببرنامج تغيير في الشركة يحتاج إلى تعاون قوي من العديد من الأفراد. ودون خلق شعور بالتشويق، لن يكون الناس قادرين على المساعدة، وستذهب الجهود المبذولة سدى.

قد تبدو المرحلة الأولى في عملية التغيير سهلة بالمقارنة مع الخطوات الأخرى اللاحقة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك. فأكثر من 50% من الشركات التي راقبتُها، كانت تفشل في المرحلة الأولى هذه. فما هي أسباب ذلك الفشل؟ قد لا يُقدّر المدراء التنفيذيون، في بعض الأحيان، مدى صعوبة دفع الناس إلى تغيير عاداتهم وأساليبهم التي لطالما اعتادوا عليها وركنوا إليها. وقد يفرطون، أحياناً، في تقدير مدى نجاحهم في زيادة إحساس الناس بضرورة التغيير وإلحاحه. وفي أحيان أخرى، قد لا يتحلّون بالصبر فيقولون لأنفسهم "كفانا إجراءات تمهيدية؛ فلنمضِ بالأمر قُدماً". وفي العديد من الحالات، يصاب المدراء التنفيذيون بالشلل نتيجة تفكيرهم في الجوانب السلبية المحتملة للتغيير. فهم يخشون من احتمال اتّخاذ الموظفين القدامى مواقف دفاعية، ومن تراجع معنويات الموظفين، وخروج الأمور عن نطاق السيطرة، وتعريض نتائج الشركة على المدى القصير إلى مخاطر جمّة، وهبوط قيمة سهم الشركة هبوطاً حاداً، وتوجيه اللوم إليهم لتسبّبهم في خلق أزمة.

وغالباً ما يكون الشلل الذي يصيب الإدارة التنفيذية العليا ناجماً عن وجود عدد كبير من المدراء وغياب ما يكفي من القادة. ويتمثّل واجب الإدارة في التقليل من المخاطر إلى أدنى حدّ ممكن والمحافظة على استمرار عمل النظام القائم. لكن التغيير أيضاً، وبحكم تعريفه، يتطلّب إيجاد نظام جديد، وهذا بدوره يتطلّب دائماً وجود قيادة. وتظل المرحلة الأولى من عملية التجديد عادةً تراوح مكانها حتى يُرقّى أو يُعيَّن ما يكفي من القادة الحقيقيين في مناصب الإدارة العليا.

يبدأ التحوّل غالباً، وتكون بدايته جيدة، عندما يتولّى قيادة المؤسسة رئيسٌ جديدٌ يتّصف بأنه قائد جيد ويرى الحاجة إلى إحداث تغيير رئيسي. فإذا كان التجديد المُزمع يطال الشركة بأكملها، فإن منصب الرئيس التنفيذي أساسي. أمّا إذا كان التغيير مطلوباً في أحد الأقسام فقط، فإن المدير العام لذلك القسم هو الأساسي. وعندما لا يكون هؤلاء الأفراد قادة جدداً، أو قادة عظاماً، أو من كبار مناصري التغيير، فإن المرحلة الأولى يمكن أن تنطوي على تحدّيات هائلة.

إن النتائج السيئة للشركة تعتبرُ خلال المرحلة الأولى نعمة ونقمة في الوقت عينه. ففي الجانب الإيجابي، تساعد خسارة المال في جذب انتباه الناس، لكنها تضيّق مجال المناورة. أمّا عند تحقيق نتائج جيدة، فإن العكس يصبح هو الصحيح: فإقناع الناس بالحاجة إلى التغيير يغدو أصعب بكثير، لكن ذلك يمنحكم موارد أكثر تساعدكم في إحداث التغيير.

ولكن سواء كان الانطلاق يستند إلى الأداء الجيد أو السيئ، فقد شهدتُ في حالات التحوّل الناجحة قيام الأفراد أو المجموعات بخوض نقاش صريح حول الحقائق المزعجة المحتملة في ما يتعلّق بالمنافسة الجديدة، أو تراجع هوامش الأرباح، أو تناقص الحصّة السوقية، أو عدم تحقيق أرباح، أو غياب النمو في الإيرادات، أو مؤشرات أخرى ذات صلة تدلّ على تراجع الموقع التنافسي للشركة. وبما أن هناك، كما يبدو، نزعة إنسانية شبه شاملة لإطلاق النار على المرسال الذي يحمل الأخبار السيئة، ولا سيما إذا لم يكن رئيس المؤسسة أو الشركة من أنصار التغيير، فإن المدراء التنفيذيين يتّكلون على أناس من خارج الشركة في إيصال الأخبار غير المرغوب بسماعها. ويمكن لمحللي وول ستريت، والزبائن، والاستشاريين أن يساعدوا في أداء هذه المهمّة. وإذا ما أردنا تلخيص الغاية من هذه النشاطات، فبوسعنا اقتباس جملة قالها أحد الرؤساء التنفيذيين السابقين لشركة أوروبية كبيرة: "الغاية هنا هي أن نجعل الوضع الراهن يبدو أكثر خطورة من الانطلاق نحو المجهول".

وفي بعضٍ من أنجح الحالات، قامت المجموعة باختلاق أزمة غير حقيقية. فقد عمد أحد الرؤساء التنفيذيين إلى افتعال أكبر خسارة محاسبية في تاريخ الشركة، الأمر الذي قاد إلى ضغوط هائلة مورست من قبل وول ستريت خلال العملية. وفي أحد الأقسام الأخرى، طلب رئيسه إجراء أول مسح لتقييم رضى الزبائن في تاريخ الشركة، وهو يعلم تمام العلم بأن النتائج ستكون مريعة، ثم قام بعرض هذه النتائج على الملأ. ظاهرياً، قد تبدو هذه التحرّكات محفوفة بمخاطر لا داعي لها، لكن الإفراط في التزام جانب الأمان في هذا النوع من العمليات لا يخلو هو الآخر من المخاطر: فعندما لا يكون مستوى الإحساس بضرورة التغيير وإلحاحه مرتفعاً بما يكفي، فإن عملية التحوّل لن تنجح، وسيكون مستقبل الشركة على المدى البعيد معرّضاً للخطر.

فمتى إذن يكون الإحساس بضرورة التغيير وإلحاحه عالياً بما يكفي؟ بحسب ما راقبته ورأيته شخصياً، فإن الإجابة هي عندما يكون 75% من المضطلعين بإدارة الشركة مقتنعين، بصدق، أن الاستمرار في أداء العمل كالمعتاد بات أمراً غير مقبول بالمرّة. وأي نسبة أقلّ من هذه النسبة يمكن أن تخلق مشاكل خطيرة جداً في مرحلة لاحقة من العملية.


الخطأ الثاني: عدم إنشاء تحالف مُوجِّه يتمتّع بقوّة كافية


غالباً ما تبدأ برامج التجديد الكبرى بشخص واحد فقط أو اثنين. وفي حالات جهود التحوّل الناجحة، نجد بأن التحالف القيادي ينمو باطّراد مع مرور الوقت. ولكن عندما لا يتحقّق في هذا التحالف الحدّ الأدنى من تكتّل الجهود في مرحلة مبكّرة، فإن لا شيء ذا قيمة يحصل.

يقولون غالباً بأن التغيير الرئيسي مستحيل ما لم يكن رئيس المؤسسة من الداعمين النشطين لفكرة التغيير. ولكن ما أنا بصدده هنا يتجاوز هذه الفكرة بكثير. ففي عمليات التحوّل الناجحة، يجتمع الرئيس أو الرئيس التنفيذي أو المدير العام للقسم، إضافة إلى خمسة أشخاص، أو خمسة عشر شخصاً، أو خمسين شخصاً آخرين معاً ويتعاهدون على الالتزام المشترك بتحقيق التميّز في الأداء من خلال عملية التجديد. وبحسب خبرتي الشخصية، لا تشمل هذه المجموعة أبداً كل كبار المدراء التنفيذيين في الشركة لأن بعض الناس لن يقتنعوا بالفكرة، على الأقل لن يحصل ذلك في المراحل الأولى من العملية. لكن في أنجح الحالات أيضاً، نجد بأن هذا التحالف يكون قوياً دائماً – وهنا أقصد من حيث مناصب الأعضاء، ومعلوماتهم، وخبراتهم، وسمعتهم، وعلاقاتهم.

وفي حالتي الشركات الصغيرة والكبيرة، قد يتألف الفريق المُوجِّه الناجح من ثلاثة أو خمسة أشخاص فقط خلال السنة الأولى من عملية التحوّل. ولكن في الشركات الكبيرة، يجب أن يكبر هذا التحالف إلى أن يصل إلى 20 أو 50 شخصاً قبل أن يكون بالإمكان إحراز تقدّم كبير في المرحلة الثالثة فما بعد. وغالباً ما يكون كبار المدراء هم نواة المجموعة. ولكن في بعض الأحيان، قد يكون هناك أعضاء مجلس إدارة، أو ممثل عن أحد كبار الزبائن، أو حتى أحد أعضاء نقابات العمّال البارزين.

وبما أن التحالف المُوجِّه يشمل أفراداً قد لا يكونون من الإدارة العليا، فإن هذه المجموعة وبحكم تعريفها تميل إلى العمل خارج الهيكلية أو التراتبية الإدارية الطبيعية للشركة. وقد يكون هذا الأمر غريباً نوعاً ما، لكنه ضروري وبكل وضوح. فلو كانت التراتبية الحالية للشركة تعمل على ما يرام، لما كان هناك حاجة لإحداث تحوّل رئيسي. ولكن بما أن النظام الحالي لا يسير على ما يُرام، فإن الإصلاح يتطلّب عموماً نشاطاً يجري خارج الحدود والتوقعات والبروتوكولات الرسمية.

إن وجود إحساس مرتفع بعجلة التغيير وبإلحاحه ضمن صفوف المدراء يساعد كثيراً جداً في تأليف تحالف مُوجِّه. لكن ثمّة حاجة إلى المزيد. حيث أن تجميع الأفراد المطلوبين يحتاج إلى شخص يتولّى هذه المهمّة، ويساعد المجموعة أيضاً على وضع تقويم مشترك لمشاكل الشركة والفرص السانحة أمامها، وأن يكفل وجود الحدّ الأدنى من الثقة والتواصل. ومن الطرق الشائعة التي يمكن اتّباعها لإنجاز هذه المهمّة، وهي طريقة تحظى بشعبية كبيرة: عقد اجتماع بعيداً عن مقر الشركة في أحد المنتجعات أو الفنادق مثلاً لمدّة يومين أو ثلاثة أيام. وقد رأيت شخصياً العديد من المجموعات المؤلفة من 5 إلى 35 مديراً تنفيذياً يحضرون سلسلة من هذه الاجتماعات الترفيهية على مدار بضعة أشهر.

إن الشركات التي تفشل في المرحلة الثانية هي عادة الشركات التي تقلّل من شأن المصاعب المرتبطة بإحداث التغيير، وتقلل، بالتالي، من أهمية وجود تحالف موجِّه قوي. وفي بعض الأحيان، قد تفتقر هذه الشركات إلى أي تاريخ من العمل الجماعي بين صفوف شاغلي المناصب العليا، وبالتالي فهي لا تعطي هذا النوع من التحالفات حقّ قدره. وفي بعض الأحيان، يتوقعون أن يقود الفريق موظف تنفيذي في قسم الموارد البشرية، أو قسم الجودة، أو قسم التخطيط الاستراتيجي، عوضاً عن مدير خط رئيسي في الشركة؛ ولكن مهما كانت كفاءة هذا الموظف التنفيذي ودرجة تفانيه، فإن المجموعات التي تفتقر إلى قيادة من صفوف المدراء المسؤولين لن تتمتّع أبداً بالصلاحيات المطلوبة.

وبالتالي فإن الجهود التي لا يقودها تحالف موجِّهٌ قوي يمكن أن تؤدي إلى إحراز تقدّم ظاهري لفترة معيّنة من الزمن. ولكن عاجلاً أم آجلاً، ستستجمع المعارضة قواها، وترصّ صفوفها، وتوقف التغيير.

الخطأ الثالث: الافتقار إلى الرؤية


في جميع جهود التغيير الناجحة التي رأيتها، كان التحالف المُوجِّهُ قادراً على رسم صورة للمستقبل يسهل نسبياً الحديث عنها وإبلاغها إلى الناس، وتروق للزبائن والمساهمين والموظفين. وغالباً ما تتجاوز الرؤية في هذا النوع من النشاطات الأرقام التي نراها عادة في الخطط الخمسية. فالرؤية تقول شيئاً يساعد في توضيح الاتجاه الذي تريد المؤسسة السير فيه. وفي بعض الأحيان، قد تأتي المسودة الأولى بمعظمها من شخص واحد. وتكون عادة ضبابية الملامح بعض الشيء، على الأقل في مراحلها الأولى. ولكن بعد أن يعمل أعضاء التحالف الموجّه على مناقشتها مدة ثلاثة أشهر أو خمسة أو حتى 12 شهراً، تظهر نسخة أفضل منها إلى حيّز الوجود من خلال تفكيرهم النقدي الحازم وقليل من الحُلم. وفي النهاية يجري أيضاً وضع استراتيجية لترجمة الرؤية إلى واقع.

في إحدى الشركات الأوروبية المتوسطة الحجم، كانت النسخة الأولى من الرؤية تحتوي على ثلثي الأفكار الأساسية التي تضمّنتها النسخة النهائية. فقد كان مفهوم الانتشار العالمي للشركة موجوداً في النسخة الأولى ومنذ البداية. وكذلك فكرة تحوّل الشركة إلى لاعب بارز في بعض القطاعات. بيد أن إحدى الأفكار الأساسية التي وردت في النسخة النهائية –وهي الخروج من النشاطات ذات القيمة المضافة المتدنّية – لم تأتِ إلا بعد سلسة من النقاشات استغرقت سبعة أشهر.

فدون وجود رؤية معقولة، يمكن للجهود الرامية إلى إحداث التحوّلات أن تتحوّل بسرعة إلى قائمة من المشاريع المتنافرة والمُربكة التي قد تسير بالمؤسسة في الاتجاه الخاطئ، أو تقودها إلى التيهان. وبدون وجود رؤية سليمة، فإن مشروع إعادة الهندسة في قسم المحاسبة، وتقويم قسم الموارد البشرية الشامل للأداء (الذي يغطّي 360 درجة)، وبرنامج الجودة في المعمل، ومشروع التغيير الثقافي ضمن فريق المبيعات لن تتضافر معاً بطريقة ذات معنى.

وفي الشركات التي شهدت فشلاً ذريعاً في عمليات التحوّل، غالباً ما نجد الكثير من الخطط والتوجيهات والبرامج، لكننا لا نعثر على رؤية. وفي إحدى الحالات، على سبيل المثال، وزّعت الشركة كرّاسات تبلغ سماكة الواحد منها أكثر من 10 سنتيمترات تصف فيها جهودها الرامية إلى إحداث التغيير. وقد شرحت هذه الكرّاسات، بالتفصيل المملّ، الإجراءات، والأهداف، والأساليب، والمُهل النهائية. لكن الكرّاس بأكمله كان يفتقر إلى بيان واضح ومؤثر يشير إلى الوجهة التي ستُفضي إليها كل هذه الجهود. ولم أفاجأ بأن معظم الموظفين الذين تحدّثت إليهم كانوا إما مُربكين أو يشعرون بالغربة عن الموضوع. فتلك الكرّاسات السميكة الضخمة لم تحشد جهودهم معاً، ولم تبثّ فيهم روح التغيير. لا بل يمكنني القول بأن مفعولها كان معاكساً تماماً.

وفي بعض ما اطلعت عليه من الحالات الأقل نجاحاً، كانت الإدراة تعرف الاتجاه الذي تودّ السير فيه، لكنه كان إمّا شديد التعقيد أو شديد الغموض إلى درجة أنه خلا من أية فائدة. وفي الآونة الأخيرة، طلبتُ من أحد المدراء التنفيذيين في شركة متوسطة الحجم أن يصف لي رؤيته فألقى على مسامعي محاضرة لمدّة 30 دقيقة بالكاد فهمت منها شيئاً. لقد استشفيت في ثنايا إجابته العناصر الأساسية لرؤية سليمة، ولكنها كانت مدفونة بعمق.

وإليكم هذه القاعدة الذهبية: إذا لم تكونوا قادرين على إيصال رؤيتكم إلى شخص ما خلال خمس دقائق أو أقل، والحصول على رد فعل يدل على فهمه واهتمامه، فإنكم لم تنتهوا بعد من هذه المرحلة من عملية التحوّل.

الخطأ الرابع: عدم إيصال الرؤية إلى الآخرين بطريقة وافية


للقد لاحظتُ وجود ثلاثة أنماط في مجال التواصل، وجميعها شائعة جدّاً. في النمط الأول، تقوم المجموعة بوضع رؤية جيّدة نسبياً تشرح التحوّل المنشود، ومن ثم تنتقل إلى المرحلة التالية وهي إبلاغ الناس بهذه الرؤية وذلك عبر عقد اجتماع وحيد أو إرسال بيان واحد فقط. ورغم أن المجموعة لم تستفد إلا ممّا نسبته 0.0001 % من التواصل الداخلي السنوي ضمن الشركة، إلا أنها تشعر بالدهشة لأن عدداً صغيراً فقط من الناس يتفّهم المنهجية الجديدة. أمّا في النمط الثاني، فإن رئيس المؤسسة يقضي وقتاً طويلاً في إلقاء الخطابات أمام مجموعات مختلفة من الموظفين، لكن معظم الناس لا يفهمون ما يُلقى على مسامعهم (وهذا أمر غير مفاجئ بما أن الرؤية لا تمثّل إلا 0.0005 %من التواصل الإجمالي السنوي). وفي النمط الثالث، تُبذلُ جهودٌ كبيرة في تصميم النشرات الإعلامية وفي إلقاء الخطابات، لكن بعض كبار المدراء البارزين يستمرّون في التصرّف بطرق مخالفة تماماً للرؤية. وما هي النتيجة النهائية؟ تنامي الارتياب في دوافع التغيير بين صفوف الموظفين، وتراجع الثقة بعملية التواصل داخل المؤسسة.

فالتحوّل لن يكون ممكناً ما لم يكن هناك مئات أو آلاف الأشخاص الراغبين في المساعدة إلى درجة تقديم بعض التضحيات أحياناً على المدى القصير. لكن الموظفين لن يقدّموا أي تضحيات، حتى لو كانوا غير راضين عن الوضع الراهن، إلا إذا آمنوا بأن التغيير المفيد ممكن التحقيق. ودون وجود تواصل ذي مصداقية، أو بالأحرى الكثير الكثير منه، فإن الشركة لن تستطيع أن تأسر عقول الناس وأفئدتهم.

وتنطوي هذه المرحلة الرابعة بخاصةٍ على قدر كبير من التحدّيات إذا كانت التضحيات على المدى القصير تشمل خسارة الناس لوظائفهم. كما أن كسب دعم الناس وتفهّمهم يصبح مهمة صعبة عندما يكون تخفيض عدد الموظفين جزءاً من الرؤية. ولهذا السبب تحديداً، فإن الرؤى الناجحة تتضمّن عادة إمكانيات نموّ جديدة والتزاماً بالتعامل المنصف مع أي موظف يسرّح من عمله.



يعمل المدراء التنفيذيون الذين يجيدون التواصل على إدماج الرسائل المتعلقة بالتغيير ضمن نشاطاتهم المختلفة طوال اليوم. فيتحدّثون خلال نقاش دوري حول مشكلة ما في الشركة، عن مدى تناسب الحلول المقترحة (أو عدما تناسبها) مع الإطار الأوسع للأمور. ويناقشون أثناء عملية تقويم الأداء المعتادة دور سلوك الموظفين في دعم الرؤية الجديدة أو تقويضها. ولا يتكلمون لدى إجراء مراجعة للأداء الفصلي للقسم عن الأرقام فحسب، وإنما عن الدور الكبير الذي يؤدّيه المدراء التنفيذيون في دعم التحوّل الحاصل في الشركة. ويحاولون في جلسة أسئلة وأجوبة اعتيادية مع الموظفين ضمن أحد مباني الشركة، ربط الإجابات المقدّمة بأهداف عملية التجديد المُزمعة.

وإذا ما نظرنا إلى التجارب الأنجح في هذه التحوّلات، نجد بأن المدراء التنفيذيين يستخدمون جميع أقنية التواصل المتاحة لنشر الرؤية الجديدة على أوسع نطاق ممكن. فهم يحوّلون النشرات الإخبارية المُملّة التي لا يقرؤها أحد إلى مقالات تضج بالحياة حول الرؤية الجديدة؛ ويغتنمون فرصة الاجتماعات الفصلية للإدارة، ليحوّلوا ما تحفل به من تكرار مملّ إلى نقاش مشوّق حول عملية التحوّل. كما يستبدلون ما تقدمه الشركة من دروس عامة لتعليم الإدارة بدورات تركّز على مشاكلها ورؤيتها الجديدة. والمبدأ الموجّه هنا بسيط جداً: استفيدوا من كل قناة ممكنة، ولاسيما تلك التي تُهدر في توزيع معلومات لا جدوى منها.

ولعل الأهم من ذلك هو أن معظم المدراء التنفيذيين الذين عرفتهم في الحالات الناجحة التي شهدت تغيّراً رئيسياً، تعلّموا كيف ينفّذون كل ما يعدون به. فهم يحاولون أن يصبحوا نموذجاً حيّاً للثقافة الجديدة في المؤسسة، ولا يكون هذا الأمر في الغالب سهلاً. فمدير أحد المعامل البالغ من العمر 60 عاماً، والذي لم يأخذ الزبائن طوال 40 عاماً من حياته المهنية سوى القليل جداً من تفكيره، سيصعب عليه التصرّف فجأة بطريقة تعتبر رضى الزبون فوق كل شيء. لكنني رأيت هذا الشخص تحديداً يتغيّر، لا بل يتغيّر كثيراً. في تلك الحالة، مثلاً، كان المستوى المرتفع من الإحساس بضرورة التغيير مفيداً جداً؛ كما أن وجود هذا الرجل ضمن صفوف التحالف المُوَجِّه وفريق وضع الرؤية كان ذا فائدة أيضاً؛ وكذلك كان التواصل مهمّاً، إذ كان يذكّره دائماً بالسلوك المرغوب، في حين ساعدته الآراء التي كان يحصل عليها من أقرانه ومرؤوسيه على الانتباه إلى المرات التي لم يكن يتصرّف فيها وفق ذلك السلوك.

إن التواصل يتمّ عبر الأقوال والأفعال، ولكن الأفعال هي الأسلوب الأقوى غالباً. فلا شيء يقوّض التغيير أكثر من رؤية أشخاص مهمّين يتصرفون بطريقة لا تتناسب مع كلامهم.

الخطأ الخامس: عدم إزالة العوائق من درب الرؤية الجديدة


تبدأ التحوّلات الناجحة بإشراك أعداد أكبر من الناس كلما مضت العملية قُدماً. فالموظفون يتجرّؤون على تجريب منهجيات جديدة، وتطوير أفكار جديدة، وأداء أدوار قيادية. لكن العقبة الوحيدة تكمن في مدى انسجام الإجراءات ضمن إطار المُحدّدات الأوسع للرؤية الإجمالية. وكلما كان عدد الناس المشاركين أكبر، كانت المحصّلة أفضل.

وإلى حدّ ما، فإن التحالف المُوجِّه يمكّن الموظفين من أخذ مبادرات عندما ينجح في إيصال توجّه الشركة الجديد إليهم. لكن التواصل لا يمكن أن يكون كافياً في حدّ ذاته، لأن جهود التجديد تتطلّب إزالة العوائق. ففي أحيان كثيرة، تجد موظفاً يفهم الرؤية الجديدة ويرغب بترجمتها على أرض الواقع، لكنه يشعر وكأن ثمّة جبلاً يسدّ عليه الطريق ويمنعه من ذلك. قد يكون الجبل، في بعض الحالات، موجوداً في رأس ذلك الشخص فقط، ويكمن التحدّي الحقيقي في إقناعه بعدم وجود عقبات فعلية؛ لكن في معظم الحالات تكون هذه المعيقات واقعاً حقيقياً.

قد تكون العقبة أحياناً هي هيكلية المؤسسة: فقلّة عدد الفئات الوظيفية يمكن أن تشكّل تقويضاً جدّياً للجهود الساعية إلى زيادة الإنتاجية، أو قد تجعل من الصعب جداً حتى التفكير في الزبائن. وفي أحيان أخرى، قد تُجبر أنظمة المكافأة أو تقويم الأداء الموظفين على الاختيار ما بين الرؤية الجديدة ومصالحهم الذاتية. لكن الأسوأ من ذلك كلّه ربما هم المدراء الذين يرفضون أن يتغيّروا، ويطالبون بأشياء لا تتوافق مع الجهد الجماعي المبذول.

بدأت إحدى الشركات عملية التحوّل مع قدر كبير من الدعاية، وقد أحرزت بالفعل الكثير من التقدّم حتى المرحلة الرابعة. ومن ثمّ توقّفت جهود التغيير لأن الشخص المسؤول عن أكبر قسم في الشركة قد تُرك ليقوّض معظم المبادرات الجديدة. إذ عبّر بالكلام عن دعمه للعملية، لكنّه لم يغيّر سلوكه أو يشجّع مدراءه على التغيير؛ فهو لم يكافئ الأشخاص الذي طرحوا أفكاراً غير تقليدية بحسب ما تتطلّب الرؤية، وترك أنظمة الموارد البشرية دون أي تغيير رغم أنها كانت، وبكل وضوح، غير متناسبة مع المُثُل الجديدة. أعتقد أن دوافع هذا المسؤول كانت معقّدة، إذ اختلطت في نفسه مشاعر مختلفة: فهو فإلى حدّ ما لم يكن مؤمناً بحاجة الشركة إلى تغيير كبير، كما شعر بأن التغيير يشكّل تهديداً شخصياً له، بالإضافة إلى إحساسه أنه لن يتمكّن من إحداث التغيير المنشود وتحقيق الأرباح التشغيلية المتوقعة في الوقت عينه. ولكن على الرغم من أن المدراء الآخرين دعموا جهود التغيير، إلا أنهم لم يحرّكوا ساكناً لوقف هذا الشخص المعيق عند حدّه. وهنا أيضاً كانت الأسباب معقّدة؛ فالشركة لم يكن لديها تاريخ في مواجهة مشاكل من هذا القبيل، كما كان بعض الموظفين خائفين من هذا المسؤول، أمّا الرئيس التنفيذي للشركة فقد كان يخشى فقدان مدير تنفيذي موهوب. أمّا النتيجة النهائية فكانت كارثية: إذ استنتج المدراء في المراتب الأدنى بأن الإدارة العليا قد كذبت عليهم حين قالت بأنها ملتزمة بعملية التجديد، وقد تنامى الشك وتفاقم لينتهي المطاف بالشركة وقد انهارت فيها جميع الجهود المبذولة لإحداث التغيير.

ليس هناك مؤسسة تمتلك، خلال النصف الأوّل من عملية التحوّل، الزخم أو القوّة أو الوقت للتخلّص من جميع العوائق. لكن العوائق الكبيرة يجب أن تُواجه وأن تُزال. وإذا كان من يقف حجر عثرة في درب التغيير شخصاً، فمن المهم أن يُعامَل بصورة مناسبة وبطريقة متوافقة مع الرؤية الجديدة؛ واتخاذ الإجراء المطلوب في هذه الحالة أمرٌ أساسي جدّاً، سواء لتقوية الآخرين وتمكنيهم، أو للمحافظة على مصداقية جهود التغيير برمّتها.

الخطأ السادس: عدم التخطيط بمنهجية لإيجاد مكاسب عاجلة وتحقيقها


تحتاج التحوّلات الحقيقية إلى وقت لتنفيذها، وقد تتعرّض جهود التجديد لخطر فقدان زخمها إذا لم تكن هناك على المدى القصير أهداف تُنجز ويُحتفى بإنجازها. فأغلب الناس لن يواصلوا السير في هذا الدرب الطويل ما لم يروا أدلّة مقنعة خلال 12-24 شهراً على أن الرحلة ستثمر النتائج المتوقعة. فمن دون مكاسب عاجلة، سيستلم الكثيرون، أو سينضمّون بعزم إلى صفوف المقاومين للتغيير.

وبعد عام إلى عامين من بذل الجهود التغييرية الناجحة، ستجدون بأن الجودة قد بدأت ترتفع على بعض المؤشرات، أو أن التراجع في صافي الدخل قد توقف، أو أن منتجاً جديداً قد لاقى نجاحاً لدى طرحه، أو أن ثمّة تنامياً مضطرداً في الحصّة السوقية. كما تجدون تحسّناً ملفتاً في الإنتاجية أو مستوى أعلى من رضى الزبائن. ولكنّ المكسب يكون، في جميع الأحوال جلياً، والنتيجة ليست مجرّد حُكم شخصي يمكن أن يرفضه معارضو التغيير أو يشككّوا فيه.



وإيجاد مكاسب عاجلة يختلف عن الأمل بتحقيق مكاسب عاجلة. فالأول إيجابي والثاني سلبي. وفي التحوّلات الناجحة، يبحث المدراء بنشاط عن طرق تمكّنهم من إدخال تحسينات واضحة على الأداء، ووضع أهداف ضمن نظام التخطيط السنوي، وتحقيق الأهداف، ومكافأة الأشخاص المعنيين عبر الاعتراف بفضلهم، وترقيتهم، بل وتقديم مبالغ نقدية لهم. فعلى سبيل المثال، تمكّنَ التحالف المُوجِّه في إحدى شركات الصناعات التحويلية الأمريكية من طرح مُنتَجِ جديد ناجح بعد 20 شهراً تقريباً من البدء بجهود التغيير التي اضطلع بها. وكان المُنتَجُ الجديد قد اختير بعد ستة أشهر تقريباً من انطلاق تلك الجهود لأنه يلبّي مجموعة من المعايير المتعدّدة: فهو قابل للتصميم والإطلاق خلال فترة قصيرة نسبياً، ويمكن لفريق صغير ملتزمٍ بإنجاز الرؤية الجديدة أن يتولّى أمره، بالإضافة إلى أن فريق تطوير المنتج الجديد كان يستطيع العمل بمعزل عن القواعد الإدارية المقررة دون أن يواجه عوائق عملية. لم يُترك أي شيء تقريباً إذن للصدفة، وقد عزّز هذا المكسب من مصداقية عملية التجديد في الشركة.

غالباً ما يشتكي المدراء من أنهم يُجبرون على تحقيق مكاسب عاجلة، لكنني شخصياً اكتشفت بأن الضغط يمكن أن يكون من العناصر المفيدة لجهود التغيير. فعندما يتّضح للناس بأن التغيير الرئيسي سيستغرق وقتاً طويلاً، فإن مستويات الشعور بعجلة التغيير وإلحاحه ستتراجع. وبالتالي فإن الالتزام بتحقيق مكاسب قريبة يساعد في المحافظة على وجود شعور مرتفع بالإلحاح والعجلة ويُجبر الناس على التفكير، بينما يمكن للتحليل المفصّل توضيح الرؤى أو تعديلها وتنقيحها.

الخطأ السابع: الإعلان عن النصر قبل الأوان


بعد بضع سنوات من العمل الجاد، قد يتعرّض المدراء إلى إغراء الإعلان عن النصر مع بروز أولى البوادر على تحسّن واضح في الأداء. يُعتبر الاحتفاء بأي مكسب أمراً مشروعاً ومقبولاً، لكن رفع راية الانتصار في الحرب كلّها يمكن أن يكون كارثياً. فما لم تتجذّر التغييرات عميقاً في ثقافة الشركة، وهي عملية قد تستغرق ما بين خمس وعشر سنوات، فإن المنهجيات الجديدة تظل هشّة وقابلة للتراجع والنكوص.

خلال الماضي القريب، راقبت اثنتي عشرة شركة تبذل جهوداً للتغيير تحت مسمّى "إعادة الهندسة". وفي جميع هذه الحالات، باستثناء اثنتين منها، كانت راية النصر قد رفعت، وتلقّى المستشارون ذوو الأجور المرتفعة أتعابهم وشُكروا على جهودهم، عندما استُكمل أول مشروع كبير بعد سنتين أو ثلاث. وفي غضون العامين التاليين، راحت التغييرات المفيدة التي كانت قد أدخلت على الشركة تضمحلّ شيئاً فشيئاً. وفي اثنتين من هذه الحالات العشر يصعب العثور اليوم على أي أثر لعملية إعادة الهندسة.

وخلال السنوات العشرين الماضية، رأيت الأمر ذاته يحصل لمشاريع ضخمة متميّزة، ولجهود تطوير المؤسسات، وغيرها. وعادة ما تبدأ المشاكل في مراحلة مبكّرة من العملية: فمستوى الشعور بضرورة التغيير وإلحاحه ليس مرتفعاً، والتحالف الموجِّه لا يتمتّع بقوّة كافية، والرؤية غير واضحة بما يكفي. لكن استعجال الاحتفال بالنصر قبل الأوان هو ما يقتل الزخم. ثم تأتي القوى المرتبطة بالطريقة التقليدية لتهيمن على المشهد.

وللمفارقة فإن الذي يؤدي غالباً إلى هذه الحالة من الاحتفال بنصر سابق لأوانه هو مجموعة مختلطة من المبادرين إلى التغيير والمقاومين للتغيير. فالحماسة الناجمة عن وجود بوادر واضحة على إحراز تقدّم، تعطي من شنّوا حرب التغيير شعوراً بنشوة النصر، وسرعان ما ينضمّ إليهم المقاومون الذين يترصّدون أي فرصة لوقف التغيير. وعندما ينتهي الاحتفال يشير المقاومون إلى النصر بوصفه علامة على أن الحرب قد رُبِحت وحان الوقت لكي تضع أوزارها ويعود الجنود إلى منازلهم. أمّا الجنود المرهقون فيسمحون لأنفسهم بالاقتناع بأنهم قد انتصروا. وبعد أن يعود المحاربون إلى بيوتهم، يُبدون تردداً وامتعاضاً في الصعود إلى مراكبهم ثانية. وسرعان ما يتوقّف التغيير وتزحف الطريقة التقليدية لتسيطر على الساحة من جديد.

أمّا القادة الذين نجحوا في مساعيهم، فإنهم وعوضاً عن إعلان النصر، يغتنمون فرصة مصداقيتهم المكتسبة جرّاء هذه المكاسب القريبة كي يعالجوا مشاكل أكبر. فهم ينتقلون إلى إصلاح الأنظمة والهيكليات التي لا تتوافق مع رؤية التحوّل ولم يتصدَّ أحدٌ لها من قبل. ويولون عناية كبيرة لأمور تتعلق بمن حصل على ترقية، ومن تمّ توظيفه، وكيف يتم تطوير الموظفين. كما أنهم يضيفون مشاريع لإعادة الهندسة تتّصف بأنها أكبر حجماً بكثير من المشاريع الأولى؛ ذلك أنهم يدركون بأن جهود التجديد لا تستغرق شهوراً بل سنوات. وأذكر على سبيل المثال، أننا، في واحدة من أنجح عمليات التحوّل التي شهدتُها طوال حياتي على الإطلاق، قمنا بتحديد مقدار التغيير الذي حصل في الشركة على مدار سبع سنوات على مقياس من واحد (منخفض) إلى عشرة (مرتفع). وقد حصلت السنة الأولى على (2)، والسنة الثانية على (4)، والسنة الثالثة على (3)، والسنة الرابعة على (7)، والسنة الخامسة على (8)، والسنة السادسة على (4)، والسنة السابعة على (2). كانت الذروة في السنة الخامسة، أي بعد 36 شهراً بالتمام والكمال من أول مجموعة من المكاسب البارزة.

الخطأ الثامن: عدم ترسيخ التغيّرات الحاصلة وتجذيرها ضمن ثقافة المؤسسة


يتبين، في المحصّلة، أن التغيير لا يستقر ويرسخ أقدامه إلا عندما يصبح "الطريقة المتّبعة في العمل لدينا"، وعندما يجري كما تجري الدماء في عروق المؤسسة. فما لم تضرب السلوكيات الجديدة جذورها عميقاً في المعايير الاجتماعية والقيم المشتركة، فإنها عرضة إلى الزوال حالما يزول الضغط الحاثّ على التغيير.

وثمّة عاملان مهمّان جداً في تأسيس التغيير وترسيخه في ثقافة أية شركة: الأول هو السعي الواعي لإطلاع الناس على أثر الأساليب والسلوكيات والمواقف الجديدة في المساعدة على تحسين الأداء. فعندما يُترك الناس لكي ينتبهوا بمفردهم إلى العلاقة بين هذه الأمور، فإنهم يتوصّلون أحياناً إلى استنتاجات تفتقر كثيراً إلى الدقة. ولنأخذ المثال التالي: بما أن النتائج قد تحسّنت في الفترة التي كان فيها هاري، وهو شخص يتمتع بالكاريزما، يتولّى الإدارة، فقد ربط الموظفون بين أسلوبه الفريد في العمل وذلك التحسّن، عوضاً عن أن يروا دور ما بذلوه من جهود في تطوير خدمة الزبائن وتحسين الإنتاجية. إن مساعدة الناس على رؤية الروابط الصحيحة يتطلّب التواصل؛ وطريقة إحدى الشركات التي ثابرت بلا هوادة على إطلاع موظفيها على نتائج التغيير قد أتت أُكُلها عندما دأبت في كل اجتماع مهم للإدارة على تخصيص وقت لمناقشة سبب تحسّن الأداء، كما كانت صحيفة أخبار الشركة تنشر مقالة تلو الأخرى لتبيان كيف عزّزت التغييرات الحاصلة أرباح الشركة.

أمّا العامل الثاني فهو أخذ الوقت الكافي للتأكّد من أن الجيل القادم من المدراء الكبار يجسّد فعلياً المقاربة الجديدة. إذ نادراً ما تستمر جهود التغيير إذا لم تتغيّر شروط الترقية. فقرار واحد خاطئ لتعيين خَلَفٍ لمدير في قمة مؤسسة، كافٍ لتقويض جهود عقد كامل من العمل الجاد والتعب. والقرارات السيئة واردة عندما لا يشكّل أعضاء مجلس الإدارة جزءاً لا يتجزّأ من جهود التجديد. وفي ثلاثة على الأقل من الأمثلة التي رأيتها، كان المناصر الأكبر للتغيير هو المدير التنفيذي الذي يخطو نحو التقاعد؛ ورغم أن خليفته لم يكن من مقاومي التغيير، إلا أنه لم يكن أيضاً من كبار المناصرين له. وبما أن أعضاء مجالس الإدارة لم يفهموا التحوّلات الحاصلة بتفاصيلها، فإنهم لم يكونوا قادرين على رؤية أن اختياراتهم لم تكن مناسبة. وفي إحدى الحالات حاول المدير التنفيذي الذي كان على وشك التقاعد إقناع مجلس إدارته بمرشح أقل تمرّساً لكنّه أفضل في تجسيد عملية التحوّل، غير أن مسعاه باء بالفشل. أمّا في الحالتين المتبقيتين، فإن الرئيسين التنفيذيين لم يقاوما خيارات مجلسي إدارتهما، لأنهما شعرا بأن خليفتيهما لا يمكن أن يوقفا عملية التحوّل. لكنهما كانا مخطئين؛ إذ لم يمضِ عامان حتى بدأت علامات التحوّل بالاختفاء في كلتا الشركتين.

لا يزال هناك المزيد من الأخطاء التي يرتكبها الناس، لكن تلك الأخطاء الثمانية هي الأخطاء الكبرى. وأنا أدرك بأن الأشياء في مقال قصير قد تبدو على قدر كبير من التبسيط؛ أمّا في الواقع، فحتى جهود التغيير الناجحة تتّسم بالفوضى ولا تخلو من المفاجآت. ولكن كما أن ثمة حاجة إلى رؤية بسيطة نسبياً لتوجيه الناس أثناء عملية تغيير رئيسية، فإن رؤيةً لعملية التغيير يمكن أن تقلّل من معدّلات الخطأ. وكلّما قلّ عدد الأخطاء، كان الفرق بين النجاح والفشل واضحاً.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!