لماذا تعتبر القيود جيدة للابتكار؟

5 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تبين استبانات جديدة أن المدراء يعتبرون قيود الامتثال والنقص في الموارد عقبتين رئيسيتين في وجه الابتكار. وتقترح هذه الحكمة الشائعة القضاء على جميع القيود، وتقول إن التخلص من القواعد والحدود سيؤدي إلى ازدهار الإبداع والتفكير الابتكاري. ومع ذلك، يعارض بحثنا هذه الحكمة ويشير إلى أنه يمكن للمدراء الابتكار على نحو أفضل عن طريق تقبل القيود. إذ قمنا بمراجعة 145 دراسة تجريبية حول آثار القيود على الإبداع والابتكار، ووجدنا أن الأفراد والفرق والمؤسسات على حد سواء يستفيدون من جرعة صحية من القيود، وأن القيود لا تخنق الإبداع والابتكار إلا عندما تصبح أكثر مما يجب.

كتوضيح بسيط للمبدأ، خذ مثلاً جهاز “ماك 400” لتخطيط القلب الكهربائي من الشركة الطبية “جنرال إلكتريك هيلث كير” والتي تعرف أيضاً بـ “جي إي” (GE Healthcare)، الذي أحدث ثورة في وصول الرعاية الطبية إلى الأرياف. نتج هذا الجهاز عن مجموعة هائلة من القيود المفروضة على مهندسي شركة “جي إي”. إذ كانوا مطالبين بتطوير جهاز كهربائي لتخطيط القلب يتميز بأحدث التقنيات وبتكلفة لا تزيد عن دولار واحد لكل عملية تخطيط، ويمكن حمله ونقله بسهولة إلى المجتمعات الريفية (أي يجب أن يكون خفيف الوزن ويمكن وضعه في حقيبة تحمل على الظهر)، ويتم تشغيله بواسطة البطارية. منح المهندسون 18 شهراً فقط وميزانية قدرها 500 ألف دولار، وهي ميزانية متواضعة جداً وفقاً لمعايير الشركة مقارنة بتكلفة الجهاز السابق التي بلغت 5.4 مليون دولار. وتشير أبحاثنا إلى أن المهندسين في الشركة لم ينجحوا “على الرغم” من هذه القيود، وإنما “بسببها”، إذ يمكن للقيود أن تعزز الابتكار عندما تمثل تحدياً محفزاً وتركز الجهود على طريق محدد بدقة أكبر نحو الهدف.

ووفقاً للدراسات التي قمنا بمراجعتها، عندما لا توجد قيود على عملية الابتكار يزداد شعور القناعة بالوضع الراهن، ويتبع الموظفون ما يدعوه علماء النفس مسار المقاومة الأقل، إذ يتبعون الفكرة الأكثر بديهية التي تتبادر إلى الذهن بدلاً من الاستثمار في تطوير أفكار أفضل. بينما في المقابل، توفر القيود تركيزاً وتحدياً مبدعاً يحفز الموظفين على البحث عن المعلومات من مصادر مختلفة وربطها لتوليد أفكار جديدة لمنتجات أو خدمات أو عمليات تجارية جديدة.

لذلك، يمكن للمدراء احتضان مجموعة متنوعة من القيود والاستفادة منها في ترسانتهم، وهي تأخذ ثلاثة أشكال رئيسة. أولاً، يمكنها الحد من المدخلات (كالوقت ورأس المال البشري والتمويل والفائض النقدي والمواد المتاحة). على سبيل المثال، يمكن للمدراء وضع حد أقصى للموارد في مبادرات ريادة الأعمال في الشركات لتحفيز الموظفين على أن يكونوا أوسع حيلة. ثانياً، يمكنهم فرض عمليات محددة، ومن الأمثلة على ذلك الإجراءات المتعلقة بالسعي للحصول على تقييمات مبكرة من السوق والتقنية (مثل نموذج الشركة الناشئة الرشيقة “لين”)، والإرشادات حول كيفية تفاعل فرق العمل الصغيرة متعددة الوظائف (كنهج أجايل للإدارة مثلاً)، أو وضع قواعد لتبادل الأفكار (العصف الذهني). ثالثاً، يمكنهم تعيين متطلبات محددة للنتائج، مثل مواصفات المنتج أو الخدمة. مثلاً، يشتهر رئيس التصميم السابق في شركة آبل جوناثان أيف بأنه قد فرض استخدام زجاج سيليكات الألمنيوم المقاوم للخدش في أثناء تصميم هاتف آيفون 4.

لكن يجب أن ينتبه المدراء من فرض قيود أكثر مما ينبغي، لأن خضوع المهمة الإبداعية لقيود كثيرة يثبط همة الموظفين. وإذا أصبحت مساحة توليد الأفكار الإبداعية شديدة الضيق فسيصعب تشكيل الروابط الجديدة والرؤى وليدة المصادفة، وكلاهما عنصران أساسيان في الإبداع. وبالتالي، يكمن السر لتعزيز الإبداع والابتكار في مؤسستك في تحقيق التوازن عبر تنظيم أنواع مختلفة من القيود.

توضح جوجل هذا التوازن من خلال منح الموظفين الحرية الكافية للعمل على مشاريع الابتكار التي يريدون إنجازها (مثلاً، 20% من وقت جوجل)، مع تبني مبدأ “الإبداع يحب القيود” كأحد مبادئها الرئيسية لتوجيه جهود الابتكار الخاصة بها في الوقت ذاته. تتضمن الأمثلة عن القيود التي تستخدمها جوجل المواعيد النهائية الصارمة لتطوير النماذج الأولية ومتطلبات الأداء الطموحة حول المنتجات من حيث قابليتها للاستخدام عبر أجهزة مختلفة (على سبيل المثال، يجب أن تعمل على جميع الأجهزة بغض النظر عن دقة الشاشة) وحجم التنزيل أو المدة اللازمة له.

أيضاً، خذ مثلاً منصة “إنوسنتيف” (InnoCentive)، إحدى أكبر منصات التعهيد الجماعي العالمية، وهي تنظم القيود من أجل معالجة مشاكل البحث والتطوير المعقدة. وكما لاحظ الرئيس التنفيذي السابق دواين سبرادلين، ينبغي أن تتضمن مشكلة الابتكار النموذجية قيوداً صارمة على الإنتاج (على شكل متطلبات الحلول)، يتم دمجها عادة مع قيود معتدلة على المدخلات (كالقيود الزمنية التي تتراوح بين شهر إلى عدة أشهر عادة)، ومع منح الحرية الكاملة فيما يتعلق بالعملية التي تتوصل مجموعة المتعهدين عن طريقها إلى الحلول.

عند تصميم توازن فعال للقيود، ننصح بأن يأخذ المدراء خصائص مشروع الابتكار في الحسبان. كقاعدة عامة، كلما تطلب الابتكار طفرة في التفكير (أي يبحث عن ابتكارات تبتعد عن الوضع الراهن)، ازدادت فائدته من قيود المدخلات والنتائج. لأن المشاريع من هذا النوع تتطلب روابط غير نمطية بين التخصصات والمجالات والمعرفة. وهناك قاعدة أخرى تقول إن المشاريع متعددة التخصصات تستفيد غالباً من قيود محددة بوضوح على العمليات تحكم الاتصالات والتنسيق. وبالنسبة لمشاريع الابتكار التي تتطلب طفرة في التفكير مع تعاون متعدد التخصصات، يمكن للمدراء موازنة القيود وتنسيقها عبر تخفيف قيود المدخلات والمخرجات مع تشديد قيود العملية في آن. وفي المقابل، عندما يكون التركيز على إنتاج ابتكار أكثر تواضعاً يعتمد بشكل مباشر على الوضع الراهن، (كإصدار نسخة جديدة من طراز سيارة سابق مثلاً)، سيكون المشروع في وضع أفضل عندما تكون الحدود واضحة المعالم فيما يتعلق بالطرق التي ستكون مقبولة وغير مقبولة للمضي قدماً، إلى جانب قيود أكثر طموحاً نسبياً فيما يخص الوقت والميزانية.

نحن ندرك أن القيود لا تخضع جميعها للسيطرة الإدارية، وبعض القيود مسلم بها ببساطة، كالتي تفرضها القوانين الحكومية أو ما لا يمكن التفاوض عليه من حدود قصوى للميزانية أو مواعيد نهائية. وحتى عندما يمكن للمدراء التحكم في القيود، فليس بالضرورة أن يستجيب الموظفون على نحو إيجابي. وهنا، من الضروري إدراك أن القيد نفسه قابل للتفسير بطرق مختلفة، فإما أن يعتبر تحد محفز أو حاجز محبط، وهنا يمكن للمدراء حشد قدراتهم القيادية والتأثير على طريقة تفسير الموظفين للقيود من خلال التواصل والتقييم. وعن طريق وضع القيود في إطار التحديات الإبداعية، يمكن للمدراء بناء فهم إيجابي للقيود، وبالتالي إتاحة المجال لمزيد من الإبداع.

وإطار القيود هذا مهم جداً، بسبب عدم قدرة جميع الموظفين على تقبلها بصورة طبيعية، فبعض المبتكرين ينجذبون بصورة طبيعية نحو معالجة المشكلات المعقدة، وهم بفطرتهم يتقبلون الضغوط ويستجيبون لها بطاقة متزايدة أكثر من غيرهم. وفي حين تحفز مستويات أعلى من القيود هؤلاء الموظفين، يحتاج آخرون إلى من يقنعهم بأن القيود تفيدهم عبر تقديم التركيز والتوجيه لهم.

وتتمثل إحدى الطرق للقيام بذلك في وضع “قيود مرنة”، حيث يمكن إدراج بعض القيود غير الضرورية على أنها “أمراً محبذاً” وليست “ضرورة”، (كقيود التصميم أو الأداء لمنتج ما). تشكل هذه القيود المرنة تحدياً لمن يقدرون عليها، في حين تستمر بجذب من يخشون الصعوبة المتزايدة.

كما يجب على المدراء إنشاء مناخ ابتكار قوي  يتميز بدعم الابتكار، والرؤية والأهداف المشتركة، والالتزام المشترك بالتفوق، والشعور بالأمان. ويعتبر هذا المناخ أداة فعالة للابتكار بحد ذاته ولتمكين الموظفين من العمل على نحو إبداعي ضمن القيود الأكثر صرامة أيضاً. ومن المرجح أن يتقبل الموظفون القيود في مساعيهم الإبداعية في بيئات تحتضن التواصل المفتوح والتعاون والقيادة والإشراف الداعمين.

عندما تواجه مشكلة في الابتكار مرة ثانية، ألق نظرة على بنية القيود لديك، وبدلاً من إلقاء اللوم عليها، ضعها في إطار التحديات الإبداعية. قل لموظفيك أن القيود تساعدهم عن طريق ضمان التركيز والاتجاه، واطلب منهم مواجهة التحدي. وبدلاً من تقديم الموارد والحرية بوفرة لفرق الابتكار لديك، حاول أن تقوم بالعكس، خفض ميزانيتك أو افرض مواعيد نهائية أكثر تشدداً أو حدد معايير أكثر تحدياً للأداء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!