في الآونة الأخيرة، برزت مقاربة جديدة لصنع السياسات العامة تعتمد على مفاهيم الاقتصاد السلوكي، التي تجمع بين المفاهيم الاقتصادية والنفسية في دراسة سلوك الإنسان، وتعارض نظرية العقلانية التامة، إذ تعترف بتأثير مختلف العوامل الاجتماعية والنفسية على عملية اتخاذ القرار. وأخذ هذا النهج حيزاً كبيراً في أوساط الباحثين والخبراء وصانعي السياسات ضمن مختلف أرجاء العالم، في حين تزامن ذلك مع تزايد الوعي العام حول ضرورة صياغة السياسات والبرامج الحكومية، بما يضمن فهماً كاملاً لسلوكيات المواطنين وتحيزاتهم التي تؤثر على اتخاذهم للقرارات.

ويستند هذا النهج بشكل أساسي على اعتماد أسلوب الترغيب والتوجيه السلوكي (nudge) كوسيلة للتأثير على سلوكيات الناس، كما يستند على اختبار فعالية السياسات الحكومية (policy experimentation) باستخدام أدوات تطبيقية كاختبارات التحكم العشوائية (randomized control trial) المعتمدة عادة في حقل الأبحاث الطبية لدراسة الأثر.

فالترغيب والتوجيه السلوكي ما هو إلا عبارة عن ابتكارات بسيطة ولكنها ذات أثر كبير، تهدف إلى تغيير سلوكيات الناس دون أن يحدّ ذلك من خياراته، وعلى سبيل المثال: عند اعتماد آلية ما، يمكن تسميتها بالمسار مسبق التحديد أو الوضع التلقائي (Default Option)، ويتم تطبيقها ما لم يتخذ الشخص المعني قراراً آخر بشأن هذه الآلية، كتبسيط المعاملات، أو استعمال الرسائل التذكيرية، أو استعمال المعايير والأعراف والمقارنات المجتمعية. إذ يُعتبر نجاح عمليات الترغيب والتوجيه السلوكي مرتبط بسهولة تنفيذها واعتمادها على أدوات ملفتة للانتباه ووسائل مقارنة، تُظهر سلوك الآخرين لتشجيع الالتزام والتعهدات، واختيارها للتوقيت المناسب من أجل التأثير على القرار.

ويذكر أنّ وحدات التوجيه السلوكي تتجه نحو الانتشار بشكل أوسع، منذ قيام فريق التوجيه السلوكي (Behavioural Insights Team) المعروف بـ (Nudge Unit) داخل مكتب رئيس مجلس الوزراء البريطاني، وفريق العلوم الاجتماعية والسلوكية في البيت الأبيض، والوحدة الخاصة لدى مكتب المستشارة الألمانية. في حين كانت قطر أول من افتتح هذه الظاهرة في منطقة الشرق الأوسط وتلاها لبنان، بينما تستعد دول أخرى لإطلاق مبادرات مؤسساتية مشابهة، هدفها التحفيز لتغييرات مرجوة، كتفعيل عمل البرامج الحكومية، وتعزيز الاستدامة البيئية، ومساعدة الناس على اعتماد أنماط حياة صحية، وزيادة الوعي حول مشاكل كثيرة ذات جذور سلوكية، وهي أمور نحن بأمس الحاجة إليها في هذا الجزء من العالم.

وتُعتبر لبنان على سبيل المثال من البلدان التي هي بأمس الحاجة لنشر ثقافة احترام القانون، عبر تطبيق منهجية علمية في اختيار وصياغة السياسات والبرامج العامة المبنية على أدوات العلم السلوكي، وعادات المواطنين المستهلكين وتحيّزاتهم. ومن شأن هذا النهج التطبيقي تحسين تفاعل المواطن مع هذه السياسات ومع مجتمعه، والذي يساعده في حسن تطبيق القوانين المدنية، وحث المواطنين على التوقف عند إشارات السير، ودفع الضرائب والمستحقات في وقتها، وفرز النفايات المنزلية من المصدر.

وعلى الرغم من أنّ ارتفاع نسبة عدم الالتزام بالقوانين المدنية في لبنان، يعود بشكل أساسي إلى التفكك الكبير في الآليات التنظيمية للدولة، وضعف آليات تطبيق القانون، لكن الأهم من هذا هو غياب الوعي لدى المواطنين، الذي له دور بارز في إضعاف ثقافة احترام القانون، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق والواجبات، ناهيك عن عدم إدراكهم لنتائج عدم تطبيق القانون عليهم وعلى غيرهم.

وبالإضافة إلى تعزيز ثقافة احترام القانون، يمكن للبنان أن يكّرس استخدامات العلم السلوكي في مجال سياسات المالية العامة، وتحديداً لتغطية مشروع سلسلة الرتب والرواتب، ومنع المزيد من الزيادات في الدَين العام، خاصة أنّ عمليات جمع الضرائب ورسوم البلدية وغيرها من الرسوم الموجودة، تعتبر ضعيفة نسبياً، ما يساهم في تراكم المتأخرات بشكل متزايد.

ودون التعرض إلى جدوى زيادة نسب وأنواع الضرائب، لا شك أنّ تحسيناً نسبياً وجزئياً في جمع ما يقدر بأكثر من 4 مليار دولار من الضرائب غير المدفوعة، وفواتير الكهرباء، ورسوم التسجيل العقاري، يساعد في تغطية مشروع سلسلة الرتب والرواتب المقترح. وهذا أمر يتفق عليه المطلعون على هذا الملف، بمن فيهم خبراء صندوق النقد الدولي، الذين يؤكدون على أفضلية تحسين فعالية عمليات جمع الضرائب الحالية من بين مختلف الأدوات الضريبية المتداولة. ويمكن استعمال أدبيات الاقتصاد السلوكي لتحسين عملية التحصيل، وخدمة أهداف السياسات المالية العامة، حسبما تشير عدة تجارب للترغيب والتوجيه السلوكي أجريت في جميع أنحاء العالم.

فعلى سبيل المثال قامت وحدة التوجيه السلوكي في بريطانيا خلال العام 2013، بالتعاون مع مصلحة الضرائب في غواتيمالا، بزيادة عدد المواطنين الذين دفعوا مستحقاتهم الضريبية بنسبة 30% مقارنة بمجموعة التحكم، وذلك من خلال إرسال رسائل معدلة سلوكياً تذكّر بالتقاليد المجتمعية والأخلاقيات العامة في سياق دفع الضرائب.

وخلال تجربة أخرى، قامت وحدة التوجيه السلوكي في نيو ساوث ويلز الأسترالية بالشراكة مع وحدة التوجيه السلوكي البريطانية بزيادة معدلات دفع الغرامات بنسبة 21% في أستراليا، وذلك بإضافة ختم كتب عليه عبارة "أدفع الآن!" على إشعارات الدفع. وتشير التقديرات إلى أنّ إشعارات الدفع المحسنة تؤدي إلى دفع ما يقارب 10 ملايين دولار من الغرامات بحلول تاريخ استحقاقها من كل عام، وتجنب أكثر من 60.000 رسم متأخر ما يوفر 4 ملايين دولار سنوياً.

بالإضافة إلى ذلك، قامت وحدة التوجيه السلوكي بالتعاون مع وكالة ترخيص السواقين والمركبات (Driver and Vehicle Licensing Agency) في بريطانيا بزيادة معدلات إعادة ترخيص المركبات بنسبة 23%، من خلال إرسال رسائل شخصية ومبسطة تتضمن صورة للسيارة التي لم يتم إعادة ترخيصها بعد.

كما قامت أيضاً، بالتعاون مع فريق إدارة الإيرادات والجمارك البريطانية بزيادة تسديد الديون الضريبية بنسبة 23%، وذلك بإرسال مجموعة من الرسائل، التي تسترشد بالأعراف المجتمعية، وتشير إلى أنّ 9 من 10 من أفراد مقيمين في الجوار دفعوا مستحقاتهم الضريبية في الوقت المحدد.

وعليه، تؤكد عدد كبير من التجارب السلوكية أن تغييرات صغيرة وغير مكلفة في بعض العمليات، والإجراءات الحكومية، تؤدي إلى نتائج كبيرة في الإدارة المالية العامة.

وبطبيعة الحال، يحتاج لبنان إلى إدراج أدبيات التوجيه السلوكي ضمن سياساته الضريبية أكثر من أي وقت مضى، وذلك للمساعدة في حل جزء من الأزمة الحالية، سواء لزيادة نسب التحصيل، أو لاستحداث أدوات ضريبية جديدة. إذ يعتبر هذا الوقت الأمثل لتبني أسلوب الترغيب في لبنان. وفي الواقع، إنّ تحديات مثل زيادة دفع الضرائب والرسوم في الوقت المحدد، وزيادة شفافية التصريحات الضريبية، وتصريحات الدخل، وتحسين معدلات دفع الغرامات، كلها تحديات ذات جوانب سلوكية، ويمكن معالجتها باستخدام أدوات بسيطة وفعالة وغير مكلفة يتم استخدامها في الوقت المناسب، من أجل الحصول على أفضل النتائج. كما يمكن أن تقتصر هذه الأدوات على اختبار رسائل مبسطة أو شخصية أو تتضمن إشارة إلى الأعراف المجتمعية، كما تحدد جدوى الإجراءات الواجب اتخاذها.

إذ بإمكان وحدة صغيرة للتوجيه السلوكي في لبنان المساهمة في تصويب هذا الوضع، عبر استعمال أدوات التوجيه السلوكي، واختبارات التحكم العشوائية في عدد من المجالات ذات الأولوية. وهذا ما تقوم به الجمعية غير الحكومية "ندج ليبانون" (Nudge Lebanon) المتخصصة في حقل اختبار السياسات والتوجيه السلوكي في لبنان، وذلك إلى حين تنضج الوحدة الحكومية المركزية أو غير المركزية. وبالفعل يمكن مستقبلاً إنشاء وحدات للتوجيه السلوكي ضمن أطر مؤسسية محددة في الدولة اللبنانية، وذلك باعتماد أحد خيارين:

أولاً: خيار وجود وحدة حكومية مركزية ضمن أحد مراكز اتخاذ القرار، حيث تعمل على عدد من التحديات الوطنية ذات الجذور السلوكية، والتي تؤدي معالجتها إلى نتائج إيجابية بشكل كبير على المستوى المعيشي، كما تقوم بالتنسيق مع مختلف مؤسسات الدولة لاعتماد أدبيات الاقتصاد السلوكي في صميم العمل الحكومي وبناء القدرات في هذا المجال.

ثانياً: خيار وجود وحدة حكومية لا مركزية أو أكثر في الوزارات ذات الأولوية، بهدف تحسين إدارة فعالية الخدمات المقدمة، وتحسين تفاعل المواطن مع هذه الخدمات والبرامج، وتبسيط المعاملات، وتوجيه المواطن على اتخاذ القرار الصحيح. إذ في وزارة المالية على سبيل المثال، يمكن استخدام أساليب التوجيه السلوكي، لزيادة نسبة وسرعة تحصيل الضرائب، كما يمكن استخدام الأساليب السلوكية في وزارة الصحة العامة، لتشجيع النساء على إجراء فحوصات من أجل كشف سرطان الثدي، وفي وزارة الطاقة والمياه يمكن استخدام هذه الأساليب لحث المواطنين على ترشيد استهلاك الموارد، أما في مؤسسة كهرباء لبنان فتستخدم لتسريع تحصيل فواتير الكهرباء. كما يشار إلى أنّ تجربة ضبط عشوائية ناجحة تمت مؤخراً في مؤسسة كهرباء لبنان، تهدف إلى تسريع وتيرة دفع الفواتير، باستعمال أدوات التوجيه السلوكي مثل الحس الوطني والأعراف المجتمعية.

وبغض النظر عن تمركز وحدة التوجيه السلوكي المعمول بها، يوجد عدد من العناصر الواجب توفرها لنجاح هذه الوحدة، منها الدعم الحكومي القيادي القوي أو الشراكة معه، وتكوين فريق يملك خبرة عملية وتقنية وتجربة في العمل الحكومي، بالإضافة إلى التنسيق القوي مع الجامعات ومراكز البحوث والجمعيات الأهلية. ويشار إلى أنّ اقتراح السياسات المدعومة بالبراهين عبر الاختبارات هي من أهم أهداف وحدة التوجيه السلوكي في لبنان، نظراً إلى تحول النقاش عن الأرقام والوقائع إلى وجهة نظر. كما من شأن التوسع في استعمال أدبيات الاقتصاد السلوكي أن يضع النقاش حول السياسات العامة في إطار علمي سليم. فالذي يجب اعتماده منذ الآن وصاعداً ليس ما نظن أنه فعال، بل ما ثبتت فعاليته عبر التجارب، وتحديداً تجارب التحكم العشوائية، التي تُعتبر منهجية وثقافة ربما من شأنها تغيّر دور المؤسسات الحكومية وطريقة تقديمها للخدمات بشكل جذري.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!