تابعنا على لينكد إن

أصبحت عبارة “تمكين العميل” من أكثر العبارات رواجاً في أيامنا هذه، وهي تصف فكرة بديهية ظاهرياً، تفيد بأنه في حال تزويد العميل بكمّ أكبر من المعلومات ومنحه القدرة على اتخاذ القرارات، سيُظهِر مستويات التزام أكبر حيال شركتك.

وتتزايد شعبية مفهوم تمكين العميل على جناح السرعة، حتى في السياقات المعقدة لاتخاذ القرارات، التي غالباً ما يعتمد العميل فيها على نصائح خبراء كالمحاسبين، والمستشارين، والأطباء والمحامين. وعلى سبيل المثال، غالباً ما تُستَعمَل شعارات “تمكين المريض” و”مشاركة المريض” و”الاتخاذ المشترك للقرارات” لوصف النموذج المعتمد الجديد لاتخاذ القرارات الطبية في القرن الحادي والعشرين.

ويصرّ مؤيدو مبدأ تمكين المريض على أنّ المريض الذي بات يتمتع بنفوذ سيتبع على الأرجح نصائح الخبراء في نهاية المطاف. ولكن استطلاعاً جديداً يُظهِر أن العكس صحيح في معظم الأحيان.

وفي مراجعة لآلاف التفاعلات بين الأطباء والمرضى، توصّلت دراسة أجراها ستيفان ستريميرش من “معهد الدراسات العليا التجارية” في “جامعة نافارا” الإسبانية، ونونو كماتشو ومارتن دي جونغ إلى استنتاج بأن تزويد المريض بكمّ مفرط من المعلومات ومنحه القدرة على اتخاذ القرارات سيقلّصان على الأرجح فرص التزامه بنصائح الطبيب.

وفي مجال الطب، قد تكون التداعيات خطيرة على صحة المريض في حال لم يلتزم هذا الأخير بالنصائح، والآثار الجانبية كبيرة على الاقتصاد. إلى ذلك، يسهم عدم الالتزام بنصائح الطبيب في تقدّم المرض ويتسبّب بزيادة نسبة الوفيات. وتشير التقديرات إلى أنّ قطاع الأدوية العالمي يخسر 564 مليار دولار سنوياً بسبب عدم الالتزام بأوامر الأطباء.

وعندما يطلب طبيب من أحد المرضى تناول حبة دواء ذات تأثير جانبي غير مرغوب فيه، يمكن أن يؤدي ذلك إلى “تمكين العملاء” بثلاث طرق رئيسية – وفقاً للدراسة.

وفي أحد السيناريوهات، قد يسأل المريض طبيبه عن الحلول البديلة لتجنّب التأثيرات الجانبيّة، فيستعرض الطبيب معلومات إضافيّة حول فعاليّة العلاجات البديلة وتأثيراتها الجانبية، مجيباً بالتالي عن أسئلة المريض، في ما تعتبره الدراسة “تمكيناً إعلامياً بتوجيه من العميل”.

وفي سيناريو آخر، وحتّى قبل أن يسأل المريض، يتّخذ الطبيب قراراً مسبقاً بتزويده بمعلومات إضافيّة عن الدواء والعلاجات البديلة، في ما اعتبرته الدراسة “تمكيناً إعلاميّاً بتوجيه من الخبير”.

وأخيراً، قد يستعرض الطبيب خيارات عدّة، وبعكس الحالتين السابقتين، يضع مهمّة اتّخاذ القرار النهائي بين يدي المريض، في ما تعتبره الدراسة “تمكيناً تقريرياً”.

أجرى ستريميرش وشريكاه في التأليف استطلاعات للمرضى، سمحت لهم بتحليل 11735 حالة تفاعل بين مرضى وأطباء في 17 دولة واقعة في أربع قارّات. وقام الباحثون بتحديد نوع التفاعل بين المرضى وأطبائهم، وصنّفوهم وفقاً لأنواع التمكين الثلاثة المذكورة أعلاه. وبعد ذلك، تمعّنوا في ما إذا كان نوع التمكين الحاصل قد أثّر في احتمال أن يتبع المريض في النهاية النصائح الطبية المعطاة له. ومن بين الأشخاص الذين لم يتبعوا نصائح أطبائهم، فرّقت الدراسة بين عدم الالتزام العرضي، كذاك الذي يشمل نسيان تناول الدواء، وبين التجاهل المقصود، الذي يحصل عندما يقرّر مريض إيقاف علاج بالأدوية قبل أوانه.

وتستنتج الدراسة أن نموذج التمكين الأكثر إفادةً للمريض هو التمكين الإعلامي بتوجيه من العميل، حيث يتشارك الطبيب مع المريض معلومات إضافية عن فعالية العلاجات البديلة وتأثيراتها الجانبية، ولكن فقط عندما يطلب المريض معرفة المزيد.

ولا شكّ في أنّ طلب المعلومات وتلقّيها يشركان المريض في عمليّة اتّخاذ القرار، ويزيدان الاحتمال بأن يتذكر النصائح التي حصل عليها، ما يقلص، وفقاً للدراسة، حالات الفشل غير المقصودة، وكذلك حالات الفشل المقصودة، لأنّ المريض يصبح أكثر قناعةً بالنصيحة التي يحصل عليها متى أخِذت ظروفه ومخاوفه كلّها بعين الاعتبار.

بيد أنّ الحال ليس كذلك بالنسبة إلى نوعي التمكين الآخرين، حيث ينتاب المريض شعور بالغرق متى يزوده الخبير بمعلومات لم يطلبها، أو متى يحصل على حلول متعددة ويُطلب منه الاختيار بينها. وتشير الدراسة إلى أن ذلك يزيد الاحتمال بأن ينسى معلومات حيوية وأن يتكبد فشلاً غير مقصود.

وكذلك، تتزايد مستويات الفشل المقصود في حالات من هذا القبيل، إذ إنّ العميل يكتسب ثقة مفرطة في طريقة حكمه على الأمور، وغالباً ما ينتهي به المطاف بأن يشعر أنّه مخوّل اتخاذ المزيد من القرارات، على غرار إنهاء علاج وصفه له الطبيب قبل أوانه، ما قد يحمل تداعيات خطيرة على صحّته.

فهل تختلف هذه النتائج بين الثقافات؟ استخدم ستريميرش وزميلاه إطار عمل راسخاً لتحديد القيم الثقافيّة المعتمدة في الدول السبع عشرة المشمولة في الاستطلاع، واستنبطوا ثلاثة أنماط ثقافيّة رئيسيّة.

يعود النمط الأوّل إلى الدول ذات مستويات الاستقلاليّة العالية، التي تشدد على الطابع الفردي والاستقلال، في مواجهة الدول الأكثر التزاماً بفكر محدد، التي تشدّد على العلاقات وعلى احترام التقاليد. أمّا النمط الثاني، فيعود إلى الدول التي تعطي أهمّية كبرى للمساواة، حيث يتم التشديد على توزيع النفوذ بالتساوي، في مواجهة الدول الشديدة الالتزام بمبدأ التسلسل الهرمي، التي تشدد على عدم تساوي الأدوار والنفوذ في النظام الاجتماعي. أمّا النمط الثالث، فيعود إلى الدول ذات مستويات الاحتراف العالية التي تشدّد على النجاح والجرأة والكفاءة، في مواجهة الدول ذات مستويات التناغم العالية، التي تركّز على التأقلم مع العالم الاجتماعي والطبيعي.

وقد اكتشفوا أن الثقافة الوطنيّة تخفف من تأثيرات تمكين العميل في عدد من العلاقات. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة – التي يُنظر إليها كدولة تعتمد ثقافة ذات مستويات عالية من الاستقلالية والاحتراف – يطغى التمكين التقريري بمستويات أقل، فلا يُظهِر العميل ثقة مفرطة بالذات إلى هذا الحد، ونرى بالتالي عدداً أقل من حالات عدم الالتزام بالمقارنة مع دول أخرى. وفي الثقافات الشديدة الاعتماد على التسلسل الهرمي، يزيد الاحتمال بأن يبذل المريض جهداً إضافيّا لتذكّر نصيحة المحترف، أي الطبيب في هذه الحالة، حتّى لو حصل على معلومات إضافيّة.

تحمل هذه الاستنتاجات تداعيات عملية هامة بالنسبة إلى الأطبّاء، ولكن أيضاً بالنسبة إلى مزودي الخدمات المحترفة في عدد كبير من الاختصاصات على غرار المحاسبة، وقانون الاستشارات والخدمات المالية.

وعندما يتوق العميل لمناقشة حلول مختلفة، من شأن الخبير أن يُبدي رغبة في ذلك. ولكن عندما يكون اهتمام العميل محصوراً بالحصول على حل لمشكلته، لن يأتي إغراقه في تفاصيل أو حثّه على اتخاذ القرار المناسب بالنتيجة المرجوة. ويصح ذلك بشكل خاص في الثقافات التي تقيّم التناغم والاستقلالية الفكرية على حدّ سواء، كما هو الحال في عدد كبير من دول أوروبا الغربية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!