تابعنا على لينكد إن

إن كان لديك أي قدر من الاهتمام بالابتكار الإنساني والإنجازات في عالم التطوير والاختراع، فلا بدّ أن تكون سمعت آلاف المرات عبارات من قبيل: افشل بسرعة لتتعلم أسرع، الفشل شرط الابتكار، يجب علينا أن نجرّب الفشل كي ننجح وغيرها من هذه العبارات.

لكن الحقيقة هي أننا في أغلب الأحيان نكذب على أنفسنا في ما يتعلق بالفشل.

سأوضح لك ما أقصده بذلك. قبل سنوات حظيت بفرصة لاستضافة دان بينك في لقاء عبر الإنترنت، ودان مؤلف كتب دخلت في قائمة النيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً. وليلة ذلك اللقاء، جلس 70 شخصاً أمام شاشة كبيرة واستخدموا الكاميرا المربوطة بالشبكة للاستماع إلى دان بينك وهو يتحدث عن الأبحاث التي استخدمها في كتابه “قيادة” (Drive). سألناه عدة أسئلة وأجاب عنها. وكان ابن دان بينك الصغير يظهر في الخلفية أثناء الحوار، يرقص إلى جانب لوحة إعلانية كبيرة للكتاب. لقد كان اللقاء والعرض مليئاً بالضحك والمعلومات والحوارات الممتعة.

حين حققت النجاح في هذه الفعالية حضرت نفسي لتكرار  هذا الأمر. فاخترت موقعاً فخماً وجلبت مقادير كبيرة من الطعام من شركات ترغب في أن يظهر اسمها في هذا اللقاء. كان ضيفي ماثيو ماي، وهو كاتب صاحب مبيعات كبيرة وشخص معروف في مجال التفكير التصميمي وله أعمال معروفة مع شركة تويوتا اليابانية.

كان هنالك من 80 إلى 100 شخص كانوا أكدوا حضورهم، وشعرت أنّ النجاح سيكون مبهراً هذه المرة. وفي اليوم المرتقب للحدث، لم يأت سوى ثلاثة أشخاص من المدعوين، وكانت 10 دقائق قد مرت على الوقت المحدد للبدء. نعم، ثلاثة أشخاص وحسب، كعدد أضواء إشارة المرور، وعدد السنتمترات الثلاثة التي شعرت أنّ حجمي لا يتجاوزها.

لقد شعرت بخزي كبير حتى أنّي لم أوجه الكاميرا نحو المقاعد الفارغة كي لا يلاحظ ماثيو ضعف الحضور (ولم أكشف له ما حدث إلا قبل فترة قصيرة، وأعتقد أنّه تفهم الأمر). وعند انتهاء ذلك اللقاء الإلكتروني، كان مجموع الحضور خمسة أشخاص. لقد كان ما حدث فشلاً ذريعاً بكل المقاييس.

يمكنك بالنظر إلى ذلك التوجه الذي يرى في الفشل أهمية وقيمة كبيرة، أن تقول إنني تقبلت الأمر كفرصة لأتعلم منها. لكني، وبكل تأكيد، لم أفعل ذلك. إنّ امتداح الفشل من ناحية نظرية يختلف حين تكون أنت الفاشل. لذلك فعلت حينها ما يفعله أي شخص جبان، عمدت إلى حذف جميع ما كتبته عن الفعالية على الإنترنت، وكلما اعتذر لي شخص لأنه لم يأت في ذلك اليوم، ويستفسر عن اللقاء، أخبرته بأنّ ماثيو كان رائعاً (وهذا صحيح) محاولاً أن أكتم غيظي وإحباطي. كنت أخشى أن يعرف الآخرون عن هذه الكارثة خشية أن تؤثر على مشاريعي المستقبلية التي أعمل عليها.

تركت الأمر ستة أشهر كاملة، ولكني أقررت بهذا الفشل في حديث مع بعض أصدقائي. لقد كان صعباً علي أن أستمع إلى آرائهم، ولكن العجيب رغم ذلك أنّها كانت مفيدة. لقد فهمت أنّ اللقاء الأول سار على ما يرام لأن العديد من معارفي ساهموا واشتركوا فيه، أمّا في اللقاء الثاني فلم يكن لديّ هذا الدعم، لأني حاولت تنظيمه بمفردي.

هذه الفكرة دفعتنا إلى تنظيم ما أسميناه أيوا قمة الإبداع (Iowa Creativity Summit)، وقد دعونا ماثيو مجدداً ليكون المتحدث الرئيسي في الحدث، فحضر الناس بأعداد كبيرة حتى أنّ الحضور في ذلك اليوم كان أكبر من أي حدث آخر نظمناه حتى اليوم.

قررت بعد تلك التجربة المؤلمة التي وجدت نفسي فيها غير قادر على تقبل فشلي والتعلم منه، أن أطلب من ضيوف برنامجي على البودكاست أن يحدّثوا المتابعين عن أكبر فشل تعرضوا له في حياتهم، وكيف تعلّموا من تلك الحادثة، وكيف تجاوزوها لتحقيق النجاح في ما بعد. ولكني حين طرحت هذه الأسئلة على أكثر من شخصية، وكل واحد منهم إنسان مبتكر وناجح، اكتشفت شيئاً خطيراً. لقد كان كل ريادي من روّاد الأعمال يقرّ بأنّ الفشل ضروري ومهم للنجاح، ولم يجد أي منهم الحرج من الحديث عن أمثلة الفشل الكثيرة التي مر بها الآخرون، كقصص الفشل التي لا تحصى لجيمس دايسون، ولكن الغالبية العظمى منهم لم يبدوا الرغبة في الحديث عن تجارب فشلهم الشخصية، وفي أحيان عديدة كانوا يتصرفون كأنهم لم يتذوقوا طعم الفشل في حياتهم كلها.

وحين كنت أُفلح في إقناع ضيف من الضيوف للحديث عن تجربة فشل مر بها، فإنه عادة يضع هذه القصة في سياق يظهر لك أن الفشل كان نتيجة ظروف خارجة عن سيطرته. قليلون فقط من اعترفوا بأنهم ارتكبوا حماقة ما، وتعلموا منها (وقد كانت اللقاءات معهم من أنجح لقاءات البرنامج). تذكّر أنّ هؤلاء هم الناجحون الحقيقيون الذين لا يكترثون لما يقوله الناس عنهم.

أنا أتفهم أنّ قادة الأعمال لا يرغبون في الظهور بموقف ضعيف وذلك بالتقليل من فداحة الفشل الذي واجهوه. وربما لا يكون ثمة ضرر في ذلك، ولكن من الضروري على قادة الأعمال أن يتقبلوا حقيقة أنهم فشلوا وأن يعترفوا بجانب الفشل المتعلق بهم مباشرة، لأنّ إنكار ذلك يؤدي لأربع مشاكل حقيقية:

عدم الإقرار بالفشل يعني عدم القدرة على التواصل مع فريق العمل 

صحيح أنّ الموظفين يتجنبون الحديث عن تجارب الفشل في عملهم، ولكنّهم يميلون مع ذلك إلى الثقة بشكل أكبر بالمدراء الذين يتحدثون عن الفشل ويعترفون به إن حصل. أخبرني ويل بيرنز من شركة إيديسيكل (Ideasicle) أنّه اختير مرة لأداء دور مهم مع أنه لا يعرف القيام به، وكان يخشى أن تنكشف حقيقته، وانتهى الأمر بأن طُلب منه بعد فترة بترك تلك الوظيفة. لقد اكتشف في ما بعد أنّ القائد يبدو ضعيفاً حين يتصرف كأنه الخبير في كل شيء. إن ذلك المدير الذي لم يجرب الفشل قط إما أنه ليس ببشر أو أنه كاذب. وحتى لو كانت تجربة الفشل بعيدة عن مجال اهتمام أعضاء الكادر، إلا أنّ الحديث عنها من قبل المدير سيعزز نظرتهم الإيجابية إليه.

عدم الإقرار بالفشل يعني أنك لن تتعلم منه 

لا يكون الفشل تجربة مفيدة إلا إن استفدت أمراً مهماً منه وساعدك على تصحيح مسارك. أما إن لم تحقق ذلك، فلن تتمكن من التعلم من وجهات نظر جديدة وستجد نفسك عالقاً في حالة من الإنكار. حين تحدثت مع أصدقائي عن ذلك اللقاء الفاشل الذي لم يأت إليه سوى خمسة أشخاص، تعلمت مع شيء من الصدمة من تلك الخبرات التي لديهم واكتشفت جوانب من العمل كنت غافلاً تماماً عنها.

عدم الإقرار بالفشل يعني أنك لن تحتمله من الآخرين 

مع أنّ العديد من قادة الأعمال يصرحون دوماً بأنّ الفشل لابدّ أن يرافق عملية الابتكار، إلا أنّ العديد منهم يغضبون حين يخفق أحد موظفيهم أو يجد صعوبة في مهمة ما. لقد رأيت هذا الأمر مع عملائي (أو عملائي السابقين). لقد كانوا يتفهمون الفشل بالقدر الذي يمنعهم من العقاب عليه، ولكن أسلوبهم في التعامل معه يرسل رسالة واضحة وصريحة بأنّهم منزعجون من ذلك، وهذا الأسلوب قيّد الموظفين، وسدّ الباب على التجربة والإبداع.

عدم الإقرار بالفشل يزيد من صعوبة التعامل معه في المستقبل

هذا أمر واضح ولكنه في غاية الأهمية. إنّ إنكار الفشل يجعل التأقلم معه وتجاوزه أكثر صعوبة إن تكرر في المستقبل (ولعلك تعرف ذلك جيداً). حين تواجهني صعوبة ما، أنظر إلى تجارب الفشل التي عالجتها في حياتي، وحين أجد أنّ الفشل أمر طبيعي ومتوقع، يصبح من السهل علي أن أمضي قدماً وأتعلم من المصيبة التي تعثرت بها.

إنّ خداع الذات بإنكار الفشل يعود بالضرر على شركاتنا وطواقم موظفينا. إن كنت قائداً في عملك، فقد حان الوقت لتكون أكثر انفتاحاً عند التعامل مع الفشل. قد يسبب لك ذلك بعض الحرج في البداية، ولكنك ستتعلم أكثر وستجد نفسك وفريق العمل من حولك يزداد مناعة وقوة، فهذه هي فرصتك للتغلب على الفشل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz