تابعنا على لينكد إن

كم مرة أجّلت القيام بشيء ممتع، كالذهاب في رحلة أو تدليل نفسك، لأنك شعرت أنّ هناك الكثير من العمل ويجب الانتهاء منه أولاً؟

قمت في مختبري باستطلاع آراء أشخاص من كل مجالات الحياة عن أفضلياتهم بما يخص ترتيب العمل والتسلية. ومرة بعد مرة تكرر الجواب ذاته: “بالتأكيد لا يمكنك ترك كلّ شيء والذهاب للاستجمام قبل إنهاء عملك. فالعمل يأتي أولاً، والتسلية تأتي لاحقاً”.

هذا الجواب يبدو بديهياً، حيث أنه لا أحد يودّ إفساد لحظات متعته بسبب القلق بشأن ما عليه فعله أو شعور تأنيب الضمير على الاستجمام في موعد مبكر. ولذلك نقوم عادة بترتيب رحلة مثلاَ في عطلة نهاية الأسبوع التي تلي موعد تسليم عمل هامّ لا التي قبله. فنحن نؤجل المكافآت إلى وقت استحقاقنا لها فعلاً، على أمل أن نستطيع الاستمتاع بوقتنا بكل معنى الكلمة.

ولكن هل هذا الأمر “البديهي” صحيح؟، لقد أجريت في مختبري مؤخراً سلسلة من التجارب لاختبار ما يشعره المرء فعلاً بتطبيق قاعدة “التسلية أولاً”. واكتشفنا أنّ الأمر ليس مرعباً كما يبدو. ونُشرت نتائج تجاربنا في مجلة سايكولوجيكال ساينس (Psychological Science).

وقمنا في التجربة الأولى بدعوة 181 شخصاً من المارَين بمتحف العلوم والصناعة في شيكاغو، وكلهم كانوا راشدين وموظفين في مجالات مختلفة، وطلبنا منهم إنهاء نشاطين. أحدهما كان يدعى “مهمة العمل الثابت”، وهو عبارة عن مجموعة اختبارات إدراكية مجهدة. والآخر يدعى لعبة صانع السحر (Magic Maker)، وهو لعبة ممتعة على “الآي باد” تقوم على تأليف الموسيقى والاستماع إليها. وقمنا باختيار بعض المشاركين عشوائياً من أجل اللعب بصانع السحر بعد نجاحهم بإنهاء نشاط “العمل الثابت”، بينما كان آخرون يعملون في الترتيب المعاكس، فكان عليهم اللعب باللعبة المسلية قبل إنهاء المهمة الأصعب. وقبل البدء باللعب، توقّع المشاركون درجة المتعة في مهماتهم بحسب مقياس تقييم من -5 إلى +5. وبعد الانتهاء من اللعب قيّموا تجربتهم بصورة فعلية.

ما هي النتائج؟، في حين أنّ المشاركين كانوا يعتقدون ترتيب النشاط مهمّ جداً، توقّع المشاركون في فئة “اللعب أولاً” قيماً منخفضة جداً للمتعة على عكس توقّعات المشاركين في فئة “اللعب لاحقاً”، وفي الحقيقة لم يكن الترتيب مهماً أبداً. فقيم المتعة الفعلية كانت مرتفعة بالتساوي في الفئتين. واستمتع المشاركون في فئة “اللعب أولاً” بقدر كاف.

وتكررت هذه النتائج في الاختبارات التي قمنا بها لمتابعة التجربة. حيث قمنا ببناء منتجع صحي مؤقت في المختبر، يحتوي على كرسيّ للتدليك وحوض للعناية بالأقدام، واستقبلنا 259 من طلاب جامعة شيكاغو الذين يعملون بصورة متواصلة. واستطاع الطلاب اختيار وقت حضورهم إلى المنتجع إما خلال الأسابيع التي تلي انتهائهم من فترة الامتحانات النصفية المرهقة مباشرة، أو خلال الأسابيع التي تسبق بدء الامتحانات مباشرة. وكانت مجموعتي الطلاب في الحالتين متطابقتين من حيث العدد الكلي وعدد الذكور والإناث والعمر وغيرها من متغيرات. وقدّم الطلاب توقعاتهم لدرجة استمتاعهم قبل الزيارة بالإضافة إلى تقييمهم للتجربة بعد انتهائها.

وجدنا أنّ الطلاب الذين زاروا المنتجع قبل الامتحانات النصفية توقّعوا أنّ تجربتهم ستكون أقلّ متعة نظراً للتوتر الذي تتسبب به الامتحانات المشرفة، إلا أنهم استمتعوا فعلياً بقدر استمتاع الطلاب الذين زاروا المنتجع بعد الامتحانات. وكان الأمر البديهي مخطئاً مجدداً.

لماذا لا نقول أنّ “التسلية أولاً” ممتعة بقدر التسلية بعد الانتهاء من العمل؟، إنّ الإجابة متعلقة بفكرتنا عن تشتت الانتباه. كما فعلنا في التجربة الأولى، طلبنا من الطلاب المشاركين في تجربة المنتجع الصحيّ أن يتوقعوا النسبة المئوية لانشغالهم بالتفكير بالامتحانات مقابل نسبة استمتاعهم التامّ بجلسة التدليك، ومن ثمّ قاموا بتزويدنا بالنسب المئوية لانشغالهم عن الاستمتاع فعلياً بعد انتهاء زيارتهم للمنتجع. فكانت توقّعات الطلاب الذين افترضوا أنهم لن يستمتعوا بجلسة التدليك قبل الامتحان والامتحان سيشغل تفكيرهم بنسبة لا تقل عن 40% من وقت الجلسة وسيصرفهم عن الاستمتاع بها، ولكن هذا لم يحصل فعلاً، ولم يفكّر الطلاب فعلياَ بالامتحانات أكثر من 20% من وقت الجلسة، وقضوا أغلب الوقت مستمتعين.

وفي تجربة أخيرة، حاولنا مساعدة الناس معرفة مدى قوة إعطاء الأولوية للتسلية أكثر. فقمنا بدعوة 332 طالباً إلى المختبر لإكمال اختبارين. أحدهما أُطلق عليه ماراثون المعارف، وهو عبارة عن القيام بسلسلة من المهمّات الشاقة، كتحديات لمدة زمنية محددة شبيهة بتحدي مكعب روبيك (Rubik’s cube). وكان الآخر على هيئة مكافأة لهم على جهدهم المبذول لإنهاء الماراثون، واشتمل على الوجبات الخفيفة ومشاهدة مقاطع الفيديو المضحكة. وأخبرنا جميع المشاركين أنّ عليهم إنهاء اختبار المكافأة أولاً، وجعلناهم يعتقدون أنّ ماراثون المعارف سيكون بعد المكافأة، ولكننا لم نُخضعهم له فعلاً. فهدفنا الأساسي هو رؤية مدى استمتاعهم بالمكافأة برغم أنهم لم ينهوا المهمّة الصّعبة بعد ليستحقوها فعلياً.

وقمنا بتقسيم المشاركين عشوائياً إلى ثلاث فئات. حيث أكمل المشاركون في إحداها اختبار المكافأة وقيّموا مدى استمتاعهم به. وكما في الاختبارات الأُخرى، لم يبد المشاركون منزعجون من المهمّة التالية، إذ أعطوا تقييماً جيداً جداً لمتعة اختبار المكافأة. وكانت هذه النتيجة هي نقطة المرجعية لنا في الفئتين الأُخريين، حيث طلبنا من المشاركين فيهما أن يخمّنوا تقييم استمتاع الأشخاص في الفئة الأولى.

إذ أعطى المشاركون في إحدى الفئتين تخميناتهم دون الحصول على أيّة معلومات أُخرى. وتوقعوا أن تكون درجة متعة الأشخاص في الفئة الأولى متدنية جداً. أي أنهم كما في تجاربنا السابقة افترضوا أنّ متعة المكافأة ستكون أقلّ بكثير مما هي عليه في الواقع.

وقدّم المشاركون في الفئة الأُخرى توقعاتهم ولكن بعد الإجابة عن سلسلة من الأسئلة الموجّهة من نمط “التمعن في التفاصيل”، والمصمّمة لتذكيرهم بقوة الاستغراق بالتسلية. فكان أحد الأسئلة مثلاً: “فكر بحاسّة التذوق في اللحظة التي تمضغ فيها قطعة لذيذة من الوجبة الخفيفة. فلنفترض أنّ هذا يستمرّ لعشر ثوان. صف ما يحصل لحظة بلحظة؟”، ثم رأوا عشرة أسطر فارغة يمثل كلّ منها ثانية واحدة. وطُلب إليهم تحديد ما يمكن أن يفكروا به وشعورهم خلال التجربة. فكانت بعض إجابات المشاركين تضمّ مثلاً: “أشعر بالطعم فحسب” و”أجلس وأشعر بالمتعة”. فهذا الاختبار كان يهدف لجعل الاستمتاع بحاسة التذوق أسهل برغم كل الأشياء التي تشتت الانتباه حولهم.

وكانت النتيجة تماماً كالآتي: بعد الانتهاء من اختبار “التمعّن في التفاصيل” أستطاع المشاركون توقّع درجة استمتاع أقرانهم ضمن اختبار المكافأة في الفئة الأولى بدقة أكبر. وعن طريق تقسيم تجربة مسلية إلى تفاصيل لحظية دقيقة، حيث أصبح بإمكانهم الاستمتاع بالأحاسيس المرتبطة بالتسلية كالمتعة والإثارة والتحفيز والاسترخاء.

وكانت النتائج تشير إلى أننا نفرط في القلق والعمل للحصول على مكافآت مستقبلية قد تكون ممتعة بنفس قدر متعتها إن قمنا بها في الوقت الحاضر. كما أنه جميعنا يعرف مثاليات المتعة المؤجلة ويتمسك بها.

في السياق ذاته، يعمل الموظفون الأميركيون عدد ساعات أكبر ويأخذون إجازات أقلّ من أي شخص في البلدان الصناعية المتقدمة. ومعظمهم غير راض عن توازن الحياة والعمل، بالإضافة إلى أنّهم لا يأخذون أيام الإجازات مدفوعة الأجر ويتمنون لو أنهم يستطيعون قضاء وقت أكثر في الاستجمام.

وتُعتبر هذه مشكلة حقيقة، لأن الاستجمام إلى جانب فوائده الأُخرى يساعد في تحسّن أدائنا ضمن بيئة العمل. فنحن عادة نعمل بصورة أفضل ونكون راضين أكثر عن وظائفنا بعد العودة من إجازات مريحة. كما أنّ الاستمتاع بالعمل يساعدنا على الالتزام بالأهداف طويلة الأجل. فإذا كان الأمر البديهي هو وضع التسلية آخراً سيكون هناك عمل كثير بصورة دائمة، ولا نستطيع الاستفادة من فرص الاستجمام وسنكون في نهاية المطاف مرهقين أو غير راضين عن العمل. وربما نستمرّ بتأجيل القيام بأمر مسلّ حتى يحين الوقت المناسب له، إنما سندرك لاحقاً أنّ هذا الوقت المناسب لن يأتي أبداً.

وبالمقابل، مقاومة هذه الفكرة البديهية لن يكون سهلاً أبداً. ولكن يمكنك أن تخصّص أوقاتاً للعمل والاستجمام كي تتمكن من إمتاع نفسك في الوقت الراهن بصورة أفضل، وإليك الخطوات للقيام بذلك:

أولاً: اسأل نفسك عن سبب ترددك في القيام بأمر مسل أو مكافأة نفسك. ترك العمل قليلاً من أجل التسلية أمر جيد، لكن بالابتعاد عن أنواع التسلية التي تقلل من القدرة على العمل بعدها، كالاحتفالات الصاخبة قبل القيام بعمل يحتاج إلى جهد كبير. فاعتقادك بأن تفكيرك بالعمل سيفسد عليك متعة الاستراحة، وأنً المكافأة بعد العمل ستكون أفضل، يُعتبر اعتقاداً خاطئاً. وهذا لا يعني أنّ المتعة المؤجلة ليست فعّالة، ففي النهاية حتى دراساتنا هذه تشير إلى أنّ مكافأة الانتهاء من العمل كانت رائعة، كما كان متوقعاً. وما أريد قوله هنا أنّ الاستجمام قبل العمل قد تكون له نفس النتيجة الرائعة.

ثانياً: حاول للحظات أن تتخيل المتعة في أدق التفاصيل. أغمض عينيك وحاول استحضار شعورك بالمتعة لحظة بلحظة. فالاستغراق بالتخيّل الموجّه نحو أمر ما بأدق تفاصيله وأحاسيسه الحقيقية أمر يقوم به أفضل صناع القرارات عادة، ولكن نادراً ما يقوم به معظمنا.

ثم فكّر بتجربة “التمعّن بالتفاصيل” التي قمنا بها والتي قام فيها الأشخاص بتسجيل تفاصيل تجربتهم واستطاعوا بعدها توقع قيمة المتعة بصورة أفضل. وإذا كنت قلقاً في الواقع من أخذ استراحة من العمل قبل إنهاء مشروع كبير، يمكنك تسجيل الأشياء الكثيرة التي ستفعلها خلال إجازة ما لمساعدتك على تذكر حقيقة أنّ المتعة تجعلنا ننغمس فيها. فانشغال تفكيرك بالعمل لن يفسد هذه التجربة.

ثالثاً: جرب تطبيق مبدأ “التسلية أولاً” عندما تكون مكافأة انتهاء العمل ليست كبيرة. احظ ببعض التسلية، ربما بزيارة سريعة لمنتجع صحيّ، قبل انتهائك من العمل تماماً. ولاحظ جيداً أين سيكون تركيز انتباهك في أثناء استجمامك وكيف يكون شعورك تجاه العمل فور عودتك إليه. إذ أنه أفضل استراتيجية فعالة للتخلص من تحيزاتنا هي خوض التجربة بأنفسنا. فمن المؤسف أنّ بديهتنا تجاه مبدأ “التسلية أولاً” تجبرنا على تفادي اكتشاف حقيقة شعورنا حول هذا المبدأ. فتجربة صغيرة الآن ستصبح مفيدة، وستكون بمثابة تذكير حيّ عندما ستحاول ترتيب مواعيد العمل والاستجمام مستقبلاً.

ربما يبدو الاستمتاع مهمّة شاقة. لكنه ليس كذلك. فأنت ستنال متعتك سواء انتظرت حتى يحين الوقت المناسب لها أو قرّرت الاستمتاع الآن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz