تابعنا على لينكد إن

يعتبر الإصغاء غالباً واحداً من أنعم المهارات الناعمة التي يتمتّع بها الإنسان. وبالتالي، فإن الفكرة القائلة بأنك يمكن أن تكون مستمعاً قوياً قد تبدو وكأنها عبارة تجمع النقيضين. ومع ذلك، فإن عملي مع المدراء التنفيذيين قد علّمني بأنهم عندما يصغون حقّاً لاكتشاف ما هو جوهري وأساسي، فإن أثر ذلك يمكن أن يكون مدهشاً. والإصغاء هو واحد من أهم الطرق التي يمكن استعمالها لتحفيز الموظفين في العمل.

إن الإصغاء القوي هو واحد من أندر الممارسات التي يقوم بها المديرون التنفيذيون هذه الأيام، ليس بسبب انتقاصهم إلى المهارة – وإن كان هذا هو الحال غالباً – وإنما لأنها مهارة معرّضة للهجوم من وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، والتوقع السائد على نطاق واسع بأن تكون ردود أفعالنا فورية. هل سبق لك وأن كنت في خضمّ حديث مع أحد الأشخاص وإذ به يبدأ فجأة بتفقّد هاتفه؟ بالتأكيد أنت مررت بهذا الموقف. نعم. نحن نعاني من مجاعة إصغاء متواصلة، وهذا أمر معيب لأنه في عصر المعرفة، يكمن معظم خلق القيمة في القدرة على استكشاف ما هو المهم – من خلال الإصغاء. وهناك طائفة دينية تسمّى الصاحبيون (الكويكرز) وهم يمارسون طريقة قويّة نوعاً ما في الإصغاء. فهم يعقدون لجنة خاصة، تسمّى “لجنة الوضوح” تقوم على الاعتقاد الذي وصفه المؤلف باركير بالمير على النحو التالي: “كل واحد منّا لديه معلّم داخلي، هو صوت للحقيقة، يقدّم لنا الإرشاد والقوّة التي نحتاجها للتعامل مع مشاكلنا.”

وإليكم الطريقة التي تعمل بها هذه اللجنة: أولاً، يقوم أحد أفراد هذه الطائفة الدينية بتحديد قرار رئيسي، أو مشكلة شخصية، أو سؤال يشكّل معضلة لأحد أبناء طائفته والذي يسمّى “الشخص الذي يحظى بالتركيز”. بعد ذلك يشكّلون لجنة للالتقاء بهذا الشخص الذي يحظى بالتركيز، بحيث لا يدعون إلا مجموعة منتقاة من الناس (“الأعضاء”). ويتعيّن على هؤلاء الأعضاء أولاً الالتزام بأقصى درجات السرية: إذ لا يحق لهم أن يتحدّثوا عن الاجتماع بعد انعقاده، ما لم يطلب الشخص الذي يحظى بالتركيز تحديداً مناقشته. بوسع الأعضاء أن يدوّنوا ملاحظاتهم، لكن هذه الملاحظات يجب أن تسلّم إلى الشخص الذي يحظى بالتركيز في نهاية اجتماع اللجنة.

بعد ذلك تجتمع اللجنة في موقع آخر، حيث يقضي الشخص الذي يحظى بالتركيز 10 دقائق في عرض بيان مقتضب حول المشكلة، بما في ذلك أي معلومات ذات صلة تخصّ خلفية الموضوع. ثم تخلق اللجنة مساحة آمنة للشخص الذي يحظى بالتركيز كي يتحدّث، بحيث تعطى الأولوية لهذه المساحة الآمنة على حساب الراحة الاجتماعية للأعضاء. على سبيل المثال، لا يجب أن يدور أي حديث بين أعضاء اللجنة، ولا يسمح بالضحك بصوت مرتفع، ولا يُسمح بالأحاديث الجانبية، أو باستعمال الهاتف أو الكمبيوتر، ولا يجوز طرح أي أسئلة نارية وسريعة يمكن أن تثقل على الشخص الذي يحظى بالتركيز.

بعد ذلك هناك ساعتان من التفاعل، لا يجوز خلالها للأعضاء الحديث إلا مع الشخص الذي يحظى بالتركيز من خلال طرح أسئلة صادقة عليه. والأسئلة الصادقة ببساطة هي جميعها بغرض الاستفسار وليس الوعظ.

قبل أن ينفرط عقد الاجتماع، يمكن للشخص الذي يحظى بالتركيز أن يسمح للناس بأن يطرحوا تأملاتهم مجدداً فيما سمعوه. ومرّة أخرى، لا يجب أن تقدّم أي آراء، وإنما مجرّد تأملات. وقبل خمس دقائق من انتهاء الاجتماع، يُسمح للأعضاء بأن يحيّوا الشخص الذي يحظى بالتركيز على إظهاره القوّة والشجاعة في طرح أفكاره العميقة المؤلمة. وحتى هذه اللحظة ليس هناك أي نصيحة أو اقتراحات تقدّم. والفكرة ببساطة هي أن يمضي الشخص الذي يحظى بالتركيز بعيداً ويصغي إلى صوته الداخلي للحصول على الإرشاد المتواصل.

إن “لجنة الوضوح” هذه هي واحدة من الابتكارات الرائعة في مجال الإصغاء. فإذا ما بدت شديدة جدّاً أو محرجة للغاية بحيث لا تصلح للاستعمال الدائم، فإن بوسعك مع ذلك أن تطبّق الكثير من جوانبها في تفاعلاتك مع فريقك. على سبيل المثال، يمكن أن تكون لديكم قاعدة تقول بأنك أنت أو أعضاء فريقك لن تطرحوا إلا أسئلة صادقة: فبهذه الطريقة بوسعكم تحاشي الأسئلة التي تنطوي على تلاعب والتي تعقّد التواصل. وعندما يلجأ أحد أعضاء فريقك إليك لأنه يواجه تحدّياً معيّناً، بوسعك أن تطرح عليه أسئلة ليعرّف ما هي المعضلة الحقيقية، عوضاً عن القفز إلى حلول غير ناضجة نابعة من حسن النيّة ولا تؤدّي الغرض منها أبداً. أخيراً، بوسعكم أن تزيدوا نسبة الإصغاء إلى الكلام من خلال طرح الأسئلة وقضاء 50% على الأقل من أي محادثة في الإصغاء الفعّال إلى الشخص الآخر الذي يتحدّث.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz