تابعنا على لينكد إن

من المعلوم أنّ المؤسسة التي لا تفكر لا تتطور، وإن تطورت يكون تطورها مؤقتاً وعشوائياً. تتطلع المؤسسات باستمرار إلى الأفكار التي تساعدها على التحسن، أو الأفكار التي تمكّنها من مجابهة التحديات الناشئة، ولكن غالباً ما ينقص هذا التطلع الاستدامة، فنرى أن اجتراح تلك الأفكار يكون عملية متقطعة محدودة مرتبطة بعدد من الموظفين، أو يكون نتاجاً لأنشطة روتينية غير استباقية.

إذا ما أردنا بناء المؤسسة المفكرة، ينبغي الالتفات إلى عدد من الممارسات التي تجعل التفكير سمة أصيلة في المؤسسة، وتجعل التفكير ممارسة مألوفة تحقق مردوداً مباشراً وتسمح لها بالنمو.

على المدراء أن يفكروا لا أن يسيّروا العمل فقط

في المؤسسة المفكرة يستغل المدراء جزءاً من وقتهم في التفكير، حيث أنه من السهل جداً على المدير أن ينشغل طوال اليوم في المراقبة والتوجيه والحرص على أن يسير العمل على ما يرام، لكن ليس هذا هو المطلوب، إذ أنه على المدير أن يعتبر التفكير جزءاً أساسياً من مهام عمله، وأن يمارسه بجدية وانتظام. يتذرع العديد من المدراء بعدم توفر الوقت الكافي للتفكير، وأنّ مهام العمل تجعلهم مشغولين طوال اليوم، في هذه الحالة، يشخّص الأستاذ دونكان سيمستر أستاذ علوم الإدارة في كلية سلون للإدارة (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) حالتهم بأنهم لا يفوضون مهامهم بالشكل الأمثل، إذ أنه من شأن قيام المدراء بتفويض العمل إلى مرؤوسيهم إتاحة متسع من الوقت لهم للتفكير، كما يمكّنهم ذلك من تكوين تصور أكبر وأشمل لمؤسساتهم، والبحث عن خيارات استراتيجية بشكل أكثر واقعية.

تتنوع الطرق التي يتحايل بها المدراء التنفيذيين على المشاغل اليومية، ومن تلك الطرق ما يقوم به بيل غيتس الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لشركة مايكروسوفت العملاقة، حيث يخصص أسبوع كامل يسميه “أسبوع التفكير” يعزل خلاله نفسه عن شؤون العمل ويبتعد عن وسائل الاتصال وغير ذلك من المشتتات ليقوم بقراءة الكتب والتقارير، والتعرف على آخر التوجهات في عالم التكنولوجيا، كذلك التفكير العميق في مستقبل شركة مايكروسوفت والخيارات الاستراتيجية المتاحة، ويقوم غيتس بذلك مرتين سنوياً، إذ أكد أنّ هذه الممارسة تمنحه دفعاً إلى الأمام وقدرة على استيعاب ومواكبة المنافسة العالمية.

الحكمة الجمعية في اتخاذ القرارات

لا تعتبر الهيكلية الإدارية هي الطريقة المناسبة لاتخاذ القرارات في المؤسسات المفكرة، بل لا بد من مزاوجتها مع ما ينتج عن تفاعل أكبر شريحة من الموظفين أو الجمهور، ويطلق على الآلية التي يتم فيها استخلاص الأفكار بعد مشاركة أعداد كبيرة من الناس (الحكمة الجمعية)  واستخدمت هذه الطريقة مؤسسات عالمية بنجاح كشركة (IBM) العملاقة المعروفة التي توظف الآلاف في مختلف دول العالم، حيث أنه عندما أرادات الشركة إعادة النظر في قيمها المؤسسية، قامت بدعوة موظفيها إلى مناقشة القيم الحالية واقتراح ما يرونه من قيم جديدة من خلال منصة إلكترونية وذلك لمدة ثلاثة أيام، وكانت النتيجة مذهلة: مساهمات وحوارات تمت ما بين أكثر من 10 آلاف موظف نتج عنها توافق على القيم المؤسسية الجديدة. بعد هذ النجاح، قامت (IBM) باستخدام هذه التقنية مرة أُخرى ولكن مع الجمهور بشكل عام، إذ أتاحت مجموعة من التقنيات الحديثة والتي ما تزال تحت التجريب على منصاتها الإلكترونية للعامة من أجل تجربتها وإبداء ملاحظاتهم عليها وإضافة أفكار جديدة مبتكرة، وأسمت هذه المبادرة (مجمّع الأفكار) واستطاعت أن تحصل على أكثر من 150 ألف مشاركة من 67 شركة ومؤسسة تابعة لأكثر من 104 دول.

في سياق متصل، قامت بعض الحكومات العربية بمحاولة تجميع أكبر كم ممكن من الأفكار لمساعدة مؤسساتها على التطوّر والتحديث المستمر، مثل حكومة دبي حين أطلقت مجلس محمد بن راشد الذكي كمنصة لتبادل الأفكار وإيجاد الحلول، حيث يمكن للجميع المشاركة في تعزيز ريادة مدينة دبي.

نظرة جديدة للأفكار داخل المؤسسة

تقوم برامج استقطاب الأفكار التقليدية ضمن المؤسسات على دعوة الموظفين إلى تقديم أفكارهم المبتكرة، ومن ثم تقييمها اعتماداً على معايير متفق عليها، وبعدها يتم تنفيذ الأفكار المتميزة وتكريم أصحابها. تفتقر هذه الطريقة إلى منح الأفكار الفرصة لتثبت نفسها، والبرهنة على جدارتها بالتطبيق العملي، وذلك لأن مصير الفكرة يكون بيد المدير المباشر أو لجنة التقييم  بناء على ما يرونه أو ما يعتقدونه عن هذه الفكرة. وللتعامل مع هذه المعضلة، يقترح غاري هامل أستاذ الإدارة في كلية لندن للأعمال قيام المؤسسات بتخصيص ميزانية محددة لكل موظف يمكنه إنفاقها سنوياً على دراسة واختبار فكرة أو أكثر يرى أنها مهمة، كذلك يمكن للموظف التشارك مع زملاء آخرين في اختبار أفكار مشتركة، أو أن يطرح فكرته داخل المؤسسة ويقوم الموظفون الراغبون بتمويلها من الرصيد الخاص به، وبالتالي تقوم المؤسسة بالوقوف على الأفكار بعد اختبارها فعلياً والنظر إلى نتائجها، وبذلك يستطيع الموظف في كثير من الأحيان أن يتخطى المرحلة الصعبة لبدء اختبار فكرته بشكل عملي وتوفير التكلفة المترتبة على ذلك.

يمكن وصف ذلك بالاستثمار الداخلي الذي تقوم به المؤسسات لتشجيع الموظفين على تطبيق ما يفكرون به وضمان تدفق الأفكار داخل المؤسسة، كذلك إيجاد حالة إيجابية من التشاركية بين الموظفين.

اكتشاف التركيبة المناسبة بين التفكيرين طويل وقصير الأمد

من الشائع قيام المؤسسة بوضع خطط استراتيجية ممتدة على سنوات، وكذلك وضع خطط تشغيلية ذات آجال أقصر، ولكن يجب الحذر هنا من التعميم أو أن تقنع المؤسسات نفسها بأنّ ممارسة واحدة هي الأنسب، وبالتالي يجب تطبيقها على في جميع الأوقات، حيث أنه تختلف حاجة المؤسسات إلى التفكير طويل وقصير الأمد باختلاف طبيعة نشطها، وحجمها، وخصائص السوق الذي تعمل به، وكذلك طبيعة المنافسة، ونوعية المنتجات وغير ذلك من المتغيرات. لذلك فإنّ ما يناسب مؤسسة، ليس بالضرورة أن يكون مناسباً لمؤسسة أُخرى وإن كانتا متشابهتين في عدة خصائص، ففي القطاعات كثيرة التقلب والتي تشهد تغيرات متسارعة وجذرية، يفقد التفكير طويل المدى جزءاً من أهميته، ولا يعتبر حاجة ملحة للمؤسسة كما هو الحال بالنسبة للتفكير على المديين المتوسط والقصير. تحتاج المؤسسة إلى إرادة واعية، وثقة كبيرة بالنفس لاتخاذ القرار بتعديل دورة التخطيط فيها بما يناسب احتياجاتها دون أن تقع تحت تأثير ما تقوم به المؤسسات الأًخرى، أو ما جرت العادة على تسويقه كحلول جاهزة.

أخيراً، يمكننا القول، أنّ بناء المؤسسة المفكرة لا يمكن أن يتأتى بإنشاء نظام لتلقي الأفكار، أو تكريم الموظفين أصحاب الأفكار المتميزة فقط. إنما يجب أن يتم اعتماد التفكير الموجّه كممارسة خصوصاً للمدراء ومتخذي القرار، وأن تجد المؤسسة هويتها عندما يتعلق الأمر بالتخطيط على المستويين الطويل وقصير المدى، كذلك فإنّ المؤسسة المفكرة تجد سبلاً إبداعية لتميكن الموظفين من اختبار أفكارهم دون مرورها على مقصلة التقييم، هذا مع السعي الدائم إلى جذب الأفكار بأعداد كبيرة من خلال إشراك طيف واسع من الجمهور.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz