تتحدى الأبحاث الأخيرة الحكمة السائدة حيال الطرق المثلى لتحديد تعويضات فريق مبيعاتك.
قبل أن أصبح أستاذاً بكلية إدارة الأعمال، عملت مستشاراً إدارياً. وثمة مشروع وحيد تحديداً كان له عظيم الأثر على مشواري المهني. وانطوى المشروع على العمل مع فريق مبيعات لشركة منتجات استهلاكية عالمية مقرها آسيا. مارست هذه الشركة سياسة "المبيعات الجوالة"، مما يعني أن مندوبي مبيعات الشركة أمضوا أيامهم في زيارة محلات البقالة الصغيرة وتقديم خدماتهم لعملاء الشركة. ثمة أمر واحد يتعلق بالشركة فاجأني؛ ألا وهو أن مديري مبيعاتها أنفقوا وقتاً مبالغاً فيه في الإنصات إلى شكاوى مندوبيهم بشأن تعويضهم المالي. واستندت الشكاوى إلى ما اعتبره مندوبو المبيعات عدداً لا حصر له من المشكلات. فإما أن حصصهم من أهداف المبيعات أكبر من أن يحققوها، أو أن المنطقة التي يغطونها دون المستوى مما يحد من قدراتهم على إبرام صفقات جديدة مع عملاء جدد. وأحياناً تنصبّ الشكاوى على مبدأ العدالة. فكان مندوب المبيعات الذي يفي بحصته ويحقق أرباحاً لا بأس بها يُطالب مديره بأن يفعل شيئاً حيال زميله "الكسول" الذي يجني أرباحاً أكثر؛ لأنه ببساطة يعمل في منطقة جيدة. تخيّل أية شكوى محتملة لمندوب مبيعات حيال تعويضه المادي يمكن أن تخطر ببالك، وسأضمن لك أن مديري المبيعات في شركة عميلي قد سمعوا بها. لم يكن مندوبي المبيعات وحدهم المهووسين بنظام التعويضات المادية. فقد طاب للشركة تعديل مكونات النظام في محاولة لإيجاد طرق أفضل لتحفيز مندوبي المبيعات والارتقاء بالإيرادات أو زيادة العائد على الأموال التي تنفقها الشركة لسداد رواتبهم والتي تمثل جزءاً كبيراً من ميزانية تسويقها. كان نظام تعويض فريق المبيعات لهذه الشركة بدائياً جداً؛ فقد كان مندوبو المبيعات يحصلون على راتب ثابت إضافةً إلى عمولة قدرها 1% على مبيعاتهم. وانتاب القلق الشركة من أن نظام تعويضها ينصب على نحو مبالغ فيه على النتائج وربما أنها تُجازي مندوبيها بأقل أو بأكثر مما يستحقون لعوامل خارجة عن سيطرتها. وعليه بدأت الشركة تبني منظومة تعويضها على مجهود مندوبي المبيعات وسلوكهم لا على مبيعاتهم الإجمالية. على سبيل المثال، وفقاً للنظام الجديد، يعتمد جزء من التعويض المالي على دراسات رضا العميل، وعدد العملاء المرتقبين الجدد الذين قام مندوب المبيعات بزيارتهم (حتى ولو لم يشتروا منه) ونسبة الحفاظ على العملاء الحاليين. لقد أصبحت مهتماً جداً، إلى حد كبير بسبب هذه المهمة الاستشارية، بالطرق المثلى لتعويض مندوبي المبيعات حتى أنني شرعت في مطالعة مقالات أكاديمية حول هذا الموضوع. وفي نهاية المطاف، سعيت للحصول على درجة الدكتوراه في التسويق من جامعة ييل حيث درست كيف يمكن للشركات، بل وكيف ينبغي عليها، إدارة مندوبي المبيعات وتعويضهم مادياً — نظرياً وعملياً — وهو البحث الذي أتابعه الآن في كلية هارفارد لإدارة الأعمال. ورغم أن هناك عدد أقل من الأكاديميين يدرسون تعويض فرق المبيعات وإدارتهم مقارنة بالأكاديميين الذين يعكفون على دراسة موضوعات التسويق الرائجة كاستخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ أو التسويق الرقمي، أمسى هذا الموضوع خلال العقد الماضي سريع التطور. وبرغم أن بعض النظريات الأساسية التي وُضِعَت في السبعينيات والثمانينيات ما زالت سارية، غير أن الأكاديميين شرعوا في اختبار تلك النظريات بالاستعانة بطريقتيْن جديدتيْن على هذا المجال البحثي: التحليل التجريبي لمبيعات الشركات وبيانات الأجور، والتجارب الميدانية التي يُطبق فيها الباحثون العديد من هياكل الأجور على مجموعات مختلفة من مندوبي المبيعات ثم يقارنونها بجهود تلك المجموعات وإنتاجيتها. تقدم هذه الموجة الجديدة من الأبحاث بالفعل أدلة على أن بعض ممارسات التعويض القياسية ربما تُضر بالمبيعات. على سبيل المثال، يوحي البحث بأن الحدود القصوى المفروضة على العمولات والتي تعتمدها أغلب الشركات الكبرى تُقوض من حافز مندوبي المبيعات الأعلى أداءً ومن جهودهم. وبالمثل نجد أن "رفع" أهداف مندوبي المبيعات (رفع حصة مندوب المبيعات إذا ما تجاوز حصته العام المنصرم) قد يُضر بالنتائج على المدى البعيد. تتمخض الأبحاث المستندة إلى التجارب الميدانية (مُقارنة بالتجارب المخبرية التي عكف الأكاديميون على إجرائها) عن أفكار متعمّقة جديدة فيما يتعلق بكيفية تأثير توقيت العلاوات وتسميتها على حافز مندوبي المبيعات. في هذه المقالة، سأصحب القراء في جولة لمتابعة تطور هذا البحث وسأقترح الطرق المُثلى لتطبيقه. وبشيء من التوفيق، لن تساعد هذه المعرفة وحسب الشركات على بحث سبل أفضل لتعويض فريق المبيعات مالياً، بل وربما أيضاً تفضي إلى أن يمضي مديروهم ساعات أقل في الإنصات إلي شكاواهم بشأن الأجور المجحفة. أخطار أنظمة التعويضات المالية المُعَقَّدَة لطالما التمس الباحثون العاكفون على دراسة تعويض فرق المبيعات مالياً التوجيه والإرشاد في نظرية الوكيل-المُوَكِّل. وتصف هذه النظرية المُستخلصة من علم الاقتصاد المشكلة التي تنجم عن المصالح المتضاربة بين المُوَكِّل (الشركة مثلاً) والوكيل الذي يستعين به المُوَكِّل (الموظف). على سبيل المثال، تسعى أية شركة إلى أقصى إنتاجية ممكنة للموظف لديها، غير أن الموظف الذي يعمل لقاء أجر ثابت قد ينجو بفعلته إذا أخفقت الشركة في معرفة مدى كَدَّه في العمل فعلاً. إن أغلب نظم الأجور المُحفزة أو المتغيرة — بما في ذلك حقوق الاكتتاب في الأسهم لكبار التنفيذيين — إنما هي محاولات للتوفيق بين مصالح الموكلين والوكلاء. والأنظمة القائمة على العمولة لفريق المبيعات هي أحد الأمثلة. تلقى مندوبو المبيعات تعويضاتهم المالية لقرون عديدة على هيئة عمولة قبل أن يشرع علماء الاقتصاد في تناول مشكلة الموكل-الوكيل. ووقع اختيار الشركات على هذا النظام لثلاثة أسباب على الأقل. أولها أنه من السهل قياس النتائج على المدى القصير لمندوب المبيعات. وثانيها أن مندوبي المبيعات الميدانيين عملوا تاريخياً في ظل إشراف محدود (هذا إن كان هناك أي إشراف أصلاً)؛ ويتيح الأجر المستند إلى العمولة للمديرين شيئاً من السيطرة على مقاليد الأمور حيث يعوض عن عدم قدرتهم على معرفة ما إذا كان مندوب المبيعات يقوم فعلاً بزيارة العملاء أم يلعب الجولف. وثالثها أن دراسات نوعيات الشخصيات أثبتت أن العاملين في المبيعات عادةً يشتهون المخاطرة بقدر أكبر من غيرهم من العاملين، وبالتالي فإن الأجر القابل للتصاعد يروق لهم. خلال الثمانينيات، أثَّرَت أجزاء مهمة جداً من العديد من الأبحاث في تطبيق الشركات لأنظمة التعويضات المالية القائمة على العمولة. واستكشف واحد من تلك الأبحاث أجراه زميلي في كلية هارفارد راجيف لال، وشاركه عدد كبير من الزملاء، كيف أن مستوى الريبة في دورة المبيعات في قطاعٍ ما يمكن أن يؤثر على أنظمة الأجور. فقد اكتشفوا أنه كلما كانت المبيعات غير مضمونة، كان من الأجدر أن تعوّل الأجور على العمولة. لننظر إلى شركة بوينغ التي يمكن أن يخاطب مندوبو مبيعاتها شركة طيران لسنوات قبل أن تُبادر تلك الشركة بحجز طلبية طائرات 787 جديدة. من المنطقي أن تعاني شركة كهذه من الاحتفاظ بمندوبي مبيعاتها إذا اعتمد الجزء الأكبر من أجورهم على العمولات. وفي المقابل نجد أن الصناعات التي تُنجز فيها المبيعات بسرعة وبتواتر كبير (تتاح الفرصة لمندوب المبيعات المتجوّل لتحصيل إيرادات جديدة كل ساعة) وترتبط فيها المبيعات بشكل مباشر أكثر بالمجهود وأقل اتصافاً بالريبة والشك بكثير، تعوّل الأجور فيها أغلب الظن (إن لم يكن بالكامل) على العمولة. وما زال هذا البحث يسيطر على تفكير الشركات في المزج ما بين الأجور والعمولات. ثمة دراسة أخرى مهمة ترجع إلى أواخر الثمانينيات أجراها عالما الاقتصاد بينجت هولمستروم وبول ميلجروم. وفي بحثهما النظري جداً الذي يعوّل على الكثير من الفرضيات، اكتشف الاثنان أن صيغة العمولات الثابتة (التي يحصل مندوبو المبيعات بموجبها على المعدل ذاته بغض النظر عن كمية مبيعاتهم) هي الوسيلة المثالية لتعويض مندوبي المبيعات مالياً. والسبب وفقا للعالمَين أنك إن وضعت صيغة للمبيعات مُعقدة أكثر من اللازم — تشتمل على الكثير من مستويات العلاوات أو التغييرات في هيكل العمولات الناشئة عن تحقيق الأهداف في فترة زمنية محددة — فسيجد مندوبو المبيعات وسائل عدة للتحايل عليها. وأكثر السبل شيوعاً للتلاعب هو العبث بتوقيت المبيعات. فإذا كان مندوب المبيعات بحاجة إلى إنجاز حصته السنوية مثلاً، فربما يطلب إلى عميل ودود بالسماح له بحجز موعد لإبرام صفقة معه من المفترض أن تتم في يناير في الأيام الأخيرة من ديسمبر (وتُعرف هذه الظاهرة باسم "السحب")؛ وفي المقابل نجد أن مندوب المبيعات الذي أنجز حصته من المبيعات بالفعل قد تسوُّل له نفسه أن "يُرجئ" مبيعات ديسمبر إلى يناير لكي يضمن انطلاقة قوية في العام الجديد. ورغم أن خطة التعويضات المالية البسيطة جداً كتلك التي يقترحها هولمستروم وميلجروم يمكن أن تكون جذابة (فهي أسهل وأقل تكلفة في تطبيقها)، غير أن كثير من الشركات يقع اختيارها على خطط أكثر تعقيداً. وتلجأ تلك الشركات إلى هذه السياسة إقراراً بأن كل مندوب مبيعات فريد من نوعه ومتميز عن أنداده وله محفزات واحتياجات فردية، وعليه فإن النظام ذي المكونات المتعددة ربما يكون أكثر جاذبية لمجموعة كبيرة من مندوبي المبيعات. وحقيقة الأمر أنه لاستنفار مندوب مبيعات بعينه لبذل قصارى جهده في العمل، ينبغي عليك نظرياً أن تصمم نظاماً للتعويضات المالية موافقاً له. على سبيل المثال، البعض يجدون في المال حافزاً والبعض الآخر يجدون حافزهم في التقدير، وهناك فئة ثالثة تميل إلى الحوافز غير النقدية كرحلات التزلج أو بطاقات الهدايا. ويستجيب البعض بشكل أفضل إلى العلاوات ربع السنوية، بينما يحقق آخرون إنتاجية أعلى إذا ركزوا على حصتهم السنوية من المبيعات. ومع ذلك، قد تكون الخطة المخصصة هذه غاية في الصعوبة ومكلفة جداً من حيث التنفيذ، وتخشى الشركات من أثر "حديث المطبخ": قد يتبادل مندوبو المبيعات المعلومات المتعلقة بتعويضهم المالي الأمر الذي يمكن أن يثير مخاوف تتعلق بالإنصاف وتفضي إلى الاستياء. وعليه ما زالت خطط التعويضات المُخصصة غير شائعة إلى الآن. إن المخاوف المتعلقة بالإنصاف والعدالة تخلق ضغوطاً أخرى عند تصميم خطط تعويضات لمندوبي المبيعات. على سبيل المثال، تدرك الشركات أن النجاح في أي مجال أياً كان، بما في ذلك المبيعات، ينطوي على قدر معين من الحظ والتوفيق. فإذا كان النطاق الجغرافي لمندوب مبيعات شركة مشروبات غازية سيشهد افتتاح فرع لمحلات وول مارت الشهيرة، فمن المتوقع أن تزداد مبيعاته (وبالتالي عمولته) غير أنه ليس مسؤولاً عن القفزة التي شهدها في الإيرادات — وعليه فإن الشركة أساساً تدفع له لقاء ضربة الحظ التي صادفها. ولكن عندما يتدنى التعويض المالي لمندوب المبيعات بسبب حظه العاثر، فقد يشعر بالاستياء وربما يرحل عن الشركة. وهذا الاستنزاف يمكن أن يمثل مشكلة كبيرة. وعليه، رغم أن هناك مساوئ لجعل نظام التعويضات المالية أكثر تعقيداً، فقد لجأ عدد كبير من الشركات إلى التعقيد على أمل استمالة مختلف أنواع مندوبي المبيعات والحد من أثر الحظ باستغلال الحدود القصوى للتعويضات أو تعويض مندوبي المبيعات استناداً لإنتاجيتهم أو مجهودهم (مقدراً مثلاً بعدد الزيارات التي يقومون بها) بدلاً من التعويل فقط على إبرام الصفقات. استخدام بيانات حقيقية للشركة لبناء جسور التفاهم إن الفارق الكبير بين الأبحاث السابقة التي تناولت تعويض مندوبي المبيعات والأبحاث التي خرجت إلى النور في العقد الماضي هو أن الأخيرة لم تكتفي بالاستناد إلى النظريات. رغم أن الشركات تميل إلى تحرّي السريّة الشديدة حيال أنظمة أجورها، بدأ الباحثون في إقناع أصحاب الشركات بمشاركتهم تلك البيانات. وشرعت الشركات في الانفتاح على الأكاديميين بسبب الاهتمام الذي يوليه العالم للبيانات الضخمة نوعاً ما؛ ويعقد المديرون الآمال على أن يساعدهم السماح للباحثين بتطبيق عمليات حسابية عالية القدرة وتقنيات تقييم على أرقامهم على تطوير أدوات أفضل لتحفيز العاملين لديهم. وحقيقة الأمر أن هذه الدراسات التجريبية الجديدة كشفت عن بعض المفاجآت، غير أنها أكدت أيضاً بعض الأفكار التي اعتنقناها بالفعل بخصوص الطرق المثلى لتعويض الموظفين. نشر طوم ستينبرغ، الأستاذ في كلية داردين لإدارة الأعمال في جامعة فرجينيا، أول هذه الأبحاث عام 2008. وأقنع إحدى الشركات التي تقدم خدماتها لنظيراتها من الشركات وتتخصص في بيع المعدات المكتبية بإعطائه معلومات مبيعاتها وتعويضاتها للعاملين لديها لسنوات طويلة. وسمحت مجموعة البيانات الفريدة هذه لستينبرغ بفحص بيانات المبيعات والتعويضات المالية لمندوبي المبيعات واستغلالها في استخلاص فرضيات حول كيفية تأثير الأجور على السلوك. كان لدى الشركة نظامٌ معقدٌ للأجور؛ يجني مندوبو المبيعات راتباً ثابتاً وعمولات وعلاوات ربع سنوية بناءً على تحقيقهم لأهداف المبيعات، إضافة إلى علاوة سنوية وعلاوة "إنجاز متميز" تُعطى لهم فور أن يتجاوزوا أهداف مبيعات بعينها. وانصبّ تركيز ستينبرغ على مشكلة التلاعب في التوقيت: أكان هناك دليل على أن مندوبي المبيعات يرجؤون مبيعاتهم أو يسحبونها من ربع عام إلى الربع التالي له لمساعدتهم على إنجاز أهداف المبيعات الخاصة بهم والحصول على مقابل تحفيزي؟ هذا سؤال مهم حقاً لأن إرجاء المبيعات أو سحبها لا يزيد من إيرادات الشركة، ومن ثم فإن دفع المزيد لمندوبي المبيعات لقاء ذلك إهدار للمال. رغم أن مندوبي المبيعات الواردين في الدراسة يمكن أن يتلقوا (أو يُحرموا من) علاوات كبيرة لإنجاز أهدافهم من المبيعات (أو الإخفاق في إنجازها)، لم يجد ستينبرغ دليلاً على التلاعب في التوقيتات. وانتهى إلى أن عملاء الشركة يشترطون إبرام صفقات المبيعات بحسب احتياجاتهم الخاصة (في نهاية ربع عام أو عام بعينه مثلاً) وأن مديري الشركة استطاعوا مراقبة مندوبي المبيعات عن كثب بالقدر الكافي الذي يحول دون تأثيرهم في توقيت المبيعات على نحو يرقى بالدفعات المالية التحفيزية التي يتلقونها. وكان هذا الكشف مهماً؛ لأن أهداف المبيعات والعلاوات جزء كبير من أغلب أنظمة تعويض مندوبي المبيعات. في عام 2011، نشر سانجوج ميزرا من جامعة كاليفورنيا وهاريكيش ناير من جامعة ستانفورد دراسة حلّلا فيها نظام تعويضات مندوبي المبيعات لشركة متخصصة في صناعة المنتجات البصرية وضمن الشركات الأبرز في "قائمة فورتشن 500". وعلى النقيض من الشركة التي درسها ستينبرغ، كانت هذه الشركة تمتلك نظاماً بسيطاً نسبياً؛ فقد كانت تدفع رواتب ثابتة إضافةً إلى علاوة قياسية على المبيعات بعد إنجاز مندوب المبيعات لحصته، ووضعت قيوداً على الإيرادات التي يمكن أن يحققها مندوبي المبيعات للحيلولة دون الدفعات المفاجئة من مبيعات ضخمة حقاً. وهذه القيود شائعة نوعاً ما في الشركات الكبرى. وبينما حللا البيانات، خلص ميزرا وناير إلى أن القيود تضر بالمبيعات الإجمالية وأن الأفضل للشركة أن تزيل تلك القيود. واستقر رأيهما أيضاً على أن حافز مندوبي المبيعات تأثر سلباً بسبب رفع الشركة لأهداف المبيعات. إن تعيين أهداف للمبيعات وتعديلها نقطة حساسة جداً من نقاط صيغة تعويض مندوبي المبيعات، وثمة خلاف حول رفعها؛ فالبعض يشعرون بأنه إن لم تضبط أهداف المبيعات، فإنك بذلك تسهّل على مندوبي المبيعات جداً الحصول على عمولات وعلاوات ضخمة، بينما يحتج البعض الآخر بأنك إذا قمت برفع حصة مندوب المبيعات بعد إنجازه القوي في عام من الأعوام، فهذا يعني أنك تُعاقب أعلى مندوبي المبيعات أداءً لديك. وقدّر ميزرا وناير أنه لو أزالت تلك الشركة القيد على إيرادات مندوبي المبيعات وحَدَّت من الأهداف لكلٍ منهم، فمن المتوقع أن تزداد المبيعات بنسبة 8%. عملت الشركة بتلك التوصيات، وفي العام التالي ارتفعت الإيرادات في الشركة بأسرها بنسبة 9%. نُشِرَت دراسة تجريبية ثالثة حول أجور مندوبي المبيعات، وكنت أنا أبرز مؤلفيها، في مجلة "علم التسويق" عام 2014. وشأننا شأن ستينبرغ، استغلينا بيانات شركة توريد تجهيزات مكتبية للشركات تتمتع بنظام تعويض مالي مُعقد. وفحصنا كيف أثرت مكونات نظام التعويضات في مندوبي المبيعات على اختلاف أنواعهم؛ الأعلى أداءً والأدنى أداءً والأوسط أداءً. واكتشفنا أنه رغم أن الراتب والعمولة أثّرا في المجموعات الثلاثة من مندوبي المبيعات بطرق متشابهة، فقد خلقت المكونات الأخرى لنظام التعويضات محفزات متباينة راقت لمجموعات فرعية من فريق المبيعات. على سبيل المثال، كانت عمولات الإنجاز المتميز مهمة للحفاظ على حافز مندوبي المبيعات الأعلى أداءً وضمان التزامهم بعد أن وصلوا إلى أهداف مبيعاتهم. وكانت العلاوات الربع سنوية أهم لمندوبي المبيعات الأدنى أداءً. وفي الوقت الذي وُجِدَ فيه أن مندوبي المبيعات الأعلى أداء يمكن أن يفقدوا حافزهم إذا ما أُعطوا حصة وعلاوة سنوية، تبيّن أن الأهداف الأكثر تواتراً ساعدت مندوبي المبيعات الأدنى أداء على الحفاظ على مسارهم. ويُشَبِّه البعض الطريقة التي تعوّض بها الشركات فريق المبيعات مادياً بالطريقة التي يُحفّز بها المعلمون الطلاب؛ سيُبلي الطلاب الأعلى أداءً بلاءً حسناً في مقرر دراسي تتحدد درجته النهائية بالكامل بامتحان نهائي، غير أن الطلاب الأدنى أداءً سيحتاجون اختبارات وامتحانات كثيرة خلال الفصل الدراسي لتحفيزهم على اللحاق بالركب التعليمي. أثبتت دراستنا أن القاعدة العامة عينها تنطبق على تعويض مندوبي المبيعات. وتقترح دراستنا أيضاً أن الشركة ستفيد كثيراً إذا ما انتقلت من العلاوات الربع سنوية التقليدية إلى العلاوات الربع سنوية التراكمية. على سبيل المثال، لنفترض أن ثمة مندوب مبيعات من المفترض أن يبيع 300 وحدة في الربع الأول من العام و300 أخرى في الربع الثاني. بموجب النظام الربع سنوي التقليدي، نجد أن مندوب المبيعات الذي يخفق في تحقيق هذا الرقم في الربع الأول وينجح في تحقيقه في الربع الثاني سيحصل على علاوة الربع الثاني. وبموجب النظام التراكمي، يحتاج مندوب المبيعات إلى بيع 600 وحدة تراكمياً (حتى تاريخه) كي يحصل على علاوة الربع سنة الثانية بغض النظر عن أدائه في الربع الأول. إن أهداف المبيعات التراكمية تُجدي على نحو أفضل من حيث الحفاظ على حافز مندوبي المبيعات خلال الفترات التي يتدنى فيها أداؤهم لأنهم يعلمون أنه رغم أنهم لن يحققوا الأرقام المطلوبة منهم، فإن أية صفقات يمكن أن يبرموها ستساعدهم على تحقيق رقمهم التراكمي في الفترة التالية. وحقيقة الأمر أن مديري الشركة، حتى قبل أن نتقدم بتوصياتنا للشركة محل الدراسة، قرروا الانتقال إلى نظام الأهداف التراكمية. خارج المختبر وإلى الميدان علاوة على مشاركة بيانات المبيعات والتعويضات المالية مع الأكاديميين، سمحت الشركات خلال السنوات العديدة السابقة بإجراء تجارب ميدانية مُقارنة وقصيرة الأجل عَدَّلَ فيها الباحثون أجور مندوبي المبيعات وقاسوا آثار ذلك التعديل. وسلفاً لاستخدام التجارب الميدانية، أُجريت أغلب التجارب الأكاديمية المتعلقة بتعويضات فريق المبيعات في المختبر واشتملت على متطوعين (عادةً طلبة جامعيين) بدلاً من مندوبي المبيعات الحقيقيين. ويساعد الانتقال من هذه البيئة الاصطناعية إلى شركات حقيقية على أرض الواقع على جعل نتائج هذه الدراسات أكثر عملية وإقناعاً. وكمثال على تجربة مثيلة، لننظر إلى الأبحاث الأخيرة لزميلي داس نارايانداس وأبحاثي الأخيرة مع شركة في جنوب آسيا تمتلك فريق مبيعات تجزئة لمنتجاتها الاستهلاكية المُعمرة. تعتمد الشركة على نظام بسيط للعمولات الخطية حيث يجني مندوبو المبيعات نسبة ثابتة من المبيعات دون تحديد أهداف للمبيعات أو علاوات تقليدية أو علاوات للإنجاز الفائق. واهتم المديرون بمراقبة كيف من الممكن أن يؤثر العمل بنظام العلاوات على أداء مندوبي المبيعات، وعليه على مدار ستة أشهر اختبرنا عدة طرق لوضع إطار للعلاوات وتعيين مواقيتها — مع مقارنة النتائج بمجموعة مرجعية دائماً. ابتكرنا علاوة مُستحقة في نهاية الأسبوع لواحدة من مجموعاتنا التجريبية، وذلك في حال باع مندوب المبيعات 6 وحدات. ولمجموعة أخرى وضعنا إطاراً للعلاوة على نحو مختلف حيث استغلينا مفهوم تفادي الخسارة المشهور والذي يفترض أن الألم الذي يشعر به الناس إثر خسارة ما يتجاوز السعادة التي تغمرهم من المكسب. وبدلاً من إطلاع مندوبي المبيعات على أنهم سيحصلون على علاوة في حال باعوا 6 وحدات، قلنا لهم إنهم سيحصلون على علاوة إلا إذا فشلوا في بيع 6 وحدات بحد أقصى. ولاختبار هذا المفهوم بتوسع أكبر، اقترح مديرو الشركة إجراء تجربة أخرى دفعنا فيها العلاوات في بداية الأسبوع ثم طلبنا إلى مندوبي المبيعات إعادتها إذا أخفقوا في تحقيق غاياتهم. وأثبتت النتائج أن الأنواع الثلاثة للعلاوات جاءت بنتائج مثيلة وأنه في كل حالة تفوقت مجموعة مندوبي المبيعات التي تلقت العلاوة عموماً في مبيعاتها المجموعة المرجعية. ولم يكن لتفادي الخسارة أثر يُذكر. وإننا نعتقد أن هذا يرجع نوعاً ما إلى استعانتنا بالمال الملموس والقابل للتبادل. في المستقبل، ربما أجرينا تجربة مستعينين بمكافآت غير نقدية. ولقد حاولنا أيضاً قياس أثر الدفعات المالية النقدية على جهود مندوبي المبيعات؛ تلك الدفعات التي وُضعت في إطار هدايا (بالمقارنة بالعلاوات). وبينما يُنظر إلى العلاوات على أنها مُعاملاتية، أثبتت الأبحاث أن إلباس أي شيء هيئة الهدية يخلق شكلاً معيناً من حسن النية بين المُعطي والمتلقي. وفي دراستنا، استخدمنا النقود، لكننا أخبرنا الموظفين أنها هدية لأنه ما من قيود ولا شروط — أي أنه لا يتعين عليهم الوفاء بحصة معينة من المبيعات لتلقي تلك الهدية. واكتشفنا أن توقيت الهدية يؤثر مباشرة على ردة فعل مندوبي المبيعات؛ فإذا أعطيت مندوب المبيعات الهدية في بداية الفترة، فإنه يعتبرها مكافأة على أدائه السابق ويميل إلى التراخي والتكاسل. وإذا أخبرته أنه سيحصل على مكافأة في نهاية الفترة، فإنه سيكدّ في عمله بقدر أكبر. وانتهينا إلى أنه إن أرادت الشركات التشجيع على بث هذا النوع من المعاملة بالمثل، فسيتحتم عليهم أن يعتنوا عناية شديدة بالتوقيت. يستخدم باحثون آخرون تجارب ميدانية لفهم كيفية استجابة مندوبي المبيعات للتغيرات في أنظمة التعويض فهماً أفضل، غير أن أغلب هذه الأبحاث حديثة جداً حتى أنها لم تُنشر بعد. أثبت أحد الأبحاث التي عُرضت في مؤتمر عام 2014 أنه إذا تلقى مندوبو المبيعات حوافز نقدية لقاء اجتياز اختبارات بشأن المنتج الذي يبيعونه، فستزداد مبيعاتهم (وهذا مثال على مُجازاة مندوبي المبيعات بناءً على الجهد مقارنة بالنتائج). وثمة تجربة ميدانية حديثة أخرى انتهت إلى أن مندوبي المبيعات يقيمون وزناً للحوافز غير النقدية (كالنقاط التي يمكن استخدامها لقاء الحصول على إجازات أو أغراض مثل التلفزيونات) أكثر من التكلفة النقدية الفعلية للسلعة التي يمكن أن تشتريها النقاط. وبينما يتبنى عدد أكثر وأكثر من الباحثين والشركات توظيف التجارب الميدانية، سيتعرّف مديرو المبيعات على المزيد بشأن الطرق المثلى لتحفيز فرق عملهم. التجربة مثمرة بعد أن عكفت لعقد كامل في بيئة أكاديمية على دراسة تعويض فرق المبيعات، أتساءل أحياناً عما يمكن أن يحدث إذا ما عدت أدراجي إلى وظيفتي السابقة مستشاراً إدارياً. بماذا كنت لأنصح مديري فرق المبيعات بخلاف ما يتبنوه من أساليب؟ بعض نصائحي ستكون مباشرة: سأشجع المديرين على التخلص من سقف العمولات، أو إذا تحتم عليهم الاحتفاظ بسقف ما لأسباب سياسية، سأنصحهم بتعليته قدر الإمكان. والأبحاث جلية بشأن هذه المسألة؛ تزداد مبيعات الشركات عندما تزيل الحدود التي تتقلص عندها الحوافز الهامشية لمندوبي المبيعات. ربما وقعت مشكلات ما إذا تجاوزت إيرادات بعض مندوبي المبيعات على نحو مهول تعويضات مديريهم أو حتى نافست تعويضات مديريهم التنفيذيين، لكن الدليل القائم يثبت أن الشركات تستفيد عند رفع هذه القيود الاعتباطية. كذلك كنت لأنصح مديري المبيعات بتحري الحرص الشديد عند تعيين أهداف المبيعات وتعديلها. على سبيل المثال، أثبتت الأبحاث بوضوح أن رفع أهداف المبيعات له عواقب وخيمة. من المُغري النظر إلى مندوب مبيعات تجاوز حصته السنوية بمراحل واستنباط أن الهدف المخصص له أقل من اللازم كما يبدو وأن الحاجة تتعين تعديل الأهداف من آن لآخر. ولكن عموماً من المهم الحيلولة دون تسرُّب الشعور لدى مندوبي المبيعات بأن الإجحاف أو الحظ له دور في التعويض المادي، وإعادة تعيين أهداف المبيعات يمكن أن يساهم في ترسيخ هذا التصور. وإذا تدخل شيء خارج عن سيطرة مندوب المبيعات وشق عليه بقدر أكبر إنجاز هدفه — كأن يشهد كساداً اقتصادياً — فسأبحث فكرة خفض هدف المبيعات الخاص به في منتصف العام. ومن المهم الحفاظ على أهداف المبيعات في مستواها السليم لضمان تحفيز مندوبي المبيعات على النحو السليم. واستناداً إلى أبحاثي الخاصة، سأوصي بنظام للأجور يحوي مكونات عديدة — نظام ليس معقداً جداً غير أنه يحوي ما يكفي من العناصر (كعلاوات الأداء الربع سنوية وعلاوات الإنجاز الفائق) للحفاظ على تحفيز أعلى مندوبي المبيعات أداءً وأقلهم وأوسطهم أداءً على حد سواء طوال العام. وأخيراً، فسأحث الشركات العميلة لدي على بحث فكرة تجربة المزيد من أنظمة الدفع لمندوبي مبيعاتهم. على مدار العقد المنصرم، أمسى المديرون مدركين لأهمية التجريب (وخاصة الاختبار المتعدد المتغيرات)؛ واليوم هناك عددٌ كبير من شركات السلع الاستهلاكية لا تكف عن التجريب في محاولة لتعظيم تسعيرها. هناك دروس مهمة مُستفادة من إجراء التجارب المُقارنة على أجور مندوبي المبيعات؛ لأن السلوكيات التي تشجعها التغيرات الطارئة على الحوافز يمكن أن يكون لها عظيم الأثر على إيرادات الشركة، ولأن تعويضات فريق المبيعات المادية تكلفة كبيرة ينبغي إدارتها بأكبر قدر من الكفاءة. ويمكن أن يكون إشراك الباحثين الأكاديميين في تلك التجارب مثمراً جداً؛ فالاستعانة بباحث مُدَرَّب لتولي القيادة عادةً ما يتمخض عن بيئة أكثر انضباطاً وعملية علمية بقدر أكبر ونتائج أقوى بكثير. وتساعد هذه الدراسات أيضاً العالم بوجه عام لأن الأبحاث التي ترتقي بكيفية تحفيز الشركات لمندوبي المبيعات ستفضي إلى خلق شركات أفضل وأكثر ربحية للموظفين وحاملي الأسهم.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!