تابعنا على لينكد إن

“قد تكون وحيداً في الأعلى، إلّا أنّ المنظر خلّاب جداً” مثل قديم يدل على الثمن البخس الذي تدفعه كونك رئيساً تنفيذياً مقابل الامتيازات والتقدير والقوة التي يمنحك إيّاها هذا المنصب.

لكن انعزالك في القمة يحد من فعالية قراراتك وقيادتك، فأنت في كلا الأمرين تحتاج أن تكون -قدر الإمكان- على تماس مباشر مع أي مسألة. فالمسؤولون التنفيذيّون عادة ما يكونون مُغيّبون عمّا يجري في مؤسساتهم من مشاكل ومعطيات، ولا يتم تزويدهم إلّا بمعلومات محددة ومفلترة عن العمليات والموظفين والعملاء. وعلى الرغم من أنّ ضيق الوقت يجعل هذه الفلترة ضرورية، إلّا أنّ وجود مجموعة أشخاص ممن يقرّرون ما يجب وما لا يجب على المدير الاطلاع عليه يؤدي إلى تفاقم هذه العزلة.

وعلى سبيل المثال، عندما أصبح جيمس وولفنسون (James Wolfensohn) رئيساً للبنك الدولي في عام 1995، ذهب في مهمات تقصّ عن الحقائق في الدول النامية لفهم طبيعة المشاريع التي كان البنك يقوم بها. وبعد عدّة زيارات، أدرك جيمس أنّه لا يتم اطلاعه إلّا على المشاريع الناجحة والقرى السعيدة ومسؤولي الحكومات الممتنين. وأخبرني أنّه تعلّم في النهاية الابتعاد عن مرافقة مرشدي جولاته حتى يستطيع مقابلة الأشخاص الذين غير المستعدين لقدومه ويرى ما يحدث فعلاً.  وبالتالي، تغيّر تقديره لكمية الدعم الذي يتلقاه البنك الدولي عن طريق الحكومات المحلية من أجل الأشخاص الذين هم بحاجته فعلاً.

وكما كتبتُ سابقاً، فإنّ التحفظ ضد السلطة أمر متجذر في أغلب المجتمعات، لذلك من الطبيعي أن يتحفظ الموظفون على آرائهم ومشاعرهم لكي، لا تُناقض مدراءهم أو تزعجهم. فمثلاً، أخبرتني مديرة تنفيذية في مؤسسة غير ربحية أنّه عندما تم تعيينها في هذا المنصب، بعد عدة سنوات من العمل، توقف زملاؤها في العمل عن دعوتها إلى حفلات أعياد الميلاد والمناسبات الاجتماعية الأخرى، لأنهم لا يشعرون بالراحة في مصادقتها خارج إطار العمل، ما أدى إلى عزلها عن الأحداث اليومية التي تجري في المؤسسة. وانتهى بها المطاف مع علاقات أقل، وغموض حيال ما يجري من حولها.

كما تجعل السلطة القادة أقل تقبلاً لنصائح الآخرين ما يُشعر المرؤوسون بالقلق والتملق أحياناً، وذلك إذا كان المدير متقلب المزاج وغير مستقر. حيث أصبح المدراء التنفيذيّون محاطون بفريق من “التابعين”، الذين لا يعارضون قراراتهم السيئة ولا يطرحون أي آراء مختلفة. وبالتالي سيخلق هؤلاء المدراء بيئة مشابهة لهم، تكرر فيها أفكارهم بدلاً من إثرائها.

وعلى سبيل المثال، منذ عدة سنوات عملت مع مسؤول تنفيذي كان يتنافس على المنصب الأعلى في شركته. ولتحقيق غايته، قام بتشكيل هيئة خبراء من موظفي الشركة، أصحاب الآراء المختلفة، لمساعدته على تحديد مواقف واضحة نحو التحديات التي تواجهها الشركة. ونال هذا الأمر إعجاب مجلس الإدارة، ما دفعهم إلى تعيينه بمنصب الرئيس التنفيذي القادم على الرغم من أنّه في الحقيقة أقل خبرة من منافسيه الآخرين.

وبصفته الرئيس التنفيذي، قرر التوقف عن الاجتماع مع هيئة الخبراء التي قام بتشكيلها، وتنحية المسؤولين التنفيذيين الذين نافسوه على هذا المنصب. فقد شعر بعدم الحاجة بعد الآن للاستماع إلى الآراء المعاكسة. ثم عين فريقه التنفيذي من الأشخاص المؤيدين لوجهات نظره، بينما عزل أولئك الذين لم يوافقوا على أفكاره أو أصحاب الآراء السلبية تجاه ما كان يحدث في الشركة. وبعد سنتين، قام مجلس الإدارة بتنحية هذا الرئيس التنفيذي بسبب فشل خطته.

إذن، ما الذي يجب فعله للتخفيف من عزلة المسؤولين التنفيذيين؟

أولاً: كُن مدركاً جيداً لاحتمالية أنك تخوض تجربة العزلة حقاً. لأن غالباً من الصعب كشفها. إذ يتطلب الانتقال إلى منصب أعلى من صاحبه إنفاق الكثير من الوقت والجهد للتكيف معه. في غضون ذلك، يبدأ الآخرون بالاتفاق مع أفكارك بصدر رحب أو توقّع كل ما تحتاجه. ولربما ستلاحظ أن الناس يريدون مساعدتك. وبعد فترة، ستصبح هذه الأمور النمطية هي العادات الجديدة. لذا اسأل نفسك إذا أحسست بالعزلة أو الانقطاع، هل يعارض الموظفون أفكارك ويناقشونك بها أم يخبرونك ما تودّ سماعه؟ هل أنت على تواصل مباشر مع المستجدات وعلى اطلاع دائم على المعطيات الحقيقية؟ أم أن كل المعطيات التي تصلك مفلترة ومحددة بالأولويات حتى تصلك الصورة الشاملة عما يجري بسهولة؟

ثانياً: كُن أكثر انفتاحاً. حيث يُحاط جميع المسؤولين التنفيذيين بالشكليات المادية والافتراضية من حيث تصميم المكتب، وحفلات العشاء التي يقيمها مجلس الإدارة، والتقارير المالية، والمساعدين الذين يديرون مواعيد السفر ويخططون للاجتماعات، وجدول العمل الأسبوعي المكثّف الذي لا يترك لهم وقتاً للتفكير. وحتى تتخلص من العزلة، عليك التخلص من هذا الروتين بشكل دوريّ. ويُعتبر البرنامج التلفزيوني الواقعي المدير المتنكر (Undercover Boss) الذي يقوم فيه المدير بأخذ دور موظف جديد، هو أحد أفضل الأمثلة حول كيفية معرفة ما يحدث حقاً على أرض الواقع. ولكن هنالك طرق أُخرى أقل درامية. فمثلاً، عندما كانت شركة زيروكس (Xerox) تخضع لتحول إيجابي تحت قيادة آن مولكاهي (Anne Mulcahy) في أوائل عام 2000، كان على جميع المدراء التنفيذيين تحمّل مسؤولية مجموعة من العملاء المهمين. الأمر الذي اضطرهم إلى الذهاب لمقابلة عملائهم وسماع آرائهم حول الشركة. كما اعتادت شركة فيدلتي إجبار كل المسؤولين التنفيذيين على تكريس بعض الوقت للإجابة على الاتصالات الخاصة بخط خدمة الزبائن، وبهذا يصبحون على تواصل مباشر مع العملاء.

كما يمكن للمدراء التنفيذيين القيام باجتماعات مع الفرق الأقل منهم في السلم الوظيفي دون تواجد مدرائهم الحاليين حول ظروف العمل ووجهة نظر العملاء وكيفية تنفيذ الاستراتيجيات. إلى جانب قدرتهم على عقد اجتماعات مفتوحة تُعطي الفرصة لجميع الموظفين لطرح الأسئلة، ولأن يكونوا جزءاً من الحوار. فمنح فرص الاستماع تمنح المسؤولين التنفيذيين معطيات غير منتقاة يمكنهم أخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات.

ثالثاً: شجّع أعضاء فريقك التنفيذي على الثبات عندما يخالفونك الرأي، وأن يناقشوا أفكارك دون تردّد. وتأكد من أن يكون في فريقك أعضاءً ممن لديهم الشجاعة الكافية للتعبير عن رأيهم حتى بصيغة النقد. في غضون ذلك، يرى البعض تطبيق هذا الأمر سهلاً وآخرون يرونه صعب التنفيذ، لذا ينبغي عليك دائماً توظيف وترقية شخصين أو ثلاثة على الأقل لتمثيل الرأي الآخر. وعليك امتلاك قوة غرور كافية لكي يتحدوك بشكل شخصي أو في اجتماعات الفريق. كما يتوجب عليك الاستماع لأفكارهم حقّاً.

تُعتبر عزلة الإدارة التنفيذية جزء لا مفرّ منه في عمل المناصب القيادية العليا، فإما أن تحد من قدرتك على اتّخاذ القرارات وتطوير الشركة نحو الأفضل، أو تستطيع التخلص منها باتباع النصائح السابقة بما يضمن النهوض بالشركة نحو الأمام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة-

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz