تابعنا على لينكد إن

منذ مقتل مايكل براون (Michael Brown) في فيرغسون بولاية ميزوري، قام أكثر من 154,000 شخص بالتوقيع على التماس “نحن الشعب” من أجل تقديمه للبيت الأبيض، والذي “يُلزم جميع رجال شرطة الولايات والمقاطعات والشرطة المحلية بحمل كاميرا”، وذلك للحد من السلوكيات السيئة. حيث زُودت شرطة فيرغسون مؤخراً بقرابة 50 كاميرا، تماشياً مع التوجه على المستوى الوطني نحو الشفافية التي تدعمها التقنية.

ربما يتوقع الجمهور أن تقضي الكاميرات على التحيز في تفسير سلوك الشرطة، ذلك لاعتقادهم أننا لو تمكنا فقط من رؤية ما حدث، فسنعلم المخطئ من المصيب.

لكن الأبحاث تُظهر غير ذلك. فكما أوضح مراراً هاورد واسرمان (Howard Wasserman)، أستاذ القانون في جامعة فلوريدا الدولية، إنّ لقطات الفيديو (وخاصة اللقطات التي يتم تصويرها من زاوية واحدة) لا تُظهر كل شيء، ولا تعدّ مراقباً محايداً. فأهم تأثير للكاميرات التي تُثبَّت على الجسم أو داخل سيارات الأجرة، وما يشبهها، لا يتمثل في استحضار صورة ما حدث في الماضي، بل في تغيير السلوك خلال الوقت الحاضر. فنحن نتصرف بصورة مختلفة عندما نعلم أنّ هناك كاميرا تصورنا.

ويمكن أن يكون ما توصل إليه الباحثون في تجربة ميدانية أجروها مع إدارة شرطة ريالتو في كاليفورنيا أمراً جيداً. إذ أنه في تلك الدراسة، ازداد احتمال استخدام القوة بمقدار الضعف في المواقف التي كانت تحدث خلال نوبات العمل التي لا تُستخدم فيها الكاميرات. وفي الواقع، عندما كان رجال الشرطة يرتدون الكاميرات، كان المواطنون هم البادئين في كل حالة من حالات التلامس الجسدي، في حين أن 24% من حالات التلامس الجسدي، عندما كان رجال الشرطة لا يرتدون الكاميرات، كان البادئ فيها رجال الشرطة أنفسهم.

ونلمس نتائج مشابهة لكن مع وجود تغير مثير للاهتمام، حيث أنه في دراسة قام بها لامار بيرس (Lamar Pierce) وزملاؤه من جامعة واشنطن، قاموا بدراسة سلوك الموظفين في 400 مطعم في الولايات المتحدة الأميركية. فقد قللت المراقبة الإلكترونية من السرقات التي يقوم بها العاملون بالمطاعم بنسبة 22%، أو ما يقدر بـ24 دولاراً أسبوعياً. (وازداد الأثر مع مرور الوقت، مع انخفاض السرقة بمقدار 7 دولارات أسبوعياً في الشهر الأول و48 دولاراً أسبوعياً بحلول الشهر الثالث). لكن المراقبة كان لها تأثير أكبر بكثير على الإنتاجية والمبيعات: فقد زادت إيرادات المأكولات في المتوسط بمقدار 7% (2,975 دولاراً أسبوعياً)، في حين زادت إيرادات المشروبات بنسبة 10,5% (927 دولاراً أسبوعياً). وارتفعت الإكراميات كذلك بنسبة 0,3%.

لاحظ الباحثون أنه عندما تزداد صعوبة السرقة بالنسبة للعاملين، فإنهم يعيدون توجيه جهودهم نحو “زيادة المبيعات وخدمة العملاء كي يعوضوا بعضاً من تلك الخسارة”. وكانت الاستجابات الإيجابية مثل تحسُّن الأداء الذي عاد بالنفع على العاملين وأصحاب العمل في آن واحد أكبر بكثير من السلوكيات السلبية التي منعتها المراقبة.

ومن ثم فإنّ النقطة الإيجابية للمراقبة ربما تمثلت في إمكانية تحديد العمل الجيد ومكافأته، وليس في منع السلوك السيء. إذ تشير أبحاث أُخرى إلى الأمر ذاته. على سبيل المثال، وجدت دراسة أُجريت في مجال الخدمات الغذائية أنه عندما يشاهد الزبائن في صالات الطعام بالمطاعم العاملين أثناء قيامهم بمهامهم (من خلال برامج مؤتمرات الفيديو على هواتف آيباد)، فإنهم يقدرون جهود العاملين ويثمنون الخدمات بدرجة أكبر. ويكون الأثر عندها متبادلاً: حيث يشعر العاملون بقدر أكبر من التقدير، وفي المقابل، يبذلون جهداً أكبر عندما تكون لديهم رؤية أوضح للزبائن. إذ ينهون الطلبات بشكل أسرع، كما أفاد الزبائن بارتفاع جودة الطعام. كما أدت الشفافية المتبادلة إلى خلق دائرة من التغذية الاسترجاعية الإيجابية، ما أدى إلى تحقيق القيمة لكلا الفريقين.

لكن الشفافية يمكن أن يكون لها تبعة سلبية غير مقصودة: فنتيجة لعلم الموظفين أنّ مدراءهم وغيرهم سوف يقيِّمون عن كثب كل سلوك يتم تسجيله ويعاقبونهم عليه، فربما قاموا بما هو مُتوقع منهم وحسب، مع الالتزام بشكل صارم بأكثر البروتوكولات تفاهة. وهذا ما حدث بالضبط في مجال الإنتاج بالمصانع، حيث أطاحت الشفافية المفرطة بكل من الإبداع والإنتاجية. فقد أخفى عمال خط التجميع التجارب المثمرة الموفرة للوقت، والتي تأتي من التدريب المتعدد الجوانب ليتجنبوا شرحها لمن يشاهدها.

إذا كانت الشفافية المفرطة تقتل السلوك الإبداعي، فكيف يمكن لإدارات الشرطة أن تحسن من سجل رجال الشرطة في التحديد النمطي لمواصفات المشتبه بهم دون التضحية بذلك النوع المدروس من المجازفة وحل المشكلات بشكل تلقائي، والذي غالباً ما يكون ضرورياً لإنقاذ أرواح الناس؟

يمكنني القول بأن الإجابة تكمن في التركيز على تنمية الحكم الجيد على الأمور ودعم العدالة، بدلاً من التركيز على فرض بروتوكولات الشرطة. ويمكن لرجال الشرطة في فيرغسون وأماكن أُخرى أن يتعلموا من الشركات التي تستخدم الكاميرات في أغراض التدريب والتطوير بدلاً من التقييم والعقاب. وعلى سبيل المثال، قامت إحدى شركات النقل بالشاحنات ضمن الولايات المتحدة بتركيب كاميرات قيادة في كل مقصورات القيادة بشاحناتها لكي تسجل كل ما يحدث على الطريق وما يقوم به السائق، وذلك بهدف تحسين الأمان لأسطول شاحناتها. ويراجع المدربون المشاهد المصورة مع كل سائق على حدة، حيث يتسم السائقون بالتجاوب مع التغذية الاسترجاعية، وذلك لأنهم يعلمون أنّ شرائط الفيديو لن تُستخدم ضدهم. (يتم عرض المشاهد المصورة على المدراء فقط في حالة مخالفة السائقين للقوانين عن عمد). وحتى في شركة يو بي إس (UPS)، والتي يوجد في شاحناتها أجهزة استشعار لتتبع كل خطوة يقوم بها الموظفون بهدف تقليل وقت التسليم، فإنّ الاتفاق الرئيس بين الشركة وبين سائقي الشاحنات يمنع الإدارة من استخدام البيانات في فصل الموظفين.

في غضون ذلك، ينبغي على المزيد من المؤسسات ومن بينها إدارات الشرطة أن تستكشف طرقاً لجعل مراقبة الموظفين بنّاءة لا أن تكون عقابية. وبطبيعة الحال، يتمثل جزء من التحدي هنا في إلزام الشرطة والجهات الحكومية (ولأسباب وجيهة) بالشفافية تجاه الجمهور. حيث يضمن قدر معين من الشفافية الخضوع للمحاسبة. ولكن، إذا لم يتم تلطيف الشفافية بشيء من الخصوصية، كالجوانب التي يمكن أن يتلقى العاملون فيها تدريباً ينمّي مهاراتهم، كما يحدث مع سائقي الشاحنات، من غير أن يتلقوا ضربات قاسية عن الأخطاء التي تساعد على التعلم، فإنها تؤدي في واقع الأمر إلى نتيجة عكسية. فإذا تم تسجيل كل اختيار وكل خطأ صغير ليشاهده الجميع ويقولون إنه كان ينبغي التصرف بشكل مختلف، فسرعان ما سيبدأ الجميع في اللجوء إلى الحذر ضمن أسوء صوره. وليس هناك كثير من الأفراد الذين يستطيعون العمل بشكل مثمر وهم تحت عدسة مكبرة لبلد كامل من المحكمين، إذ يشبه ذلك أداء الشرطة لواجباتها تحت مراقبة دائمة كما في فيلم “ألعاب الجوع” (Hunger Games).

بناء على ما سبق، وفي بلد تخطت فيه نسبة انتشار الهواتف الذكية 70%، وبما أنّ هناك كاميرا فيديو في كل هاتف ذكي تقريباً، فهناك سؤال آخر يطرح نفسه: كم تبلغ نسبة أعمال الشرطة التي تم بالفعل تصويرها بالفيديو؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz