نعلم أن التحكم فيما نهتم به فقط هو مفتاح عيش حياة مخططة بشكل جيد. وبحسب استطلاع غير رسمي قمت به مع عملائي، فإن أحد أكبر العوائق أمام إدارة الاهتمامات هي ما يمكن وصفه بالرمز “م.أ” أي “مشاكل الآخرين”. وتلك مشكلة يواجهها العديد من عملائي من ذوي المناصب القيادية ممن يجدون صعوبة في إيقاف تواصلهم مع فرق عملهم، حتى لفترات قصيرة. والسبب في ذلك يفسره هؤلاء القادة بالقول بأنهم “لا يريدون أن يصبحوا كعنق الزجاجة ويؤخرون إنجاز أعمال مهمة”، ناهيك عن رغبتهم في أن يكونوا متاحين أمام فرق عملهم لاتخاذ القرارات وتوجيه موظفيهم خلال المشكلات التي يواجهونها.

أريدك في هذا المقال أن تغوص أكثر في تعلم كيفية التحكم في بيئة عملك، حيث أشار القادة إلى أنه عندما يخصصون أوقاتهم لطلبات موظفيهم باستمرار، فإنه يتبقى أمامهم وقت قليل للغاية للانخراط في أهم أدوارهم، ألا وهو “وقت التفكير التأملي“. ويعتبر هذا الوقت مهماً كونه الوقت الخاص باستشراف المستقبل، والنظر في مسارات مختلفة، والتفكير بمختلف السيناريوهات، وتكوين الرؤية الخاصة للمؤسسة عموماً. وما يزيد الطين بلة هو أن التشتت المستمر يقوض قدرتهم على التأمل من خلال تآكل فترة انتباههم وتداخل “التفكير البطيء” مع “التفكير السريع“.

كيف يمكن للقادة إيجاد الوقت والمكان للتفكير وإنجاز الأعمال الهامة، مع قيامهم في الوقت ذاته بإرشاد الفريق وتمكينه من التقدم في عمله؟ أقوم هنا بتزويد عملائي بأربع استراتيجيات تساعدهم على إيجاد هذا التوازن.

الإرشاد في مرحلة لاحقة. يعتبر الإرشاد أحد أدوار القيادة المهمة كونه يساعد على تهيئة الموظفين للتقدم داخل المؤسسة؛ إلا أنهم يتعلمون بشكل أقل بكثير إن تم تقديم المشورة لهم بشكل مسبق مقارنةً بإعطائهم الفرصة لتجربة نجاحاتهم وإخفاقاتهم ومناقشتها مع رئيسهم في وقت لاحق.

حاول افتتاح المناقشات المجدولة مع الموظف بقولك: “ما المشاكل أو التحديات التي واجهتها هذا الأسبوع؟ وكيف تعاملت معها؟ وكيف ترى جودة ما قمت به؟”

إذا كنت قلقاً بشأن كيفية تمكن أعضاء الفريق من تحديد أنواع المشكلات التي يمكنهم حلها بأنفسهم وتلك التي عليهم عرضها عليك، فكّر في الاستراتيجية التالية.

ضع حدوداً لصنع القرار. في بعض الأحيان، يصعب على الموظفين تحديد ما يجب عليهم التعامل معه بأنفسهم وما هو خارج نطاق مسؤولياتهم. ويتم التخفيف من هذه المشكلة عندما يعرف جميع الموظفين بالضبط ما دورهم في نهاية المطاف في الشركة ومتى يكون مقبولاً لهم أن يخطئوا طالما أنهم ضمن حدود هذا الدور.

ويحقق هذا الوضوح فائدة إضافية تتمثل في توفر الوقت أمام القيادة للتفكير الإبداعي حتى في ظل ظروف غير عادية لا يمكن التنبؤ بها. على سبيل المثال، يُدرك موظفو خدمة عملاء متاجر “زابوس” (Zappos) أن دورهم في نهاية المطاف هو خلق تجربة شراء رائعة لعملائهم. وعندما يتخذون قرارات مبنية على هذا الدافع، سيتم الإشادة بهم وعدم توبيخهم. ومن أحد الأمثلة على خدمة العملاء الأسطورية في “زابوس” أنها أنتجت أفكاراً خلاقة مثل توصيل الزهور للزبائن والبحث عن مطعم بيتزا؛ كما أنها ولّدت أيضاً تغطيات صحفية مجانية عن الشركة ووفرت عملاء أوفياء ومخلصين للعلامة التجارية؛ كما أفرزت نجاحاً تنظيمياً للشركة.

اعقد اجتماعات منتظمة مع مرؤوسيك وخصّص وقتاً للآخرين. يحتاج فريقك إلى تقضية وقت معك، ويجب أن تكون متاحاً لهم لتوجيههم وأيضاً لأسباب أخرى. وهذا يوضح من أين بدأت “سياسة الباب المفتوح”. إلا أن الخطأ الذي يحدث بشكل متكرر هو أنه غالباً ما يتم تفسير ذلك على أنه “باب مفتوح طوال الوقت”. إن القصد الأصلي هو أن تكون لديك أوقات تخصصها للتواصل مع موظفيك، لكن ليس بالضرورة في أي وقت أو طوال الوقت.

بدلاً من ذلك، خصص وقتاً كافياً في دفتر مواعيدك كل أسبوع لكل مرؤوس لديك. فإذا شعر كل مرؤوس بأنه قادر على اتخاذ القرارات بنفسه، وأنه يدرك حجم مسؤولياته وما هي المساعدة التي يحتاجها منك، فسيكون من المرجح تأجيل أسئلتهم وقضاياهم إلى الاجتماع الأسبوعي معهم لمناقشتها. ولن يؤدي ذلك إلى تمكينهم فحسب، ولكن سيؤدي إلى تقليل عدد مرات مقاطعتهم لك أيضاً.

وإذا كنت في مركز قيادي عالٍ، ولم تكن مؤسستك كبيرة بما يكفي لمنع مثل هذه الأمور بصورة منطقية، عليك أيضاً تخصيص وقت للتفاعل مع الأشخاص الذين يفصلك عنهم مستوى إداري أو أكثر. وهذا يمكن أن يتم خلال “ساعات العمل”، حيث تقوم بتخصيص بعض الوقت بشكل دوري عندما تكون متاحاً للقيام بهذا التفاعل. إنه لأمر جيد من الناحية الأخلاقية وأيضاً لتدعيم المشاركة عندما يشعر الموظفون بأن لديهم إمكانية التواصل بصورة “معقولة” مع “رئيس رئيسهم في العمل”. وإذا كنت تريد المزيد من التحكم في تواصلهم معك، فهناك طريقة أخرى للقيام بذلك عبر “الإدارة من خلال التجوّل“.

قلل من أوقات توافرك. فكر في تلك الأوقات التي كنت تعمل فيها من دون أن تتمكن من الاطلاع على بريدك الإلكتروني لفترات طويلة، مثلاً خلال حضورك اجتماعاً أو مؤتمراً خارج المكتب. وبحلول موعد عودتك إلى عملك، من المحتمل أن يكون لديك رسائل إلكترونية من واحد أو أكثر من أعضاء فريقك تحوي أمراً مماثلاً لما يلي:

  • (الرسالة الأقدم) “مرحباً، أعلم أنك خارج المكتب اليوم ولكننا نواجه هذه المشكلة التي نرغب في مناقشتها معك …”
  • (الرسالة التالية) “أعتقد أنك ما زلت مشغولاً ولكن إذا استطعت تخصيص دقيقة للاتصال بالمكتب …”
  • (الرسالة الأخيرة) “لا مشكلة، لقد قمنا بحل المشكلة …”

والدرس المستفاد هنا هو أنه في حال لم يكن المدير متاحاً، سيحاول الفريق حل المشكلات بنفسه بشكل أكبر، وهو الأمر الذي يسمح لأعضاء الفريق بالتطور في مناصبهم، ويقلل من المقاطعات التي يواجهها القادة.

ويسلط هذا الموقف الضوء على المشكلات الأخرى (بالإضافة إلى التشتت) والتي تنشأ عندما يكون القادة “متوافرين طوال الوقت” أمام فرق عملهم. فعلى سبيل المثال، عندما يقوم الموظف باستمرار بطرح الأسئلة والمشاكل على رئيسه، ويقدم رئيسه بدوره الإجابات والحلول، يمكن أن يؤدي ذلك إلى نتيجة غير مقصودة تتمثل في قلة تمكين الفريق (أو إصابته بالكسل)، حيث يعزز هذا الأسلوب دورة “طرح الأسئلة يولد المشكلات”، أو سأقوم بطرح المشكلة على رئيسي، أو رئيس يقدم الإجابات/الحلول”. وهذا قد يعطي إشارة للفريق مفادها أن “هذه المشكلات خارج نطاق مسؤوليات الموظف، ولذا فهو على صواب في إحضارها إليك”، حتى عندما لا يكون ذلك هو الوضع الصحيح.

لو قام المدير، بدلاً من ذلك، برفض تلك المقاطعة مع تقديم عبارة على غرار: “أنا أثق في حكمكم”. عندئذ سيشعر الفريق وقتها بالتمكين وسيتطور في مواقفه وفي النهاية سيقاطع المدير عدد مرات أقل.

يحدث عند حديثي عن هذه النقطة في العادة خلال جلسات تدريب القادة أن يتدخل أحد الحاضرين في الحديث ويقول بثقة: “أعتقد أنك على صواب، ولهذا السبب أقول لفريق عملي: (لا تأتِ إليّ بالمشاكل، بل تعال إليّ بالحلول!)”. ويكون ردي عليه هو: “في حال كان موظفوك قد حددوا المشكلة وطرحوا الحل، فلماذا يكونون بحاجة للقدوم إليك؟” دعهم يتعاملون مع هذه المسألة بطريقتهم، ثم “قدم الإرشاد لهم في مرحلة لاحقة”.

حتى يتمكن القادة من إدارة الاهتمامات بشكل فعال، عليهم أن يكونوا قادرين على تحقيق التوازن بين المقاطعات التي تحدث بشكل مستمر وبين توافرهم أمام فرق عملهم. إن توظيف هذه الاستراتيجيات الأربع يعد خطوة على الطريق إلى الهدف النهائي لإدارة الاهتمامات: أي فرصة لتحقيق المزيد من النتائج المهمة بالنسبة لك، وأيضاً إتاحة الوقت أمامك للتفكير دون تشتت، بحيث يمكنك أن تكون ذاك المفكر صاحب الرؤية الذي يحتاجه منصبك القيادي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!