صحيح أنّ الشركات لا تقصد إنهاك موظفيها، ولكن بحثاً جديداً يظهر أنها لا تبذل ما يكفي من الجهود لمنع الإجهاد المتواصل للموظفين.

حين أجرينا في شركة ديلويت مسحاً لألف موظف بدوام كامل في الولايات المتحدة، وجدنا أنّ 77% منهم واجهوا الإنهاك في وظائفهم الحالية، وأكثر من نصفهم قالوا إنهم شعروا بذلك أكثر من مرة. وحصل ذلك رغم أنّ 87% من المستطلعين قالوا إنّ لديهم "الشغف تجاه عملهم". في الواقع، قال 64% من الموظفين شديدي الالتزام أنهم يشعرون بالإجهاد بشكل متكرر. وفي الوقت ذاته، قال حوالي 7 من 10 (69%) موظفين إنهم يشعرون أنّ أصحاب العمل "لا يفعلون ما يكفي ليخففوا الإنهاك عن كاهل موظفيهم"، بينما قال واحد من أصل 5 (21%) موظفين إنهم لا يعتقدون أنّ أصحاب العمل يطرحون أي برامج لتخفيف الإجهاد عنهم.

إذاً، ما الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات أكثر من ذلك؟ يشير المسح الذي أجريناه إلى بعض التدخلات التي يمكن أن تكون مفيدة في هذا الصدد.

امنحوا الموظفين عطلة نهاية أسبوع وإجازات حقيقية

يحصل الإنهاك حين لا يحصل الناس على الوقت الكافي للانفصال عن العمل والحصول على قسط من الراحة والتركيز على جوانب أخرى في الحياة وإعادة الشحن. ولكن للأسف حوالي 30% من المستطلعين قالوا إنهم "يعملون ساعات طويلة في نهاية الأسبوع وبشكل متكرر".  وقال أقل من النصف (43%) إنّهم يقضون كامل أيام إجازاتهم في العمل. وحتى هؤلاء الذين لا يقومون بذلك يستمرّون بفحص بريدهم الإلكتروني أو الرد على اتصالات العمل، بدلاً من أخذ استراحة كاملة من العمل. وحين سألناهم عن السبب، كان السبب الرئيسي الذي ذكروه "أخشى أن تحصل مشاكل إذا كنت بعيداً عن عملي"، والسبب الثاني هو ألّا يتمكّنوا من إنجاز المهمة الموكلة إليهم في الموعد المطلوب ومن تلبية توقعات المدراء.

لذلك، من المهم أن تؤسس القيادات بيئة عمل لا تقوم فقط على السماح بأخذ أيام العطلة بل على دعم هذا الخيار ومناصرته. وفي هذا السياق شكّلت شركة صناعة السيارات الألمانية دايملر (Daimler) نموذجاً يحتذى به حين أطلقت برنامجها "رسائل بريد يوم العطلة" الذي يزيل جميع الرسائل قبل أن تصل إلى بريد الموظف حين يكون في إجازة وذلك للسماح له بأن ينفصل تماماً عن العمل. ويتم إبلاغ المرسل بأنّ الرسالة أزيلت ويمنح خيار التواصل مع زميل آخر أو إعادة إرسالها حين يعود الموظف إلى العمل.

وسّعوا برامج العافية والامتيازات

حين سألنا الناس عن أي نوع من الامتيازات قدّمتها مؤسساتهم للمساعدة في تخفيف الإنهاك، أشار ما بين 28% و32% إلى الإجازة العائلية وإلى "خيارات العمل المرنة" أو برامج لمساعدة الموظفين. ولكن رغم أنّ هذه بداية جيدة إلّا أنّ المستطلعين طرحوا اقتراحات عديدة أخرى بينها برامج تحسين الصحة والعافية في العمل والوقت المقتطع والمدفوع للعناية بـ "الصحة النفسية" أو أيام للاستجمام. وتشير تونيا سلافينسكي، مديرة التعليم والتدريب في "اتحاد المهنيين لمساعدة الموظفين" إلى أنّ بعض الشركات تقدم اليوم برامج تدريب على إدارة الإجهاد للموظفين في مسعى لتفادي الإنهاك. وتضيف "من الصعب تعليم التقنيات لشخص يتعرّض أصلاً لإجهاد هائل. من المهم أن يكون هناك برنامج من هذا النوع كي يكون لدى الموظفين موارد يلجأون إليها حين يبدأون بمواجهة صعوبات".

النموذج هنا يأتي من شركة اتنا (Aetna) التي تقدم دروس يوغا وتأمل مجانية لموظفيها البالغ عددهم 50 ألفاً، بالإضافة إلى مراكز لياقة بدنية وخيارات الغذاء الصحي وحوافز مالية للعيش الصحي. ومن مؤيدي هذه المبادرات، والذي يشكّل نموذجاً يحتذى به لموظفيه، الرئيس التنفيذي للشركة مارك برتوليني الذي عانى من الإجهاد في العام 2001 بسبب إصابة ابنه بالسرطان وكان عليه أن يتعافى عام 2004 من حادث تزلّج كاد يودي بحياته. فالموظفون لن يستفيدوا من هذه المزايا المذكورة أعلاه ما لم يروا قادتهم يلجأون إليها. وقد وجد مسح آخر لشركة ديلويت حول موضوع تحسين الصحة والعافية وإشراك الموظفين في أماكن العمل، أنّ حوالي 40% من الموظفين قالوا إنّهم إذا رأوا مدراءهم المباشرين والمسؤولين الأعلى يمنحون الأولوية للالتزامات الشخصية على حساب العمل فإنهم سيشعرون براحة أكبر للقيام بالمثل.

قوموا بإرساء ثقافة عرفان وتقدير

أشار 3 من أصل عشرة في الاستطلاع إلى "غياب الدعم أو العرفان والتقدير من القيادة" كسبب إضافي لزيادة شعورهم بالإنهاك. أما كيف نحلّ ذلك؟ فمن خلال تشجيع الناس ببساطة على أن يقولوا "شكراً" حين يؤدي الموظفون الأدنى رتبة وزملاؤهم أومدراؤهم عملهم بشكل جيد. وتظهر البحوث أنّ الشركات التي ترسي ثقافة عرفان وتقدير تشهد تراجعاً في ترك الموظفين للعمل وتشهد كذلك أداء أفضل، لأسباب بينها أنّ الأجواء أقل إجهاداً أو لأن التعبير عن الامتنان يتيح للناس التعامل بشكل أفضل مع الطلبات التي أمامهم.

يمكن للمؤسسات أن تعبّر عن شكرها بطرق أفضل، فالعام الماضي أعلنت شركة ديلويت في الولايات المتحدة، عن منح إجازة في نهاية العام لجميع الموظفين. هذا "الانفصال الجماعي" بين عيد الميلاد ورأس السنة لم يعبّر عن التقدير للموظفين على عملهم الجدي فحسب بل أيضاً، لأن الجميع كان في إجازة في الوقت نفسه، ألغى أي شعور بالذنب أو الخوف يمكن أن ينتاب أي موظف من أن يخيّب ظن زملائه أو مدرائه فيه. وفي فبراير/شباط الماضي، كررت الشركة التعبير عن الشكر للموظفين من خلال أسبوع إجازة جماعية بمناسبة العيد المئتين لولادة ويليام ولش ديلويت مؤسس الشركة.

صحيح أنّ الإجهاد في العمل وفي الحياة أمر لا مفر منه، ولكنه لا يجب أن يكون منتشراً. لذلك يمكن للمؤسسات ويجب عليها أن تقوم بدور أكثر نشاطاً في تفادي إنهاك موظفيها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!