عندما اعتقل السكرتير الشخصي لأحد زبائننا بجرم الاختلاس قبل سنوات من الكشف عن جرائمه هو، علّق هذا الزبون الشهير الذي لم يكن سوى بيرني مادوف على اعتقال سكرتيره قائلاً: "تعلمون كيف تسير الأمور. فهي تبدأ بأن تأخذ القليل، ربما بضع مئات أو بضع آلاف. وبعدها تشعر بالارتياح إزاء ذلك، وقبل أن تدرك أي شيء، تكتشف بأن الأمر قد تحوّل إلى كرة ثلج تبدأ بالتضخّم ويكبر حجمها".

ولكن ما نعرفه الآن هو أن مخطط مادوف كان قد بدأ عندما أخذ يصدر تقارير خاطئة بغية التغطية على خسائره المالية الصغيرة نسبياً. وعلى مدار 15 عاماً، أخذ هذا السلوك الاحتيالي يتنامى بوتيرة مضطردة، ليصل حجم ما اختلسه في نهاية المطاف إلى أكثر من 65 مليار دولار. والعديد من الفضائح التجارية الكبرى في السنوات الأخيرة اتخذت مساراً مشابهاً: فالسلوك الأخلاقي للأشخاص المتورّطين في تلك الفضائح كان يتآكل مع مرور الزمن.

بالتأكيد قلّة منّا فقط ستنحدر إلى مستوى الجريمة التي اقترفها مادوف، لكننا جميعاً معرّضون لسلوك الطريق المنحدر ذاته. وعلى الأرجح يبدأ الأمر ببعض الحماقات الصغيرة كأن نأخذ بعض القرطاسية المكتبية إلى المنزل، أو نبالغ في تقارير المسافات التي قطعناها بالسيارة لنحصل على تعويض مالي أكبر، أو قد نطالب المؤسسة بسداد فاتورة غداء شخصي في المطعم زاعمين بأنه كان غداء عمل.

الأبحاث التي أجريناها تدعم هذا النوع من البراهين التي يوردها الناس على شكل قصص مروية. فقد اكتشف اثنان منّا نحن الثلاثة بأن الناس الذين تواجههم فرص متنامية للتصرّف بطريقة لا أخلاقية هم أكثر ميلاً إلى إعطاء تبرير منطقي لهذا السلوك مقارنة مع الأشخاص الذين يتعرّضون إلى تغيّر مفاجئ.

وهذا بدقّة ما توصّلنا إليه: ففي إحدى الدراسات، 50% من المشاركين في التجربة، والذين أعطيوا سلسلة من المهام لحل مشاكل معيّنة، لجأوا إلى الغش لكسب ربع دولار مقابل كل مهمّة في الجولة الأولى، بينما غش 60% لكسب دولارين ونصف الدولار مقابل كل مشكلة في الجولة النهائية. أمّا الناس الذين كانوا في المجموعة الثانية والتي تعرّضت إلى تغيّر مفاجئ والذين لم يتمكّنوا من الغش خلال الجولتين الأوليتين فقد كانوا أقل استعداداً لممارسة غش كبير لكسب دولارين ونصف الدولار مقابل كل مشكلة في الجولة النهائية (30% منهم فقط لجأوا إلى الغش).

هذا يشير إلى أن الموظفين قد ينظرون إلى المبالغة القليلة في تقارير المسافات التي قطعوها في سياراتهم لزيادة تعويضاتهم على أنها مجرّد "تقريب أرقام". لكن تقديم تبرير منطقي لبعض الارتكابات الثانوية يؤثر في نهاية المطاف على الكيفية التي ينظرون بها إلى السلوك الأسوأ الذي يتفاقم باضطراد وقد يقودهم إلى ارتكاب جنايات أكبر (مثل تحميل مصاريف سفرهم الشخصية لرب عملهم، على سبيل المثال)، وهو أمر لم يكونوا ليفعلوه بداية. وما يفاقم الأمر أكثر هو أن الناس أكثر ميلاً إلى التغاضي عن السلوك غير الأخلاقي للآخرين عندما يتدهور تدريجياً مع مرور الوقت.

إن الافتراض القائل بأن السلوك غير الأخلاقي في مكان العمل هو نتاج لعدد من التفّاحات المعطوبات، أي حفنة من الأشخاص السيئين فقط، قد أعمى العديد من المؤسسات عن رؤية الحقيقة المتمثّلة في أننا جميعاً قابلون للتأثر سلباً جرّاء الظروف المحيطة بنا، حتى عندما نكون من أولئك الذين يهتمّون كثيراً بموضوع النزاهة والاستقامة. ومع ذلك فإن المقاربات الرامية إلى تحاشي المشاكل التي تمثّل منزلقاً ينبغي أن تكون جذرية. وفي كتابهما الذي يحمل عنوان: "النكزة: تحسين القرارات المتعلّقة بالصحّة والثروة والسعادة"، يوضح ريتشارد ثالير وكاس سونشتاين كيف أن نكزة صغيرة وغير مؤلمة بمرفق اليد في الاتجاه الصحيح قد تقود الناس إلى أن يأكلوا بطريقة أفضل، وأن يوفّروا المزيد من المال ليدخروه لشيخوختهم، وأن يحافظوا على الطاقة.

وتشير أبحاثنا بصورة مماثلة إلى أن "النكزات" الأخلاقية يمكن أن تساعد الناس على تحاشي أنماط سوء السلوك التي قد تضعهم في أعلى منحدر منزلق. فعلى سبيل المثال، في دراسة أجريت مع شركة تأمين أميركية كبيرة، اكتشفت فرانشيسكا وزملاؤها بأن الزبائن الذين وقعوا على عبارة "أعد بأن المعلومات التي أقدّمها صحيحة" قبل رفع تقريرهم السنوي حول المسافات التي قطعوها بسياراتهم– أي عندما كانت العبارة موضوعة في أعلى الصفحة – كانوا أكثر صدقاً بكثير في تقاريرهم مقارنة مع الأشخاص الذين قدّموا تقاريرهم أولاً ومن ثم وقّعوا في أسفل الصحفة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!