لكن أكثر ما لفت انتباهي لم يكن وجود كتاب “معضلة المبتكر” ضمن هذه القائمة، بل إن جوبز استطاع حلَّ هذه المعضلة.

وعند وصف فترة إبعاده من شركه آبل، إبان تولي جون سكولي منصبه، أشار ستيف جوبز إلى أحد الأسباب الجذرية الأساسية للمشكلات التي تواجهها الشركة. وكان يتمثل في إعطاء الأولوية للربحية على حساب الشغف؛ إذ يقول: “تمثل شغفي في بناء شركة تستطيع البقاء والاستمرار، إذ يحصل من يعملون في الشركة على الحافز الذي يدفعهم إلى صُنع منتجات رائعة. كان الحافز الحقيقي هو المنتجات، وليس الأرباح. وقد قلب سكولي هاتين الأولويتين بالتركيز على هدف وحيد يتمثّل في تحقيق الأرباح المالية. يبدو هذا فرقاً دقيقاً، لكنه يشكّل في النهاية جوهر المشكلة”.

وبمقدور أي شخص مطّلع على عمل البروفيسور كريستنسن أن يتعرف بسرعة على الآلية السببية نفسها في صلب معضلة المبتكر: السعي وراء الربح. يحرص أفضل المدراء المحترفين على تنفيذ المبادئ الإدارية بحذافيرها واتباع النصائح السديدة، ويقودون شركاتهم على طول الطريق وصولاً إلى احتلال القمة في أسواقهم؛ لكنهم يسقطون في نهاية المطاف من حافة الهاوية بعد الوصول إلى مبتغاهم.

وهذا بالضبط ما حدث في شركة آبل. فقد عملت الشركة تحت إشراف سلسلة من المدراء المحترفين الذين قادوها إلى السقوط من حافة هذه الهاوية. وكاد هذا السقوط أن يُجهِز على الشركة. فقد كان رأس المال التشغيلي يكفيها لمدة 90 يوماً فقط عندما عاد ستيف لتولي زمام الأمور. بعبارة أخرى، كانت شركة آبل على بعد 3 أشهر فقط من الإفلاس.

وعندما عاد جوبز، قلب المعادلة في الشركة رأساً على عقب. تم تسريح آلاف الموظفين، وجرى وأد العشرات من المنتجات. كان يعلم أن على الشركة جني الأموال للاستمرار في السوق، لكنه عمل على إبعاد أنظار شركة آبل عن التركيز على الأرباح. وكان ينظر إلى الربح باعتباره أمراً ضرورياً، ولكنه ليس كافياً، لتبرير كل ما تفعله الشركة. أدى هذا الموقف إلى قيام شركة تبدو مختلفة جملة وتفصيلاً عن غيرها من الشركات المعاصرة المدرجة في قوائم “فورتشن 500”. وأحد الأمثلة الصارخة على ذلك وجود شخص واحد فقط في آبل يتحمل مسؤولية الربح والخسارة: الرئيس التنفيذي للشؤون المالية. كان ذلك يتناقض تماماً مع ما يتم تدريسه في كليات إدارة الأعمال. ووصف مسؤول تنفيذي عمل في شركتيّ آبل ومايكروسوفت أوجه الاختلاف بينهما على النحو التالي: “تحاول شركة مايكروسوفت العثور على مصادر الإيرادات غير المستغلَّة، ثم تكتشف ما يجب أن تفعله لاستغلالها. أمّا شركة آبل فتفعل العكس تماماً؛ فهي تفكر في منتجات رائعة، ثم تبيعها. وهكذا فإن النماذج الأولية والعروض التوضيحية تسبقان دائماً جداول البيانات المالية”.

وبالمثل، فإن شركة آبل دائمة الفخر بموظفيها الرائعين؛ لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن مسؤولي الشركة قد يسمحون لهم بالتقصير في أداء رسالتهم. وتصفها إحدى الشركات صائدة المواهب على النحو التالي: “إنه مكان سعيد يحفل بأشخاص متفانين في عملهم حق التفاني. إذ ينضم الموظفون إلى الشركة ويبقون فيها لأنهم يؤمنون برسالة الشركة”. لا يهم كم كنت رائعاً؛ فما لم تتمكن من الوفاء بواجبات هذه الرسالة، فسيكون مصيرك الفصل من العمل. وكانت مذبحة المنتجات وعمليات تسريح الموظفين التي أقدم عليها جوبز لدى عودته إلى الشركة من أعراض هذه الظاهرة. ربما أصبحت هذه الظاهرة أقل تواتراً لاحقاً، ولكن إذا لم يتمكن الفريق من تقديم مُنتَج رائع، فإن أفراده يلقون جزاءهم. وقد استُبدل المدير التنفيذي المسؤول عن مشروع موبايل مي (MobileMe) على الفور، أمام فريقه بالكامل، بعد فشله في طرح المُنتج بالطريقة المطلوبة. ووصف مدير منتجات سابق في شركة آبل موقف الشركة على النحو التالي: “إن أسعفك الحظ بالعمل في شركة تصنّع أروع المنتجات في العالم؛ فالزم الصمت وأدِّ عملك كي تحظى بفرصة البقاء فيها”.

وهكذا فإن كل شيء في الشركة، من عمليات وأفراد، مسخَّر لأداء رسالتها التي تتجسد فيما يلي: بناء منتجات رائعة. وبدلاً من الاستماع إلى العملاء أو سؤالهم عما يريدون، فإن شركة آبل تعمل على حل المشكلات التي لا يعرفها العملاء بخصوص المنتجات التي لم يدركوا بعد أنهم يريدونها.

ومن خلال اتباع هذا النهج، استطاعت شركة آبل تطويع قواعد الزعزعة كلها. 
على سبيل المثال، إذا أردت زعزعة شركتك، فإن بحث كريستنسن ينصح عادةً بإنشاء شركة منفصلة تواصل بذل الجهد في سبيل إيقاع الهزيمة بالشركة الأم. ومن الصعوبة بمكان النجاح في تحقيق هذه الغاية؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما فعلته شركة دايتون دراي غودز (Dayton Dry Goods) التي سحبت البساط من تحت أقدام شركة تارغت. وتمكنت شركة آي بي إم من تحقيق هذا المسعى بنجاح من خلال الانتقال من صناعة أجهزة الكمبيوتر الضخمة إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية، عن طريق إنشاء جدران حماية الأعمال التجارية في مناطق جغرافية مختلفة تماماً. وفي كلتا الحالتين، فإن عدد الشركات التي نجحت في تحقيق هذه الغاية محدود جداً جداً. وعلى الرغم من ذلك، فإن شركة آبل تفعل ذلك الآن بين جنباتها بمنتهى اليُسر والسهولة. وإليك ما قاله الرئيس التنفيذي الجديد، تيم كوك، حول جهاز الآيباد الذي يزعزع أجهزة ماك: “نعم، أعتقد أن ثمة بعض آثار المزاحمة الذاتية؛ إذ يعمل فريق آيباد على جعل منتجهم أفضل المنتجات. ويحدث الشيء نفسه مع فريق ماك”. ولم يسمع أحد تقريباً بأن جهة استطاعت إدارة الزعزعة بهذه البراعة.

يمكنهم فعل ذلك لأن الهيكل المؤسسي لشركة آبل لا يهدف إلى زيادة الأرباح إلى أقصى حدٍّ ممكن؛ لكن الشركة حرصت بدلاً من ذلك على إعطاء الأولوية لخلق قيمة مضافة للعملاء. وعندما تفعل الشركات هذا، فإن خوفها من المزاحمة الذاتية أو الزعزعة الذاتية يتلاشى كأن لم يكن. في الواقع، عندما تتمحور رسالتك حول خلق قيمة مضافة للعملاء وصنع منتجات رائعة، فلن تعود المزاحمة الذاتية والزعزعة الذاتية من “الأشياء السيئة” التي يجب تجنبها، بل ستصيران شيئين تسعى جاهداً لتنفيذهما على أرض الواقع، لأنهما تتيحان لك تحسين النتيجة التي سيحصل عليها عميلك.

وعندما سمعتُ للمرة الأولى عن نظرية الزعزعة، فإن ما أدهشني في واقع الأمر هو قوتها التنبؤية، بمعنى أنها تتيح لك القدرة على استشراف المستقبل بوضوح مثير للإعجاب؛ لكن كان ثمة استثناء وحيد لهذه القاعدة. كان هذا الاستثناء يتمثّل في تلك المنطقة المبهمة من توقعات كريستنسن حيال شركة آبل. وقد أتيحت لي الفرصة للتحدث معه في وقت لاحق، وأتذكر أنه قال لي: “ثمة شيء مختلف في هؤلاء الفتيان؛ فهم غريبو الأطوار”. حسناً، لقد كان على حق. ومع صدور سيرة حياة جوبز، عرفنا السبب على وجه اليقين؛ تأثر جوبز تأثراً عميقاً بمفهوم “معضلة المبتكر”؛ ورأى أن الشركة التي أنشأها توشك على الانهيار بسببه. وعندما عاد إلى آبل، كان جوبز مصمماً على حلها. وقد فعل؛ فتخلى عن سياسة التركيز على الربح وعاد إلى إعطاء الأولوية لصنع منتجات رائعة، وأسهم هذا “الاختلاف الدقيق” في إحداث نقلة نوعية في شركة آبل التي كانت على بعد 3 أشهر من الإفلاس، لتصبح واحدة من أكثر الشركات قيمة وتأثيراً في العالم.