تابعنا على لينكد إن

ديان موشو هاميلتون – هارفارد بزنس ريفيو:

إنّ النزاع يؤدّي إلى حصول حالة من الفوضى في أدمغتنا. فالإنسان مفطور بطبيعته على حماية نفسه كلّما استشعر وجود خطر يحيط به. وفي عالمنا المعاصر، نحن لا نتقاتل كما يتصارع حيوان الغرير والذئب، ولا نهرب كما يفرّ الأرنب من وجه الثعلب. ولكنّ غريزيتنا الأساسية التي تريد حمايتنا هي غريزة تلقائية وغير واعية.

يمتلك الإنسان لوزتين دماغيتين، تقع كلّ واحدة منهما على أحد جانبي الدماغ، خلف العينين والعصبين البصريين. ويصف الدكتور بازيل فان دير كولك في أحد كتبه هاتين اللوزتين بأنهما بمثابة “جهاز كشف الحريق” في الدماغ. لكنّ هذا الجهاز مسؤول عن كشف حالة الخوف، وتهيئة الجسد للاستجابة للحالة الطارئة. فعندما نستشعر وجود خطر معيّن، فإنّ اللوزة الدماغية تطلق إشارة تحذير، مفرزة مجموعة من المواد الكيماوية في الجسم. ونتيجة لذلك فإن هرمونات التوتر مثل الأدرنالين والكورتيزول تنتشر في أنحاء جسدنا، لتهيئنا فوراً للقتال أو الفرار. وعندما يستولي هذا الشعور الغريزي العميق علينا، فإننا نسمّي تلك الحالة بالاسم الذي أطلقه عليها دانييل غولمان في كتابه الشهير “الذكاء العاطفي” ألا وهو “اختطاف اللوزة الدماغية للإنسان”. وفي الأدبيات الشائعة في علم الفيزيولوجيا نقول بأننا “قد شعرنا بالتحفّز”. فنحن نلحظ حدوث تغيّرات فورية مثل زيادة معدلات ضربات القلب، أو حصول تعرّق في باطن الكفين. كما أنّ تنفّسنا يصبح أكثر سطحية وسريعاً، حيث أننا نحاول تنشّق كمية أكبر من الأكسجين، مهيئين أنفسنا للفرار السريع إذا اضطررنا إلى ذلك.

يخلق هذا التدفّق لهرمونات التوتّر إحساسات أخرى مثل الرجفان في ضفيرتنا الشمسية أو أطرافنا أو صوتنا. وقد نلاحظ بأن وجنتانا تحمرّان وترتفع حرارتهما، أو بأن حلقنا ينقبض، أو أن رقبتنا تتشنّج وفكّنا يصطك. وهكذا نجد أنفسنا في قبضة مجموعة من الاستجابات الفيزيولوجية الجسدية الكفوءة ولكن البدائية والتي تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ. فهذه الإحساسات ليست لطيفة، وهي لا تهدف إلى جعلنا نسترخي، بل هي مصمّمة لكي تدفعنا للتصرّف واتّخاذ الإجراء المناسب.

كما أنّ اللوزة الدماغية النشطة تغلق فوراً المسار العصبي المودي إلى القشرة الأمامية من الدماغ لذلك يمكن أن نشعر بحالة من فقدان الاتجاه خلال خوضنا لنقاش حامي الوطيس. كما تختفي قدرتنا على اتخاذ القرارات المعقّدة، ولا نعود قادرين على الموازنة بين عدّة آراء مختلفة. وعندما يصبح انتباهنا ضيّقاً جدّاً، نجد أنفسنا عالقين في فخ الرأي الذي يجعلنا نشعر بأكبر قدر من الأمان: “أنا على صواب وأنت على خطأ”، حتّى وإن كنّا في الأحوال نرى المزيد من الآراء.

وكأنّ ذلك وحده لا يكفي، حيث أنّ ما يزيد الطين بلّة هو أن ذاكرتنا تفقد مصداقيتها. فهل سبق لك أن دخلت في نزاع مع أحد والديك أو أصدقائك ووجدت نفسك فعلياً غير قادر على تذكّر أمر إيجابي واحد يخصّه؟ فيبدو الأمر وكأنّ دماغنا يتخلّى عن وظيفة الذاكرة بالكامل في مسعى منه للنجاة من التهديد الذي يحيط به. وعندما تتعرّض ذاكرتنا إلى هذا النوع من الاضطراب، فإننا لا نعود قادرين على تذكّر أشياء من الماضي يمكن أن تهدّئ من روعنا. لا بل يمكن القول بأننا لا نعود قادرين على تذكّر أي شيء أصلاً. ونجد أنفسنا ببساطة وقد امتلأنا بالإنذار الأحمر اللون الذي أطلقته لوزتنا الدماغية والذي يقول: “أنت في خطر، تصرّف. أنت في خطر، احم نفسك. أنت في خطر، هاجم.”

وفي خضمّ سيطرة اللوزة الدماغية علينا واختطافها لنا، ليس بوسعنا أن نختار كيف نتصرّف، لأن آلية الحماية القديمة في جملتنا العصبية هي من يختار نيابة عنا، حتى قبل أن تتاح لنا الفرصة لكي لنتأمّل ما إذا كان هناك خيار أصلاً. والأمر لا يصدّق حقاً.

كيف تمارس الانتباه والوعي أثناء النزاع

تُعتبرُ ممارسة الوعي والانتباه هي التقنية المثالية التي يمكن للإنسان اللجوء إليها عندما يجد نفسه في حالة نزاع، سواء في المنزل أو في العمل. فهذه التقنية تسمح لنا بالسيطرة بشكل واعٍ على جهازنا العصبي الخاضع لحالة الإشراط. وعوضاً عن الهجوم أو الفرار، والاضطرار لاحقاً إلى تبرير ردود أفعالنا، بوسعنا أن نتعلّم كيف نحافظ على حضورنا، وكيف نشارك في تنظيم جهازنا العصبي المركزي، وفي نهاية المطاف، كيف نطوّر طرقاً جديدة ومفيدة وأكثر حرية في التفاعل مع الآخرين.

إنّ ممارسة الانتباه والوعي في خضمّ النزاع تتطلّب وجود استعداد للمحافظة على حضورنا، والشعور بشعور مكثف، والسيطرة على أفكارنا السلبية، والتنفّس بطريقة تساعدنا في المحافظة على حضورنا وانتباهنا لجسدنا. وكما هو حال أي مهارة أخرى، فإنّها بحاجة إلى تدريب وممارسة.

هناك مقاربات مختلفة للتعامل مع جهاز عصبي مُستَفَز ومشاعر عاطفية شديدة، لكنّها جميعاً تشترك ببعض القواسم المشتركة. وفيما يلي أربع خطوات بسيطة (أصفها أيضاً في كتابي الذي يحمل عنوان “كل شيء يمكن أن ينجح”) أحاول اللجوء إليها عندما أجد أن جهازي العصبي المركزي في حالة ضغط، وعندما يكون جسدي في حالة غريزية تقوم على الشعور بالرغبة في القتال أو الفرار.

الخطوة الأولى: حافظ على حضورك

الخطوة الأولى في ممارسة الوعي والانتباه عندما نشعر بالاستفزاز هي أن نلاحظ بأنّنا مستفزّون. فقد نلاحظ حصول تغيّر في نبرة صوتنا، أو قد ينتابنا إحساس بالانقباض في بطننا، أو رغبة مفاجئة في الانسحاب. ولكلّ واحد منّا إشاراته الجسدية والسلوكية المحدّدة والتي تنبّهنا إلى أنّنا نشعر بالتهديد، وبالتالي إلى أننا خاضعون للسيطرة التلقائية لدماغنا.

يتعيّن علينا أن نظلّ حاضرين وفي حالة استرخاء، وأن نتحلّى بالفضول الفكري، وأن نستكشف تجربتنا. وبالنسبة لي، أحاول دائماً أن أذكّر نفسي بضرورة الاسترخاء لأنّ ذلك مفيد جدّاً. وأنا استعين بدليل بصري يساعدني في هذا المجال هو ابني. فعندما أكون غاضباً، فإنّ ابني ينظر إليّ عادة ويرفع يديه ويخفضهما بأسلوب مهدئ، قائلاً: “هدّئي من روعك يا عزيزتي”. وأنا أحاول أن أتأمّل ذلك الوضع وهو يساعدني في الشعور بشيء من الهدوء لأنّه رائع جدّاً عندما يفعل تلك الحركة.

الخطوة الثانية: تنازل عن القصّة المثيرة للنزاع

قد يكون هذا هو الجزء الأصعب من الممارسة. فنحن بحاجة إلى التخلّي بصورة كاملة عن عقلنا المفكّر والذي يطلق الأحكام. وهذه الخطوة مفعمة بتحدّيات كبيرة لأنّنا عندما نشعر بالتهديد، فإنّ العقل يمتلأ فوراً بجميع أنواع الأفكار والقصص الصعبة التي تخصّ ما هو حاصل. لكنّنا يجب أن نكون مستعدّين لنسيان القصّة المزعجة، لمجرّد دقيقة واحدة من الزمن، لأنّ هناك حلقة متّصلة من التأثير المتبادل بين أفكارنا وجسدنا. فإذا ما استمرّت الأفكار السلبية، فإنّ هرمونات التوتّر تظل موجودة في أجسادنا. ولا يعود السبب في ذلك إلى أننا مخطئين، وإنّما تصوّراتنا ستكون أوضح بعد أن يسترخي جهازنا العصبي.

الخطوة الثالثة: ركّز على الجسد

ما عليك الآن ببساطة سوى أن تركّز على الشعور بأي إحساسات تنشأ في جسدك وأن تحاول استكشاف هذه الإحساسات. نحن نشعر بها بشكل طبيعي، تماماً كما هي، دون أن نحاول السيطرة عليها أو تغييرها. ونسمح للعقل بأن يُبدي أكبر قدر ممكن من الانفتاح، حيث نراقب الأجزاء المختلفة من الجسد والتي تحصل فيها الإحساسات، فنركّز على الأجزاء المتشنّجة، أو التي ترتجف، أو تندفع الدماء إليها، أو تؤلمنا. كما نولي اهتمامنا للصفات المختلفة لهذه الإحساسات وطبيعتها، ونراقب كيف تتغيّر الأمور وتتحوّل. وبوسعنا أيضاً أن نراقب مدى انحيازنا ضدّ الإحساسات الكريهة أو الأكثر حدّة.

الخطوة الرابعة: أخيراً، تنفّس

يعلم الجميع بأنّ التّنفس مفيد. وهناك العديد من الصفات المختلفة التي تميّز التنفّس، لكننا لا نحتاج إلا أن نتعرّف على اثنتين من هذه الصفات هما: الإيقاع والسلاسة. فكما يشرح آلان ويتكنس في كتابه الذي يحمل عنوان “الانسجام: أسرار علوم القيادة الذكية”، إذا ركّزنا على هذين البعدين من أبعاد التنفّس، ولو لبضع دقائق قصيرة، فإنّ إفراز الكورتيزول والأدرينالين سيتوقف.

فالتنفّس الإيقاعي يعني بأن الشهيق والزفير يحصلان بشكل متكرّر خلال فواصل زمنية متساوية. فإذا ما قمنا بالشهيق، ونحن نعد 1، و2، و3 و4 ثم قمنا بعد ذلك بالزفير، ونحن نعد 1، و2، و3 و4، و5، و6، وثم قمنا بالشهيق مجدّداً ونحن نعد 1، و2، و3 و4 ثم قمنا بعد ذلك بالزفير، ونحن نعد 1، و2، و3 و4، و5، و6؛ فإنّ ذلك يعني بأنّنا في حالة تنفّس إيقاعي.

وفي الوقت ذاته، يجب أن نتنفّس بطريقة متساوية أو سلسلة، وهذا يعني بأنّ التنفّس يجب أن يظل متّسقاً في حالتي الشهيق والزفير، تماماً مثل شرب سائل باستعمال قشة (شلمونة) ضيقة. فإذا ما تحكّمنا بهاتين الصفتين من صفات التنفّس لمجرّد بضع دقائق، فإن النفس سيساعدنا في المحافظة على حضورنا، الأمر الذي يجعلنا نتحمّل الإحساسات القوية التي تسيطر على جسدنا.

إنّ الانتباه إلى جسدنا يساعدنا في استعادة التوازن في وقت أسرع، واستعادة قدرتنا على التفكير، والإصغاء، والتفاعل مع الآخرين. يحتاج ذلك إلى التحلّي بالصبر، ولكن في نهاية المطاف، نحن نحافظ على أنفسنا بحيث نتمكّن من التجاوب مع الحالة التي تنتابنا عوضاً عن الانجرار وراء ردود الأفعال. فالغضب يتحوّل إلى وضوح وعزيمة، والحزن يقود إلى التعاطف، بينما تصبح الغيرة هي الوقود المحرّك للتغيير.

ولكن بالتأكيد ستكون هناك بعض اللحظات التي نواجه فيها الفشل. فإبداء قدر أكبر من الحميمية تجاه استجابة جسدنا لجهاز عصبي مُخْتَطف هو أمر ينطوي على التحدّيات، بالحدّ الأدنى. ويعود ذلك إلى أنّ الإحساسات التي نشعر بها غير مريحة للغاية، بينما تكون عواطفنا متقلّبة، ويكون عقلنا مليئاً عادة بالأفكار غير الداعمة من قبيل “أريد الخروج من هنا فوراً”، أو “كيف يجرؤ على قول مثل هذا الكلام لي؟” أو “هذا الأمر هو مضيعة لوقتي”.

في كلّ مرّة ننجح فيها في الانتباه إلى جسدنا في لحظات الشدّة والتوتّر، نطوّر قدرتنا. لا بل أكثر من ذلك، قد نلاحظ شيئاً جديداً عند حصوله. برهة من التوقف، أو سؤال غير متوقّع عندما يُطرح، أو ضحكة عندما تنفجر. وعندما يحصل أي شيء جديد، فإنّ ملاحظته تساعد في تحريرنا من النمط القديم الذي اعتدنا عليه في أداء الأشياء. وبغمضة عين سنكتشف بأن عادتنا القديمة القائمة على القتال أو الهروب تتغيّر، وبأن العالم هو مكان أكثر أماناً.

تنويه: إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2016.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz