تهدف العديد من الشركات لأن تكون أكثر شفافية، وأن تتحلى بالمصداقية حول ما يتعلق بمنتجاتها وخدماتها. على سبيل المثال، خصصت شركة ماكدونالدز على موقعها الرسمي عبر الإنترنت زاوية خاصة لأسئلة العملاء الشائعة؛ حول كيفية تصنيع المنتجات الغذائية للشركة، في حين تهدف مبادرة "ترنسفرنسي" التي أطلقتها شركة الطيران ساوث ويست  (Southwest’s Transfarency) إلى إعطاء العملاء فكرة أوضح عن إجمالي تكاليف السفر التي سوف يدفعونها، دون الوقوع في فخ التكاليف غير المتوقعة.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالتواصل الصادق حول تجربة الموظف، فيجب الاعتراف بأنه لا يزال أمام الشركات الكثير من العمل.

أظهرت دراسة جديدة أجرتها شركة ويبر شاندويك (Weber Shandwick)، ​​بالشراكة مع مركز أبحاث كي آر سي ريسيرتش (KRC Research)، أنّ 19% فقط من الموظفين البالغ عددهم 2,000 موظف الذين شملتهم الدراسة يشعرون بأنّ الخبرة العملية التي يروّج لها صاحب العمل تتطابق فعلاً مع واقع الشركة. بعبارة أخرى، فإنّ ما يشهده الموظفون من مواقع عملهم أو عبر القنوات الاجتماعية الخاصة بشركتهم، أو حتى ما يسمعوه من جهات التوظيف، يتعارض غالباً مع ما اختبروه عند انضمامهم إلى الشركة. تخيّل على سبيل المثال، أنه تم إخبارك بأنّ الشركة التي تقدمت إليها تدعم الابتكار، لتجد عكس ذلك تماماً بعد توظيفك؛ حيث يتم رفض كل فكرة تقوم بعرضها. أو أنك بدأت بالعمل مع شركة معينة على أساس أنها تقدم فرصاً للتطور الوظيفي، لتكتشف فيما بعد أنّ صاحب العمل نادراً ما يفتح الطريق للموظفين الداخليين لملء شواغر الشركة المتاحة.

قد يساعد هذا في تفسير البيانات التي تُظهر أنّ نحو ثلث الموظفين الجدد يتركون عملهم طوعاً خلال الأشهر الستة الأولى. وإلى جانب تكلفة استبدال الموظفين، والتي تقدر من 50% إلى 75% من الراتب السنوي للموظفين الجدد، هذا النوع من التسرّب الوظيفي يؤثر سلباً على معنويات زملاء العمل، ويعرقل علاقات العملاء بالشركة، ويحد من قدرة الشركة على جذب المواهب الجديدة، خاصة في عصر يمكن للموظف أن يقوم بتقييم الشركات وأصحاب العمل بسهولة عبر مواقع إلكترونية مثل غلاسدور (Glassdoor).

في هذا الزمن الصعب، يؤدي الجمع بين معدلات التوظيف المنخفضة عالمياً والانخفاض القياسي لمعدل البطالة بواقع 3.9% في الولايات المتحدة، إلى خلق مناخ ملائم لانخفاض الإقبال على الوظائف. وعلاوة على ذلك، فإنّ أصحاب العمل الذين لا يتحلون بالمصداقية، ودائماً ما يفشلون في الوفاء بوعود التعاقد، لا يمكن لهم التميّز مع هذه الصفات في سياق ملء الوظائف الشاغرة.

من ناحية أخرى، وجدنا أنّه عندما يكون أصحاب العمل صادقين بوعودهم بشأن تجربة الموظفين؛ ينعكس ذلك إيجاباً على الشركات من ناحية التوظيف، ومشاركة، وولاء الموظفين، والقدرة على الاحتفاظ بهم. ومن المرجح أيضاً أن يقوم الموظفون بتزكية شركاتهم للآخرين كأفضل مكان للعمل، وتزكية صاحب العمل عن طريق الآراء المنشورة عبر شبكة الإنترنت أيضاً، وأن يقدموا أكثر ما هو مطلوب منهم.

إذا كانت شركتك من ضمن تلك الشركات التي تواجه صعوبات في جذب المواهب التي تحتاجها أو الاحتفاظ بها، فيمكن أن يكون لديها مشكلة في المصداقية.

إليك بعض الخطوات التي يمكنك اتباعها لتتحلّى بالمصداقية بشأن واقع شركتك:

كن صادقاً بشأن ما أنت عليه

تكمن قوة وتأثير الشركة في رسالتها الواضحة وفي مجموعة القيم الخاصة بها، والتي تعمل على جذب الباحثين عن العمل الذين يشاركونها تلك المبادئ الأساسية، واستبعاد أولئك الذين لا يشبهون تفكير الشركة.

على سبيل المثال: مثّلت شركة الملابس والمستلزمات الخارجية باتاغونيا (Patagonia) ولفترة طويلة تجربة الاستمتاع بالطبيعة وحماية البيئة. وتعتبر سمعة الشركة امتداداً طبيعياً لذلك، حيث تعِد "بمزيج استثنائي من العمل والمرح وخلق روح العائلة والتركيز على حماية البيئة". وتفي الشركة بوعودها من خلال تنظيم برامج التدريب البيئي المدفوعة التكاليف، وإجازات للتدريب على قضايا الاحتجاج المدني، وتقديم تعويضات بدل النقل، والالتزام بسياسة مرنة لأوقات العمل تعطي الموظفين مساحة للإبداع.

ينتج عن التمثيل الواضح لشركة باتاغونيا حول التوافق القوي بينها وبين الموظف؛ انخفاضاً ملموساً في معدل تدوير الموظفين الطوعي ليصل فقط إلى 6% من بين العاملين بدوام كامل (مقارنة مع متوسط ​​تدوير يبلغ 35% في قطاع التجزئة). وعبّر أحد الموظفين عن انسجامه مع الشركة قائلاً: "أشعر أنّ ثقافة باتاغونيا وثقافتي الخاصة متوافقتان جداً، وكثيراً ما أواجه صعوبة في رسم خط فاصل بين حياتي الشخصية وهوية الشركة ومنفعتها".

قيّم مدى التباين

لا تتمتع معظم العلامات التجارية بتوافق قوي بين ما تعد به وما تقدمه، لكن يمكن للمعنيين الاستفادة كثيراً من تقييم المسافة بين ما تدعيه الشركة وبين التجربة الفعلية للموظف.

قد يتضمن هذا التقييم مقابلة الموظفين الجدد وأولئك الراغبين بترك العمل، وإجراء مسح حول مدى مشاركة الموظفين، وتنظيم جلسات استماع اجتماعي، والأخذ بعين الاعتبار تقييمات الموظفين للشركة عبر الإنترنت. يجب على الشركات تحديد الوعود التي يقدمونها حول تجربة الموظف وتقييم ما إذا كانت آراء الموظفين توافقها أم لا. كما ينبغي على الشركة أن تفهم الآراء الإيجابية التي كوّنها الموظفون لديهم حيالها، وتحديد ما إذا كان من الأفضل الترويج لهذه الميزات خارج نطاقها.

يساعد فهم التباينات ومعالجتها على حماية الشركة من آراء الموظفين السلبية والحد من مخاطر السمعة السيئة، كان هذا هو الدرس الذي استفادت منه إحدى الشركات القائمة في منطقة نائية، والتي كانت تؤكد على تأثيرها العالمي في رسائل التوظيف الخاصة بها. وبعد أن قامت الشركة بإجراء جلسات "مجموعات تركيز" للموظفين؛ وجدت أنّهم لا يشعرون بالفعل بمدى تأثير الشركة عالمياً، حيث كان عدد قليل منهم قد تواصلوا فعلاً مع المكاتب الإقليمية أو حتى تفاعلوا مع زملائهم في المناطق الأخرى.

تمكنت الشركة بعد ذلك، بمساعدة قسم الموارد البشرية، من بناء نقاط اتصال بين مكاتبها على مستوى العالم وتحديث برنامجها التناوبي، ما سمح للموظفين المهتمين بإنجاز المهام المؤقتة في مواقع مختلفة حول العالم. أدى هذا التغيير إلى تجربة أفضل للموظفين، وعزز التعاون بين فروع الشركة، وأعطاها الحق في تسويق نفسها للباحثين عن عمل؛ على أنها شركة ذات توجهات عالمية.

دع موظفيك يقومون بالحديث عن الشركة

بينما تقوم الشركات بصياغة رسائلها على أنها "أفضل الأماكن للعمل"، من المهم إدراك أنّ الجمهور الأول والأكثر أهمية ليس المرشحون المحتملون للوظائف – بل إنهم الموظفون الحاليون. يساعد التسويق الداخلي حول القيمة المتصورة للموظف على إعادة بناء علاقة جيدة مع الموظفين، وتذكيرهم بسبب انضمامهم، وتعزيز التزامهم بالبقاء، ودفعهم إلى الترويج للآخرين للانضمام إلى الشركة. وفي وقت لا يثق فيه سوى 12% من الموظفين في ما يقوله أصحاب العمل عن تطلعاتهم ومبادئهم، يجب على الشركات أن تعتمد أكثر على موظفيها ليكونوا هم المتحدثين حول تجربتهم الخاصة.

إنه نهج حقق أرباحاً هائلة لشركة سيسكو سيستميز (Cisco Systems) العملاقة، فمنذ بداية العام 2015، اتخذت الشركة قراراً حكيماً ببناء سمعة طيبة. وأوضحت كارمن كولينز، مديرة مواقع التواصل الاجتماعي للشركة ذلك إذ تقول: "توقفنا عن الترويج على أننا شركة تضم أكثر من 70 ألف موظف، وبدأنا بتكوين رسالة مفادها بأننا أكثر من 70 ألف شخص نعمل لصالح الشركة". واليوم، أصبح رأي الموظفين في كل زاوية على مدونة التوظيف التابعة للشركة لايف أت سيسكو (Life at Cisco)، وعلى موقعها الخاص بالوظائف، وعلى جميع قنواتها الاجتماعية. في الواقع، تقوم الشركة بانتظام بتحويل حساب سناب شات إلى الموظفين لإعطاء رؤية حقيقية حول ثقافة الشركة، وهي الخطوة التي نتج عنها زيادة في عدد المتابعين بنسبة 600% في فترات متقاربة.

لقد أثبتت شركة سيسكو أنّ المحتوى الذي يُنشئه الموظف له قيمة كبيرة، حيث أصبحت مدونة التوظيف الآن ثاني أكثر المدونات شعبية بين أكثر من 50 مدونة تابعة لسيسكو. وفي غضون 6 أشهر، ارتفع عدد متابعي الصفحة الرسمية للشركة على تويتر بنسبة 400%، كما أنها أطلقت حسابها على إنستغرام الذي جذب 2,000 متابع، ومشاركة تجاوزت المعايير السائدة في هذا القطاع – وكانت النتيجة أن ارتفع عدد زوار موقع الوظائف من خلال هاتين المنصتين.

إنّ أفضل طريقة لجعل الموظفين لديك صنّاعاً رائعين لمحتوى موقع الشركة عبر الإنترنت هي الالتزام بوعودك، ووفقاً للدراسة التي أجريناها، فإنّ 50% من الموظفين الذين ينظرون إلى شركتهم على أنها تفي بوعودها؛ يقومون باستخدام قنوات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم لمشاركة أصدقائهم حول آخر ما تقوم به الشركة، مقارنة بـ32% من الموظفين في الشركات التي تهمل وعودها.

امنح شركتك مساحة للنمو

إنّ رغبتك بأن تتحلى شركتك بالمصداقية لا ينبغي أن يمنعك من التطلع لأن تكون أفضل، وقد لا تكون حالة شركتك اليوم هي ما تهدف إليه؛ ولكن إذا كان بإمكانك إحراز تقدم في ذلك الاتجاه، فيجب أن يكون ذلك التقدم جزءاً من واقعك الحالي. في الواقع، يمكن أن تكون سمعة شركتك من دون تطلعات مستقبلية عبارة عن مجموعة من الوعود غير المحققة، والتي لن تجذب الموظفين للنظر عن كثب.

وكحال عناصر هوية الشركة الأخرى، يمكن لصاحب العمل أن يبني سمعة جيدة من خلال مزيج من العناصر المختلفة:

عناصر الترغيب. وهي العناصر التي يجب على صاحب العمل أن يعرضها على الموظفين مقابل انضمامهم للشركة، مثل الأجور التنافسية وفرص الترقية.

العناصر القائمة. هي عناصر تجربة الموظف التي لطالما عُرفت عن الشركة وستبقى دائماً، مثل قيم شركة جونسون آند جونسون؛ المبينة على عقيدة قامت بصياغتها العائلة المؤسسة في العام 1943، أو فلسفة شركة زابوس حول "خلق المتعة وإضفاء القليل من الغرابة" في مكان العمل.

العناصر التطلعية. هي الأهداف التي لم تحققها الشركة بعد، ولكنها تعمل بجدية نحو تحقيقها، غالباً بهدف تمييز نفسها عن المنافسين. على سبيل المثال، قد تسعى شركة مصنّعة لإنشاء مكان عمل رقمي كأسلوب للتميّز، صحيح أنها قد لا تصبح بمكانة شركة آبل بين عشية وضحاها، ولكن يجب أن يكون هناك تقدم تراكمي مع مرور الوقت.

قبل إدراج العناصر التطلعية، يجب على الشركات أن تسأل الموظفين، "هل نحن قريبون كفاية من هدفنا بأن تكون هذه العناصر قابلة للتحقيق؟"، فإذا كانت الإجابة "لا"، فربما يجب إعادة التفكير بشأنها.

من المؤكد أنّ تطلعات اليوم هي بمثابة رهان للغد، لذا يجب على الشركات أن تتصرف بسرعة لتحسّن تجربة الموظف وتعكس تلك التحسينات على عملية تسويق التوظيف لديها. في النهاية، يجب على الشركات أن تعترف بأنّ سمعة صاحب العمل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسمعة الشركة، ويجب أن يؤخذ بأي جهد لتحقيق تلك المصداقية إلى ما هو أبعد من المستهلكين؛ ليصل إلى الأطراف الأخرى من أصحاب المصلحة وخاصة الباحثين عن العمل الذين سوف يختبرون تجربتهم الخاصة لديك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!