ليس من السهل على الإنسان أن يصبح مديراً للمرّة الأولى. فيوماً ما وبينما تكون سعيداً بإنجاز أعمالك وتسعى إلى تحقيق أهدافك، تجد فجأة بأنّ حياتك قد انقلبت رأساً على عقب. فعوضاً عن التركيز على نفسك، يتعيّن عليك أن تركّز اهتمامك على الآخرين، ويتعيّن عليك أن تحفّز الآخرين، وأن تبني العلاقات مع فريقك، وأن تعطيهم آراء بنّاءة لتحسين أدائهم. كما يجب أن تتعاطف مع الآخرين وأن تظهر تفهّمك واحترامك لهم. ويجب أن تكون مباشراً وحازماً، لكن لا يجب أن تبالغ في هذه الحالة بحيث تدفع الآخرين إلى التوقف عن الإنجاز والمبادرة. ويتعيّن عليك تحمّل المسؤولية، ولكن في الوقت ذاته يجب أن تمنح الآخرين الاستقلال الذاتي المطلوب لكي ينمو. ولا شكّ في أن هذه التغييرات يمكن أن تصيبك بالدوار وهي غالباً تتطلّب مجموعة جديدة بالكامل من المهارات.

والآن تخيّل بأنّك مضطر إلى أن تقوم بكل هذه الأشياء في بلد أجنبي، لا يقع خارج نطاق مساحتك الشخصية المريحة، بل يقع خارج نطاق ثقافتك التي ترتاح لها أصلاً. فهنا أنت أمام صعوبة مزدوجة في تولّي السلطة وقيادة فريق للمرّة الأولى في ثقافة جديدة تختلف فيها التفاصيل الصغيرة والدقيقة للإدارة اختلافاً كاملاً.

فأنا أعرف مديراً أمريكياً في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، كان يعتقد بأنه مدير رائع بما أنّه كان خصّ أحد الموظفين بالمديح العلني أمام أقرانه مشيراً إلى إنجازاته الملفتة للانتباه، لكنّه فعلياً تسبّب بإحراج كبير للموظف الذي أحسّ بإحراج كبير جرّاء المدح الذي تلقّاه أمام المجموعة. وهذا مثال على تصرّف معيّن قد يكون مفيداً ضمن بيئة ثقافية معيّنة – مثل الولايات المتّحدة الأمريكية في المثال الحالي – لكنّه قد يكون ضارّاً في بيئة ثقافية أخرى.

وبالتالي، ما الذي يمكن للمدراء الجدد في الدول الأجنبية أن يفعلوه ليسهّلوا على أنفسهم هذه المرحلة الانتقالية التي ستكون حتماً محفوفة بالكثير من التحدّيات؟

أوّل شيء يجب فعله هو التغلّب على التحدي الثقافي الذي تواجهه. وهذا الأمر يقتضي فهم الثقافة الجديدة واستيعابها بأكبر قدر ممكن – مثل قواعد التواصل، وكيفية إدارة الاجتماعات، وكيف يتبادل الناس المديح عادة بين بعضهم، إلخ. وثمّة أمر آخر لا يقلّ أهمية ألا وهو الإطلاع بدقة على خلفية الأشخاص الذين ستعمل معهم. هل أعضاء فريقك هم من “المواطنين المحليين” – أي أناس يتحدّثون لغة واحدة وعاشوا وعملوا طوال حياتهم في بلدهم الأصلي؟ أم أنهم أشخاص ينتمون إلى مختلف دول العالم ويتمتّعون بصفات عالمية حيث أنهم عاشوا ودرسوا وسافروا وعملوا في أنحاء الكرة الأرضية وربما يتحدّثون عدّة لغات بطلاقة؟ قد يكون لديك على الأرجح مزيج من الاثنين. وبالتالي من الضروري أن تكون مطلعاً على ثقافات الناس العاملين معك في الفريق، بحيث يساعدك ذلك في تكوين فكرة حول الأساليب التي يمكنك استخدامها معهم ليقدّموا أفضل ما لديهم. وبطبيعة الحال، فإنّ الخلفية الثقافية الوطنية هي مجرّد دليل تقريبي غير دقيق بالضرورة وسيكون تأثيرها على بعض الناس أقوى من تأثيرها على بعضهم الآخر. ولكنّك يجب أن تتمتّع بفهم مفصّل للخلفيات الشخصية لزملائك ولطباعهم الشخصية أيضاً لكي تكتمل الصورة لديك.

بعد ذلك يتعيّن عليك أن تدرس الطريقة التي قد تحتاج إلى الاستعانة بها لكي تكيّف وتعدّل أسلوبك في العمل. وقد يعني ذلك التصرّف بطريقة مخالفة للطريقة التي لطالما اعتدت عليها، أو للطريقة التي تتخيّل بأن المدراء المنحدرين من ثقافتك ذاتها سيتصرّفون بها في وضع معيّن. ودعني أعطيك مثالاً هنا: فقد واجه أحد المدراء الألمان معاناة كبيرة ولمدّة أشهر في محاولته لتحفيز موظفين الأمريكان. فمن وجهة نظر هذا المدير – وبصراحة من وجهة نظر الكثير من الألمان الذين أعرفه – لا داعٍ لتوجيه المديح إلى الموظفين لمجرّد أدائهم لوظيفتهم المطلوبة منهم. فهم برأيه لا يجب أن يحظوا بالمديح إلا إذا بذلوا جهوداً استثنائية وحققوا نتائج غير اعتيادية. لكن لم يكن هذا هو ما اعتاد عليه زملاؤه الأمريكان في الولايات المتّحدة. فهم كانوا يتوقون إلى تلقي الآراء الإيجابية بعملهم، حتى لو كان الأمر مرتبطاً بأعمال وإنجازات يومية صغيرة نسبياً. وعندما أخفق هذا المدير الألماني في توجيه المديح خلال سلسلة من المشاريع، وصل إلى درجة كان فيها على وشك أن يخسر فريقه تقريباً.

لحسن الحظ، أدرك المدير الألماني هذا الأمر وفكّر في الطريقة الأنسب لتعديل أسلوبه في الإدارة. فبدأ يوجّه المديح إلى موظفيه الأمريكان، حتى في حالة “الإنجازات الصغيرة جدّاً”. في بداية الأمر، أحسّ بشعور غريب وبأنّ الأمر كان غير ضروري، ولكن مع مرور الوقت، بات الأمر بالنسبة له مُعتاداً. والأهم من كل ذلك هو أنّ التغيّر الذي طرأ على سلوكه أحدث فرقاً كبيراً، حيث أن فريقه الأمريكي بات يعمل بجدّ أكبر وبدأ يثق به.

في الحالات الأخرى، يمكنك أن تعدّل أسلوبك ليصبح أسلوباً جديداً هجيناً يستند إلى مزيج من عدد من الثقافات. وإليك هذا المثال من الهند، حيث قام مدير أمريكي جديد كان يؤمن بعمق بالأسلوب التشاركي في الإدارة، وبشكل خاطئ بتطبيق فلسفته ضمن ثقافة وعلى مجموعة من الموظفين الذين لم يكونوا معتادين على الإطلاق على المشاركة. فعندما طلب هذا المدير الأمريكي من موظفيه الهنديين الجدد المشاركة في عملية اتخاذ القرار، افترضوا بأنّه شخص لا يفقه ما يفعل. وعوضاً عن أن يولّد لديهم إحساساً بروح العمل الرفاقي، وكان هذا هو هدفه الأصلي، فإن استراتيجيته ارتدّت عليه وأعطت نتائج سلبية، وانتهى به المطاف إلى خسارة احترام زملائه له.

لكنّه اتّخذ خطوات لتصحيح الوضع. فقد عمل على إيجاد مزيج بين طبيعته التشاركية والخيار المفضّل لدى زملائه الهنود بوجود هرمية وتراتبية في العمل. وعوضاً عن مطالبة أعضاء الفريق بتقديم آرائهم دوماً (وهذا أسلوب تشاركي بحت) أو إخبارهم ببساطة ماذا يريد (وهذا أسلوب تراتبي هرمي)، فقد اشترط على كلّ موظف تقديم ثلاثة اقتراحات، يقوم هو بعدها بدراستها قبل اتخاذ قراره النهائي. وقد أعطته هذه الطريقة المشاركة التي كان يتوق إليها ولكن بأسلوب جديد كان مناسباً للسياق الجديد. وبالتالي فإن المدراء الجدد يجب أن يكونوا مستعدّين لتكييف أسلوبهم بهذه الطريقة من أجل إيجاد سبل تضمن لهم العمل بفعالية دون التفريط بنزاهتهم خلال العمل.

ليس هناك شك بأن تولّي منصب إدارة جديداً ضمن ثقافة جديدة هو أمر محفوف بالتحدّيات، وفي بعض الأحيان قد يجعل الإنسان يشعر بالإنهاك. لكنّ ذلك قد يشكّل فرصة كبيرة للتعلّم. فكلّما ازداد فهمك للثقافة والناس من حولك، كلّما كنت قادرة على ممارسة الإدارة بأسلوب جديد يناسب البيئة الخاصّة التي تعمل فيها منذ اللحظة الأولى لوصولك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!