تابعنا على لينكد إن

روى لنا أستاذ مادة الاقتصاد الرائع في بريطانيا، السيد فروست، قصة شخصين كانا يتحدثان عن محاضرة ألقاها الراحل ميلتون فريدمان صاحب النظرية النقدية، حيث قال الأول: “منذ عشرين عاماً، حضرت محاضرة لفريدمان وكانت أسوأ محاضرة سمعتها في حياتي، لا زلت أتذكر كيف كان يتمتم طوال الوقت ولم أتمكن تمييز شيء من كلامه سوى كلمة (نقود)”. فأجابه الشخص الثاني قائلاً: “إذا كنت لا تزال تذكر الفكرة الرئيسية لهذه المحاضرة بعد مرور عشرين عاماً، فأنا أعتقد أنها أفضل محاضرة سمعتها على الإطلاق”.

وبالفعل، فإنّ نظرية فريدمان الوحيدة، والتي يقول فيها أنّ السيطرة على موارد الأموال هي الوسيلة لجعل الاقتصاد بأكمله يستقر، أصبحت أهم نظرية اقتصادية مؤثرة في النصف الثاني من القرن العشرين.

ليست الفكرة الاقتصادية هي هدفي من هذه القصة، إنما الفكرة الإنسانية، وهي أنك إذا حاولت أن تقول أشياء كثيرة لن يكون كلامك له مغزى إطلاقاً.

اتضح لي جلياً من خلال الكلمات الرئيسية التي أُلقيها في المؤتمرات، أنك إذا تناولت مواضيع كثيرة في محاضرتك، بعد مرور عشرين يوماً لن يتذكر أحد من الحضور رسالتك، فما بالك بعشرين عاماً.

تُعتبر صعوبة التواصل في المؤتمرات هائلة. إذ أنه غالباً ما يتم جمع أكثر من عشرة محاضرين كلهم يحملون في جعابهم أفكاراً أكثر من اللازم. أضف إلى ذلك استخدام المشاركين لهواتفهم الذكية التي تشتت انتباههم. وبحسب دراسة في مجلة تايم، يفتح مستخدمو الهواتف الذكية أجهزتهم بمعدل 110 مرات يومياً، وتصل إلى 900 مرة كحد أقصى.

كان أفضل إطراء سمعته على الإطلاق عندما قالت لي مُنظمة المؤتمر أنها لم تر أحداً من المشاركين يُمسك أي جهاز رقمي خلال محاضرتي. بالطبع، لا يحصل ذلك في كل مرة. لكن، عبر المحاولة وارتكاب الأخطاء على مدى عدة أعوام، تعلّمت كيف أضمن إيصال رسالتي وسط ضجيج الأفكار الجانبية. وإليك بعض النصائح:

1لا يمكنك إيصال ما لم تحدده

كان عليّ العمل مرة مع فريق من المدراء التنفيذيين، وكانوا يريدون إيجاد رسالة راسخة لمبادرة جديدة ينوون إطلاقها. لكن بعد إجراء عدة مقابلات مع المدراء وتسجيلها على الفيديو، أدركت أنّ المشكلة ما هي إلا مشكلة استراتيجية متنكرة بهيئة مشكلة تواصل. إذ أنهم تمكنوا من إيصال الرسالة بفاعلية أكبر فقط عندما تمكنوا من تحديدها بوضوح أكبر. وكان هذا يعني تحديد ماهية مبادرتهم. ووجدت أنه من المفيد تصميم الرسالة على أساس الأفكار المساعدة التالية: “أنا أدرّس (هذا الموضوع المحدد) لهذا (الجمهور المحدد) من أجل (هدف تعليمي محدد أو دعوة واضحة للعمل)”.

2دعك من عرض الشرائح وقم بإجراء الحوار مع الجمهور

شاركت مؤخراً في مؤتمر SXSW)) الذي أقيم في أوستن، ضمن ولاية تكساس، والذي يجتذب الآلاف من القادة المبدعين في مجال الأعمال. وعندما ألقيت محاضرتي، كانت القاعة تمتلئ بطاقة كبيرة، وعندما شعرت بها تركت عرض الشرائح وأجريت حواراً مع الحضور. طرحت سؤالاً واحداً أساسياً، وهو: “لماذا ينخدع الأذكياء بالأمور التافهة؟”. قام الكثيرون بمشاركة آرائهم وناقشنا كلّ التعليقات التي تراوحت ما بين “لقد تعلمنا منذ اليوم الأول من دراستنا اتباع التعليمات دون مناقشة”، و”إننا مستغرقون في العمل، لدينا الكثير من الأمور التي علينا القيام بها”.

وعوضاً عن الانتقال ببساطة بعد ذلك إلى سؤال آخر، قمت بتوجيه المحادثة لتعود إلى السؤال ذاته. واستمرينا في التعمّق فيه والحوار حتى أصبح أغنى. لو استخدمت الشرائح لما كان من الممكن إجراء حوار كهذا. وبعد انتهاء المحاضرة قال أحد المشاركين أنّ الحوار كان أبرز ما في المؤتمر، وقال آخر أنها كانت أكثر جلسة تفاعلية في المؤتمر بأكمله. إذن، يدفع عرض الشرائح الناس إلى الجلوس ساكنين في مقاعدهم بينما تجعلهم الحوارات ينهضون منها للمشاركة والتفاعل.

3تخلّ عما تحب

يقول ستيفان كينغ: “كي تتمكن من كتابة قصة واقعية عليك أن تتخلى عن الأمور التي تحبها، تخلّ عنها حتى عندما يكسر ذلك قلب الكاتب الأناني داخلك، تخلّ عنها”.  يمكن تطبيق هذا النوع من التنقيح الذاتي للعمل على سرد الحكايات. يقول جاك دورسي المدير التنفيذي لشركة سكوير ومؤسس شريك لتويتر، أنّ وظيفته الأساسية يجب أن تكون رئيس المحررين في الشركة كي يتمكن من تقديم قصة واحدة مترابطة للعالم.

4كرّر دون أن تكون مملاً

في مؤتمر معهد تشارترد للعلاقات العامة (CIPR)، شرح مستشار الاتصالات الأسبق الخاص بتوني بلير، ألاستير كامبل، الصعوبات التي نواجهها اليوم في إيصال رسالة أو فكرة ضمن عالمنا المليء بالضوضاء بأنها تشبه كونك في غرفة كبيرة فيها حائط أبيض بعيد في الجهة المقابلة لك، ومهمتك أن تلونه باللون الأزرق بواسطة مسدس الطلاء فقط. فتقوم بإطلاق كرة من الطلاء لتضرب الحائط وتترك أثراً صغيراً جداً باللون الأزرق. لقد أطلقت رسالتك لمرة واحدة ولكنها لا تزال بلا حجم يُذكر. لذا، تطلق كرة أُخرى وراءها، ثم أُخرى وأُخرى، وتستمر بإطلاق الكرات بإصرار كبير إلى أن تنظر إلى الحائط فلا تتمكن من تحديد لونه، أهو أبيض أم أزرق؟، يقول كامبل: “هذا افضل ما يمكنك توقعه”.

ولكن قبل أن تكرر نفسك، عليك أن تحدد الرسالة التي تريد إيصالها وترسيخها. بمعنى آخر، عليك وضع الأولويات.

عندما نذكر كلمة “أولوية” نقصد بها الأمر الأول أو الأهم. صحيح أننا أصبحنا نستخدم كلمة “الأولويات” بصيغة الجمع لنُشير إلى عدة أمور هامة، لكن فعلياً، هل يمكن لنا أن نتعامل مع أكثر من أمر واحد كأولوية؟، وكذلك، إذا حاولت إيصال عدة رسائل مختلفة معاً ستضعف رسالتك الأهم ولن تتمكن من إيصالها وترسيخها كما يجب.

سواء كنت مديراً تنفيذياً تُحضّر لإلقاء كلمة رئيسية هامّة أو كنت تعمل بتنظيم مناسبة أو حدث ما (وهي أكثر وظيفة يُساء تقديرها على الإطلاق)، فعليك أن تؤثر في المشاركين وتكون مُلهماً لهم. ويجب أن تحقق كلمتك نجاحاً باهراً لا أن تكون مجرد كلام عابر آخر يصبح طي النسيان ما أن ينتهي. وسترغب بالتأكيد أن يأتي المشاركون إليك بعد أشهر، بل سنوات، ليشكروك على إلقاء ذاك الخطاب أو إحضار ذاك المحاضر. يمكنك فعل ذلك إذا تدربت جيداً على استخدام مبدأ “خير الكلام ما قلّ ودلّ”. ذلك ما سيجعل الناس يقولون عن محاضرتك “أفضل محاضرة سمعتها في حياتي”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz