إذا كنت تطمح لأن تكون قائداً عظيماً فاحرص على أن تكون حاضراً

5 دقائق
كيف تصبح قائداً عظيماً
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عملنا قبل بضع سنوات مع مدير شركة أدوية متعددة الجنسيات كانت تعد من الشركات ضعيفة الفاعلية في مجالي التواصل الوظيفي والقيادة. وعلى الرغم من محاولاته إدخال تغييرات، فإنه لم ينجح في ذلك. ومع تزايد شعوره بالإحباط، بدأ يتتبع الوقت الذي يقضيه مع كل من مرؤوسيه المباشرين، وفي كل مرة يتلقى فيها آراء أو ملاحظات سيئة، كان يفتح مفكرته ويشير إلى بياناته ويقول بصوت عالٍ: “لكن انظروا إلى كمّ ِالوقت الذي أقضيه مع كل واحد!”. فكيف تصبح قائداً عظيماً؟

تحسنت الأمور عندما بدأ يقضي عشر دقائق يومياً في ممارسة اليقظة الذهنية. بعد شهرين، وجده المحيطون به أكثر قدرة على التواصل، ووجدوا أن العمل معه بات أسهل، وزادت قدرته على إلهامهم. لقد فاجأته النتائج وأعجبته. لكن المفاجأة الحقيقية، هي أنه عندما نظر إلى جدول عمله وجد أنه كان يقضي في المعدل وقتاً أقل بنسبة 21% عن ذي قبل مع مرؤوسيه المباشرين.

فما الفرق؟ الفرق هو أنه كان بالفعل معهم.

لقد أدرك أنه على الرغم من وجوده في الغرفة نفسها مع أحدهم فإنه لم يكن حاضراً تماماً على الدوام معه. كان ينشغل بالتفكير في أمور وأنشطة أخرى، أو يدع ذهنه يشرد نحو أمور أخرى. وما كان يحدث معظم الوقت هو أنه كان يستمع لصوته الداخلي عندما يتحدث إليه أحدهم. وبسبب عدم حضوره، شعر الناس بأنه لا يستمع إليهم، وأصيبوا بالإحباط.

أصواتنا الداخلية هي التعليقات التي تصدر عنا وتحدثنا عن أمور نختبرها في حياتنا. قد تقول لنا شيئاً مثل: “ليته يتوقف عن الكلام”. أو “أعرف ما الذي ستقوله”. أو “سمعت كل هذا من قبل”. أو “هل أجاب جو على رسالتي يا تُرى؟”.

لإشراك البشر الآخرين حقاً وإنشاء روابط ذات معنى معهم، نحتاج إلى إسكات أصواتنا الداخلية، وإلى أن نكون حاضرين تماماً، ومن ثم فإن المزيد من اليقظة يمكن أن يساعدنا على ذلك.

كجزء من البحث الذي نجريه من أجل كتابنا المقبل بعنوان: “عقل القائد (The Mind of the Leader)، قمنا باستطلاع آراء أكثر من 1,000 من القادة الذين أشاروا إلى أن الحضور اليقظ هو الاستراتيجية المثلى لإشراك مرؤوسيهم وخلق روابط أفضل معهم وتحسين الأداء.

اقرأ أيضاً: 6 مهارات أساسية يجب على كل قائد تملكها وممارستها

وهو ما أكدته أبحاث أخرى. ففي بحث شمل 2,000 موظف، وجدت شركة “باين آند كومباني” (Bain & Company) أنه من بين 33 سمة قيادية، بما في ذلك تحديد أهداف مقنعة، والتعبير عن الأفكار بوضوح، وتقبل المدخلات، تعد القدرة على الحضور اليقظ (وتسمى أيضاً التمركز (centeredness)) الأكثر أهمية على الإطلاق.

وتقترح الأبحاث أيضاً وجود علاقة مباشرة بين يقظة القادة الذهنية ورفاهية موظفيهم وجودة أدائهم. وبعبارة أخرى، كلما ازداد حضور القائد مع مرؤوسيه، تحسن أداؤهم.

كيف تصبح قائداً عظيماً؟

بناءً على عملنا، إليك بعض النصائح والاستراتيجيات التي قد تساعد في سعيك إلى أن تكون أكثر حضوراً في حياتك اليومية.

كن هنا الآن

مثل كل الرؤساء التنفيذيين، لدى دومينيك بارتون، المدير الإداري العالمي لشركة “ماكنزي آند كومباني” (McKinsey & Company)، جدول يومي من الاجتماعات المتواصلة. كل هذه الاجتماعات مهمة، وتشتمل جميعها على معلومات معقدة، ويتطلب معظمها اتخاذ قرارات بعيدة المدى. في ظل هذه الظروف، يصعب ضمان الحضور لحظة بلحظة، واجتماعاً بعد اجتماع. ولكن الحضور ليس مسألة خيار في تجربة بارتون. إنه ضرورة.

قال لنا: “عندما أكون مع الناس خلال اليوم، أبذل قصارى جهدي للتركيز، ولكي أكون حاضراً معهم. ويعود سبب ذلك في جزء منه إلى أنني أحصل على الطاقة من وجودي بين الناس. لكن الجزء الآخر هو أنه إن لم تكن مركزاً، وإن لم تكن حاضراً، فسيشعر الآخرون بالإحباط. سيفقدون حماسهم. إذا لم تكن حاضراً، أعتقد أنه من الأفضل ألا تعقد الاجتماع. قد يكون من الصعب أحياناً أن تفعل ذلك، ولكنه يظل مهماً”.

اقرأ أيضاً: كيف تغدو قائداً أكثر شمولاً؟

الشخص الجالس قبالتك لا يعرف ما الذي واجهته قبل لحظات، وليس مطلوباً منه أن يعرف. تقع على عاتقك مسؤولية الظهور والحضور الكامل للاستفادة بفاعلية من الوقت المحدود المتاح لك مع كل شخص تقابله.

يؤمن بارتون أن الحضور اليقظ يتطلب الانضباط والمهارة. فأنت بحاجة إلى الانضباط لمواصلة المهمة، وعدم الانحناء أمام التحديات المزعجة أو ترك صوتك الداخلي يشتت انتباهك. وتحتاج إلى المهارة لكي تتمتع بالقدرة الذهنية لتبقى مركزاً تماماً وحاضراً تماماً. وهو يشعر برضا تام، عندما يكون حاضراً طوال يوم عمله. ويصبح الحضور حجر الزاوية في الحصول على الفائدة القصوى من كل لحظة يقضيها مع كل شخص.

خطط للحضور

خلال عقد تقريباً من توليه منصب الرئيس التنفيذي لشركة “كامبل سوب” (Campbell Soup) طور دوغلاس كونانت (دوغ) طقوساً للتواصل الجسدي والنفسي مع العاملين في الشركة على جميع المستويات، فيما أسماه نقاط اللمس (touchpoints).

كل صباح، كان كونانت يخصص جزءاً جيداً من وقته للتجوال في المصنع وتحية الناس والتعرف عليهم. كان يحفظ أسماءهم وأسماء أفراد أسرهم. وكان يهتم بصدق بما يجري في حياتهم. كما كتب رسائل بخط يده ليعبر عن شكره لهم وعرفانه بجهودهم المميزة. وعندما كان الناس في الشركة يواجهون أوقاتاً عصيبة، كان يكتب لهم رسائل تشجيعية شخصية. خلال توليه منصبه، أرسل أكثر من 30,000 من هذه الرسائل.

لم تكن مثل هذه السلوكيات بالنسبة إلى كونانت مجرد استراتيجيات لتعزيز الإنتاجية، بل جهوداً صادقة لدعم العاملين في شركته.

افعل أقل وعزز حضورك أكثر

وجدت غابرييل طمسون، النائبة الأولى لرئيس شركة “سيسكو”، أنه عندما يواجهها موظف بمسألة تنطوي على تحدٍ، فإنها في بعض الأحيان تحتاج إلى حل بسيط. ولكن في أكثر الأحيان، تحتاج المشكلة إلى مجرد الاستماع إليها. وعن ذلك تقول: “العديد من المواقف تحتاج ببساطة إلى أذن تسمع وليس إلى إجراء يُتخذ. في كثير من الأحيان، لا تحتاج المشكلات إلى حلول، إنها تحتاج إلى حضور ووقت”. وبالنسبة إلى القادة، غالباً ما تكون القدرة على الحضور التام والاستماع بذهن متفتح هي الطريقة الأقوى لحل المشكلات.

وبصفتك قائداً، يمكن أن يكون دورك ببساطة هو توفير مساحة آمنة للعاملين معك للتعبير عن إحباطهم ومعالجة مشاكلهم. من خلال الحضور اليقظ، تصبح الوعاء الذي يوفر لهم المساحة لمعالجة المشكلة، دون أن تتدخل لحل الموقف أو إصلاحه أو معالجته أو التحكم به. مجرد حضورك يمكن أن يساعد في حل المشكلة. هذا النوع من الحضور لا يحل المشكلة فحسب، بل يحسن كذلك التواصل والمشاركة.

استحضار الذات

أوضح لورين شوستر، مدير الموارد البشرية لدى مجموعة “ليغو” (Lego)، أنه عندما يكون لديه اجتماعات أو عروض تقديمية مهمة جداً، فإنه يستغرق خمس دقائق لاستحضار ذاته. إنه يتصور نفسه يبث الحياة في كل خلية من خلايا جسده. وكما أوضح لنا: “عندما لا تكون حاضراً بالنفس والجسد، أو غير متصل بالبيئة المحيطة بك، لن يكون لديك شعور قوي بالاتجاه الذي تسير فيه أو الغرض منه. تكون مجرد عائم. ويمكن لأقل شيء أن يشتت انتباهك. تساعدني تقنية الالتحام مع جسدي هذه على تصفية ذهني وإعادة شحن طاقتي وتقوية حدسي وتهدئة مشاعري”.

اقرأ أيضاً: الأسئلة التي يتعيّن أن تطرحها على نفسك بصفتك قائداً

بعد هذه الدقائق الخمس من الممارسة، يسير شوستر بشكل مختلف ويتحدث بطريقة مختلفة. يشعر برسوخ أقدامه. وثقل وزنه. ومزيد من النشاط. ونتيجة لذلك، يكون قادراً على الحضور الذهني و الجسدي التام مع من هم حوله. يثبته ذلك في الغرفة مثل صخرة.

عندما يكون لدينا حضور ملتحم يحدث لدينا تحول في الوضعية. بدلاً من الارتخاء ووضع أذرعنا فوق بعضها، والانغلاق حرفياً على أنفسنا، نتخذ وضعية أكثر توازناً واستقامة وانفتاحاً واندماجاً. ويشمل هذا الجلوس بشكل مستقيم وأذرعنا مفتوحة.

هذا التحول في وضعية الجلوس يمكن أن يؤثر على طريقة تفكيرنا وسلوكنا وتواصلنا مع الآخرين. بالطريقة نفسها التي يمكننا من خلالها تحفيز صفات مثل الثقة من خلال اتخاذ وضعية جريئة، يمكننا تحفيز صفات مثل الوعي والتركيز والاندماج والتعاطف من خلال وضعية مستقيمة وراقية.

لاتخاذ وضعية مستقيمة والانفتاح على الآخرين تأثير إيجابي على الكيمياء في أدمغتنا من أجل معرفة كيف تصبح قائداً عظيماً. إنه يحفِّز قدرتنا على القيام بعمليات التفكير الأعلى أداءً. ويتيح لنا إمكانية بلوغ الحكمة التي تأتي من زيادة الوعي، والشعور بالعطف الذي يأتي من زيادة الانفتاح، والثقة التي تأتي من قوة المواءمة العمودية.

اقرأ أيضاً: القائد الجيد لا يخشى أن يكون شخصاً لطيفاً

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!