تابعنا على لينكد إن
لا يعجبني أبداً تعبير "لاعب من الطراز الأول"؛ إذ يعني ضمناً وجود نظام تصنيف يمكن أن يحدد أفضل شخص لمنصب ما. ولطالما يتساءل العاملون في الموارد البشرية كيف نجحت نتفليكس ، التي شغلت فيها منصب كبير المسؤولين عن المواهب من 1998 إلى 2012، في توظيف لاعبين من الطراز الأول فقط. وأقول لهم إن "هناك جزيرة ليس بها سوى لاعبين من الطراز الأول، ولكن القليل منا يعلم مكانها".

شركة أخرى من الطراز الثاني. فلا يوجد صيغة محددة للمقومات التي تؤهل الأشخاص للنجاح. والكثير ممن أعفيناهم من وظيفتهم في نتفليكس لعدم كفاءتهم في ما نقوم به، أظهروا تميزهم في وظائف أخرى. كما أن العثور على الأشخاص المناسبين ليست مسألة تتعلق بما يسمَّى "الملاءمة الثقافية". فما يعنيه معظم الناس حقيقةً عندما يقولون إن شخصاً ملائم ثقافياً، هو أنه شخص يودون تناول القهوة معه وتبادل أطراف الحديث. ولكن قد يكون الناس، على اختلاف شخصياتهم، لديهم قدرة عالية على القيام بالعمل الذي تود إنجازه. كما أن استراتيجية التوظيف هذه، القائمة على تقدير خاطئ، قد تؤدي إلى حرمان الشركة من التنوع، لأنه غالباً ما تتشابه خلفياتنا مع خلفيات الناس الذين نستمتع بقضاء الوقت معهم.

يتعلق توظيف الكفاءات الممتازة بتحديد الشخص الملائم للوظيفة وغالباً ما يكون عكس توقعاتك. ولننظر إلى أنطوني بارك ؛ فمن الناحية النظرية، لم يكن الاختيار الصائب للعمل لدى شركة من شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون . إذ كان يعمل في بنك في أريزونا كمبرمج كمبيوتر وليس كمصمم برمجيات. وكان شخصاً بالغ التحفظ. اتخذنا من أنطوني مثالاً لأنه صمم في وقت فراغه تطبيقاً لتطوير نتفليكس، وكان قد نشره على موقعه الإلكتروني. فقضى يوماً في الشركة يجري المقابلات، وقد أحبه الجميع. وعندما اتصل بي في نهاية اليوم، أخبرته أنه سيحصل على عرض للعمل معنا. وكان يبدو متأثراً للغاية، فسألته إن كان بخير. وقال: "سوف تدفعون لي أجراً عاليًا للقيام بما أحبه!". وكنت أسأل نفسي كيف سيتوافق مع الفريق العالي الكفاءة الذي سينضم إليه، وتمنيت ألا يستنزفه العمل لآخر قطرة.

وبعد مرور بضعة أشهر، جلست في أحد الاجتماعات التي يعقدها فريقه. وكان الجميع يتجادلون حتى فاجأنا أنطوني قائلاً: "هل يمكنني التكلم الآن؟" ساد الصمت في الغرفة ، لأن انطوني لم يكن كثير الكلام، ولكن إذا تكلم، كان ما يقوله بالغ الذكاء للدرجة التي تجعل كلاً منا يتساءل "لماذا لم أفكر في ذلك؟" اليوم، يعمل أنطوني نائباً للرئيس. وهو مثال يؤكد أن المؤسسات يمكنها التكيف مع أنماط عديدة من الناس.

في هذا المقال، سوف أقدم لكم وصفاً عما تعلمته بشأن توظيف الكفاءات الممتازة خلال عملي الذي دام 14 سنة في نتفليكس، ثم عملي في الاستشارات المتعلقة بالثقافة والقيادة. وتتطلب العملية البحث في ما وراء ظاهر الأشخاص وبين سطور سيرتهم المهنية؛ وإشراك المديرين في كل جانب من جوانب التوظيف؛ ومعاملة القائمين على التوظيف في الشركة باعتبارهم شركاء عمل حقيقيين؛ وانتهاج طريقة تفكير تجعلك في عملية بحث دائم عن توظيف الكفاءات؛ وتحديد الرواتب التي تتوافق مع الأداء الذي تحتاج إليه والمستقبل الذي ترنو إليه. وقد تكون ملاحظاتي ذات صلة تحديداً بشركات التكنولوجيا سريعة النمو، حيث تعني سرعة الابتكار وجود حاجة مستمرة للمواهب الجديدة. ومع ذلك، فإن المؤسسات بجميع أنواعها يمكنها الاستفادة من تجديد النظر في ممارساتها الخاصة بالتوظيف والرواتب.


ابحث في العمق


كنا في نتفليكس ، نتوخى الابتكار في طريقة بحثنا عن المواهب، لأننا في أحيان كثيرة نحتاج لأشخاص يتمتعون بمواهب تقنية نادرة. فعلى سبيل المثال، عندما بدأنا البحث عن خبراء في مجال البيانات الضخمة، لم يعرف أحد ما المقصود بكلمة "الضخمة". لم يكن الأمر مقتصراً على البحث في السير المهنية ومطابقتها مع الكلمات الرئيسية للوصف الوظيفي. وكان علينا أن نفكر في كل الأنواع المختلفة للشركات التي تتعامل مع قاعدة ضخمة من البيانات، حيث كان الكثير منها يعمل في مجال التأمين أو بطاقات الائتمان. هذا بالإضافة إلى أن فريقنا القائم على التوظيف كان يفتقر للمعرفة المتعمقة التي تساعده على تقييم المهارات التقنية للأشخاص.

وكانت أفضل موظفة لدينا من القائمين على توظيف الأشخاص التقنيين تدعى بيثاني برودسكي، ولم تكن تعرف أي شيء تقريباً عن التكنولوجيا قبل أن تعمل في نتفليكس، ولكنها كانت بارعة في فهم عملنا والمشاكل الجوهرية التي كان علينا حلها. كما أنها فهمت أن منهجية المتقدم للوظيفة لحل المشكلة أهم من خبرته السابقة.

ومن بين أفضل المقابلات التي أجرتها بيثاني، مع موظف في مركز لورنس ليفرمور (Lawrence Livermore) وهو مركز بحثي حكومي في العلوم النووية. وكانت نتفليكس قد بدأت العمل آنذاك على أجهزة العرض "إكسبوكس (Xbox) وروكو (Roku) وتيفو (TiVo). وفي أثناء المقابلات، كانت بيثاني تقول للمتقدمين إن الشركة سجلت مليون مشترك في أحد هذه الأجهزة في 30 يوماً فقط، وتسألهم أن يخمنوا أياً من الأجهزة الثلاث. وكان تيفو قد بدأ يحقق شعبية، فقال معظمهم "تيفو بالتأكيد". ولكن أحدهم سأل عما إذا كان هناك أية شروط مرتبطة بالحصول على اشتراك نتفليكس في أي جهاز من هذه الأجهزة. فقالت إن المشتركين في إكسبوكس كانوا بحاجة لعضوية ذهبية. وعليه فكر أن الإجابة المنطقية هي إكسبوكس، لأن مستخدميه كانوا بالفعل على استعداد لدفع الاشتراك. وكان محقاً، وعرفت أنه الشخص المناسب لنا. ومرت عليّ لحظة مماثلة في مقابلة مع كريسيتان كايزر، الذي كان يدير مجموعة من 25 مبرمج كمبيوتر في شركة (AOL) وقد حاولت تعيين عدد لا بأس به من المتقدمين من مجموعته، لأنهم كانوا يعملون في نفس نوع العمل التقني الذي نحتاجه. ولكنهم فضلوا جميعاً البقاء في (AOL) وكانت نتفليكس مكان عمل أكثر جاذبية، لذا كنت متحيراً لجهة رفضهم. وعندما سألتهم عن الأمر، كان الرد السائد: "أعمل مع أروع مدير! فهو أفضل شخص أعرفه في التواصل. ولا يمكنني أن أتصور تركه". فقلت للقائمين على التوظيف في شركتنا: "أحضروا لي هذا الشخص".

لم يكن كريستيان كما توقعته، فقد كان يتكلم بلهجة ألمانية ثقيلة، ويتلعثم. أهذا هو الشخص المتميِّز في التواصل؟ كما أنه كان عصبياً بصورة واضحة. دار بيننا حديث مضنٍ ، له ولي. ولكن عندما طلبت منه أن يشرح لي، بعبارات بسيطة، العمل التقني الذي كان يقوم به، أصبح شخصاً آخر .



كان لا يزال يتلعثم في الكلام، ولكنه أعطاني شرحاً ثاقباً، وأدركت لحظتها أنه الشخص المناسب! شخص يتمتع بمهارة تبسيط الأشياء البالغة التعقيد إلى أشياء يسهل فهمها. وبالطبع عينَّاه، ولا يزال من أفضل الأشخاص قدرة على بناء الفريق. كنا نحاول دائماً أن نتوخي الابتكار في طريقة البحث في الأشخاص وسيرهم المهنية. ففي إحدى المناسبات، قررت بيثاني أن تحلل السير المهنية لصفوة علماء البيانات العاملين لدينا، كي تحدد الملامح المشتركة فيما بينهم. وخلصت إلى أن أولئك الأشخاص اشتركوا في ولعهم بالموسيقى. ومنذ ذلك الحين تبني بحثها، هي وفريقها، على توفر هذه الخاصية. وتتذكر قائلة: "قد ينتاب أحدنا الحماس الغامر ويصيح: "وجدتُ شخصاً يعزف البيانو!". فقد استخلصت من هذا البحث أن هؤلاء الأشخاص يمكنهم بسهولة الانتقال من النصف الأيسر إلى النصف الأيمن من المخ وهي مهارة مهمة لتحليل البيانات.

تعتمد شركات عديدة على جهات خارجية للتوظيف. وكانت نتفليكس تنمو بسرعة فائقة حتى أننا اخترنا استراتيجية مختلفة: شكَّلنا فريقاً داخلياً من القائمين على التوظيف ذوي الخبرة. والحقيقة المؤسفة هي أن معظم الشركات تتعامل مع التوظيف باعتباره عملية منفصلة، غير مرتبطة بالأعمال، ولا حتى بالموارد البشرية، ويلجأ العديد من الشركات الصغيرة إلى وكالات خارجية للتوظيف. وكان بناء فريق موهوب من القائمين على التوظيف داخل الشركة استثماراً ضخماً، ولكني استطعت تقديم حجة عمل دامغة لإقدامي على هذا الإجراء: تمكنت من أن أبيِّن بوضوح العائد الذي سيتحقق من شطب التكاليف التي تتقاضاها شركات التوظيف.

فقد وفرنا كماً هائلاً من المال مع مرور الوقت. وكانت الطبيعة التقنية لعمل شركتنا تعني ضرورة مشاركة المديرين في عملية التوظيف بدرجة كبيرة. ففي الحقيقة، ذلك أمر لا بد أن تطبقه كل الشركات. إذ يجب أن يفهم كل مدير باحث عن موظفين منهجية الشركة في التوظيف وكيفية تنفيذها، بإلمامه بأدق التفاصيل. ويتطلب عمل القائمين على التوظيف تدريب المديرين الباحثين عن موظفين. فقد صمم القائمون على التوظيف مجموعة من شرائح العرض لاستخدامها مع كل مدير على حدا. ومن بين الأسئلة التي وردت فيها:

"ما الطريقة التي تتبعها لإجراء المقابلة؟ وما شكل الفريق الذي يجري المقابلات؟ وما العملية التي تتبعها لجعل المتقدمين يحضرون المقابلات؟ ليس مطلوباً منهم التعامل مع المقابلات أو التوظيف بنفس الطريقة، ولكننا نصر على أن يكون لديهم خطة وألا يعتمدوا على الارتجال.

في نهاية الأمر، يتخذ المدير قرار التوظيف بناء على البيانات التي نقدمها أنا وأعضاء فريقي. ولكن المسؤولية النهائية تقع على عاتق المدير، كما يتحمل مسؤولية أداء الفريق الذي شكَّله.

ويجب أن يصاغ كل ذلك من أعلى قمة القيادة. فقد عملت بيثاني في إحدى المرات مع رئيسنا التنفيذي ريد هيستنغز على تعيين شخص في وظيفة إدارية عليا. واجتمعا في صباح يوم خميس لمناقشة أي نوع من المتقدمين تحتاج الشركة إليهم. وبعث ريد رسالة إلكترونية إليها بعد ظهر اليوم التالي ليخبرها أنه بعث رسائل إلى 20 متقدماً واعداً إيجادهم على موقع لينكدإن، وقد حصل على ثلاث إجابات. وقابل أحد المتقدمين عبر سكايب، ونال إعجابه البالغ، وأراد أن يراه في المكتب بداية الأسبوع القادم.



عندما يشارك المديرون الباحثون عن موظفين بنفس الطريقة التي شارك بها ريد في البحث، فإن القائمين على التوظيف يبذلون مجهوداً مضاعفاً أسوةً بهم. فبعد أن تلقت بيثاني الرسالة الإلكترونية التي بعثها ريد، عقدت العزم على البحث عن شخص أفضل مما وقع اختياره عليه. (انتهى بنا الأمر أن وظفنا الشخص الذي رشحه ريد، حيث استمر بذكر ذلك بكل فخر لسنوات عديدة).

يجب أن يفهم رئيس قسم الموارد البشرية تفاصيل أعمال شركتك، وكيف تجني عوائدك، وقائمة عملائك، واستراتيجيتك في المستقبل.

تعامل مع القائمين على التوظيف باعتبارهم شركاء عمل


تتطلب المنهجية التي أنصح بها للعمل أن ننظر إلى القائمين على التوظيف باعتبارهم مساهمين أساسيين في بناء أعمال الشركة. لذا يجب أن يتعمقوا في فهم احتياجات العمل، ويجب أن يعاملهم المدراء الباحثين عن موظفين باعتبارهم شركاء عمل.

والطريقة المثلى لجعل الفريقين يتعاونان، قد تتطلب أن يتصدر المدراء الباحثين عن موظفين هذه العملية. سمعت في يوم من الأيام موظفة من أفضل القائمين على التوظيف لديّ تشكو من أحد التنفيذيين الجدد: "لا يرد على مكالماتي أو رسائلي الإلكترونية. بعثت إليه ملفات السير المهنية ولكنه لم يجبني. وهذا يصيبني بالإحباط لأننا بحاجة ماسة لبناء فريق جيد له". ذهبتُ إليها وقلت: "أعتقد أن الأفضل لكِ العمل مع شخص آخر. سأتولى هذا الأمر بنفسي". ثم بعثت رسالة إلكترونية إليه لأخبره أني أسندتُ إلى الموظفة التي كلفها بالتوظيف مهمة أخرى: "أسندتُ إليها القيام بمشروع آخر، لأنك على ما يبدو لديك منهجية للتوظيف ولست بحاجة إلى مساعدتها. ويمكنك أن تخبرنا عندما تود أن نتدخل ونقدم لك المساعدة. مع خالص ودي، باتي".

لم تمر سوى دقائق حتى كان على مكتبي، في فورة من الغضب، وسألني: "ما هذا الهراء؟". وكانت إجابتي أن سألته: "هل صحيح أنها حددت اجتماعين معك وألغيتهما؟ تبرَّم قائلاً: "أنا مشغول. أقوم بعمل 10 أشخاص". فسألته: "هل صحيح أنها أرسلت إليك عدداً من المتقدمين المؤهلين ولم ترد عليها؟ إنها مهمتك أن تبني فريقاً وليست مهمتها. وبالمناسبة، هناك ثلاثة أشخاص مسرورون أنها لن تقضي الوقت في مساعدتك. إنها شريك ممتاز؛ ويمكنها حقاً أن تساعدك في هذا الأمر. ولكن إذا لم تكن بحاجة إليها، فلا بأس". وحيث أدرك احتياجه لها كي تساعده على تعزيز فريقه، تبدَّلت نبرته وبدأ في معاملتها باحترام.

كم يغضبني رؤية المدراء الباحثين عن موظفين يستهينون يقيمة موظفي الموارد البشرية الذين يمتلكون كفاءة عالية. وعادةً لدى سؤالي لهم عن السبب في عدم انخراطهم بصورة أكبر مع القائمين على التوظيف، تكون إجابتهم: "حسناً، ليسوا بهذه الدرجة من الذكاء، ولا يفهمون حقاً طبيعة عملي، أو كيف أستخدم التكنولوجيا". وأرد عليهم: "إذن، عليك أن تبدأ في التوقع بأن يفهموا هذه الأمور، ويجب أن تطلب منهم ذلك!" إذا عيَّنت أشخاصاً أذكياء؛ فلا بد أن تصر على أن يكونوا موجهين لطبيعة العمل؛ وأن تشركهم في تسيير الأعمال، وهو ما سيجعلهم يتصرفون مثل رجال الأعمال.

بل إني في بعض الحالات أنصح الشركات بأن تعيَّن رجال أعمال لتسيير قسم الموارد البشرية، بدلاً من تعيين متخصصين في الموارد البشرية. ومثل أي رئيس إدارة أو قسم، يجب أن يفهم رئيس الموارد البشرية تفاصيل عملك، وكيف تجني عوائدك، وقاعدة عملائك، واستراتيجيتك للمستقبل.

كن دائم البحث عن موظفين


لدينا مقولة في نتفليكس، تحثنا على "مداومة البحث عن موظفين!"

وكان المتقدمون للعمل يأتون من كل مكان – من المؤتمرات، ومن مقصورة مشاهدة مباراة كرة قدم الأطفال، ومن الأحاديث على متن الطائرات. ولكن كان هناك أساسيات محددة تُنفَّذ تنفيذاً صارماً؛ إذ إن المقابلة وعملية التوظيف يعطيان انطباعاً أولياً قوياً حول طريقة عمل شركتك، سلباً وإيجاباً. لذا كنت أتبع قاعدة صارمة تستوجب من الموظفين أن يتوقفوا للتحدث إلى أي شخص غريب يرونه يجلس وحيداً في مقر الشركة في انتظار مقابلة، بأن يقولوا له "أهلاً، أنا ____. هل أنت هنا من أجل مقابلة عمل؟ دعني أطلع على جدولك، وسأساعدك على العثور على الشخص التالي الذي سيقابلك". وفي حال التأخر عن موعد مقابلة، أعتذر للمتقدم قائلاً: "آسف على التأخير، أرجو أن يكون قد تحدث معك أحد موظفي الشركة، وتكون إجابته: "ستة أشخاص تحدثوا معي".

إن عملية التوظيف بالغة الأهمية لدرجة أن المقابلات تتقدم على أي اجتماع سبق أن حدده المدير الباحث عن موظف، فهذه المقابلات هي السبب الوحيد التي يتغيب من أجلها الموظفون عن اجتماعات التنفيذيين لدينا. والمتقدمون للعمل يقيِّمونك، تماماً مثلما تقيِّمهم. وهي نقطة ينساها الناس. وكان هدفنا أن يخرج كل شخص من المقابلة، ولديه رغبة في العمل معنا. وحتى لو لم ينل إعجابنا، كنا نريده أن يفكر في أنها كانت تجربة رائعة. أُجريت المقابلة بكفاءة وفعالية، وبدأت في الوقت المحدد، وكانت الأسئلة مهمة، واتسم الحاضرون بالذكاء، وعاملوني باحترام . وكنت أقول للموظفين: "حتى لو لم يكن الشخص مناسباً، لعل زميله يعجبنا".

كنا نتصرف بأسرع وقت ممكن، حالما اتخذنا القرار: فلا داعي لإجراء مقابلات على مستويين إداريين، قسم الرواتب وقسم الموارد البشرية. وكان فريقي يعمل مباشرةً مع المديرين الباحثين عن موظفين من أجل تحديد الرواتب، واسم الوظيفة، وغير ذلك من التفاصيل. فكان القائمون على التوظيف يضعون الأساس؛ والمديرون الباحثون عن موظفين يقدمون العروض. وغالباً ما كانت السرعة والكفاءة تعنيان أن بوسعنا أن نظفر بالمتقدمين الذين أجروا مقابلات عمل مع غيرنا من الشركات الكبيرة.

ضع الرواتب المنطقية من وجهة نظرك                                                  


لا شك في أن الرواتب التنافسية ضرورية لجذب المواهب الممتازة. وتود كل شركة أن تكون رواتبها مناسبة وفقاً للسوق، ولكن ذلك قد يكون أمراً صعباً. وهناك موارد متطورة بصورة مذهلة للحصول على معلومات عن الرواتب؛ بحيث تقدّم بعض الدراسات معلومات تفصيلية للرواتب في كافة المستويات وفي مختلف القطاعات، لكن تبقى هذه الدراسات عاجزة عن قياس مدى تعاون الموظف وخبراته بشكل كامل.

فعلى سبيل المثال، أنت بحاجة إلى مهندس برمجيات. هل تحتاج مبرمجاً أقدم له باع طويل في أفضل التقنيات الحديثة المعنية بتطوير محركات البحث؟ هل سيكون هذا الشخص مديراً على خمسة موظفين؟ كذلك، يجب أن يفهم هذا الشخص نظم الإعلان الرقمي فهماً كافياً يؤهله للعمل مع استراتيجية التسويق والإعلان الرقمي؟ ولن تعطيك الدراسة معلومات حول الراتب الذي يحصل عليه هذا الشخص في وظيفته الحالية - أو الراتب الذي يجب أن تمنحه إياه. وسيقضي قسم الرواتب وقتاً طويلاً لمقارنة المواصفات وتعديلها وفقاً للعوامل الأخرى.

غير أن تلك العملية لا تعطيك سوى قاعدة أساس لفهم خارطة السوق. كم عدد الأشخاص الذين يملكون تلك المؤهلات؟ وكيف تعثر على الشخص المطلوب ، عليك في أحيان كثيرة أن تنحي جانباً حساباتك وتتجاوب مع الطلب الفعلي للسوق. إلا أن طلب السوق قد لا يكون في حد ذاته دليلاً كافياً يمكن الاسترشاد به، لأنه يعكس الوقت الحاضر، والتوظيف هو أمر يتعلق بالمستقبل. وفي أحيان كثيرة، لا يلحق نظام الرواتب السائد بالتطورات التي تحدث مع الوقت؛ لأنه قائم على القيمة التاريخية لما ينتجه الموظفون، لا على إمكاناتهم التي تؤهلهم لإضافة قيمة في المستقبل.

تصوَّر مثلاً أن القائم على التوظيف في شركتك نجح في العثور على مهندسة برمجيات تتمتع بكل المؤهلات المطلوبة، وأن فريقك يحبها؛ إلا أنها حصلت على عرض عمل من المنافس الرئيسي لك براتب أعلى بـ 35,000 دولار مما كنت على استعداد أن تعرضه عليها. وعند تحديد الراتب الذي ستعرضه، عليك أن تنظر في الفارق الذي قد تحققه شركتك في المستقبل إذا عيَّنتها، بدلاً من أن ترضى بالاختيار الثاني الذي قد يكون بعيد المنال، وقد يتطلب ثلاثة أشهر لتوظيف هذا الشخص لأنك ستواصل البحث عمن يتمتع بمهارات الاختيار الأول وموهبته. كم يبلغ العائد الذي سيضيفه ذلك الشخص الذي وقع الاختيار الأول عليه؟ هل ستضمن لك أن تتغلب على منافسيك في إطلاق نظام بحثي جديد ورائع وخاصةً إذا بدأت العمل الآن بدلاً من الانتظار ثلاثة أشهر في مسيرة البحث؟ ما قيمة العائد المضاف الذي قد تجلبه لشركتك بتطوير أهدافك؟ وماذا عن قيمة خبرتها الإدارية،  فربما يقرر عضو رئيسي من أعضاء فريقها، يكون قد حصل على عرض عمل من شركة أخرى، أن يبقى في الشركة لأنها قائدة ممتازة؟ وماذا عن القيمة التي قد تحققها من عدم عملها لدى الشركة المنافسة، لاسيما إذا كان مجالك يشهد تقدماً سريعاً في الابتكار؟ لذا من غير الممكن أن يساعدك طلب السوق الحالي والدراسات المتعلقة بالرواتب على احتساب هذه المكاسب المستقبلية. ولا أقول إن وضع حد أساس للرواتب هو إجراء لا قيمة له، ولكني أنصح بألا تقوم الحسابات التفصيلية المستمرة على ما تقدمه الشركات الأخرى من رواتب لموظفيها الآن؛ لأنها مقارنة ليس بها قواسم مشتركة. والأفضل أن تركز على ما يمكن أن تتحمله ميزانيتك للأداء الذي تحتاجه والمستقبل الذي ترنو إليه. وما إن قدمت عرضاً وعيَّنت شخصاً ما، عليك أن تداوم على تقييم راتبه. فقد تعلمت هذا الدرس خلال فترة شهدت نتفليكس فيها خسائر من مغادرة موظفين بسبب العروض المغرية التي قدمتها الشركات المنافسة. وسمعت في يوم من الأيام أن غوغل عرضت على أحد موظفينا تقريباً ضعف الراتب الذي كان يتقاضاه لدينا، واستشطت غضباً. فقد كان بالفعل موظفاً مهماً، وأراد مديره أن يتصدى لهذا الموقف. وتبادلت رسائل إلكترونية شديدة اللهجة مع مديره واثنين من نواب الرئيس. وكتبت: "غوغل لا تقرر رواتب كل الناس لمجرد أن لديها أموالاً أكثر من ملك الملوك!" وتجادلنا لأيام. وكانوا يقولون لي دائماً "أنت لا تفهم مدى كفاءته!" ورفضت كل ذلك. ولكني استيقظت في صباح أحد الأيام وأنا أفكر "يا إلهي، بالطبع! لا عجب في أن غوغل تريده، إنهم محقون. فقد كان يعمل على تكنولوجيا التخصيص التي كان لها قيمة غير عادية، وكان هناك قلة قليلة من الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الدراية. وأدركت أن عمله معنا منحه قيمة جديدة في السوق، وبعثت رسالة إلكترونية ثانية: "كنت مخطئاً، وبالمناسبة، اطَّلعت على بيان الأرباح والخسائر، ويمكننا مضاعفة رواتب كل موظف في فريقه". غيرت تلك التجربة طريقة تفكيرنا في الرواتب. فقد أدركنا أننا اكتسبنا الخبرات وحققنا ندرة في بعض الوظائف، والالتزام الصارم بحدود الرواتب الداخلية قد يضر بأفضل المساهمين في العمل الذين بوسعهم الحصول على رواتب أعلى في أماكن أخرى. لذا قررنا أننا لسنا بحاجة إلى نظام يدفع بالموظفين أن يغادروا للحصول على راتب جدير بإمكاناتهم. كما أننا شجعنا موظفينا على إجراء مقابلات عمل في أماكن أخرى بصورة منتظمة. فكانت تلك أكثر طريقة فعالة يمكن الاعتماد عليها، كي ندرس مدى تنافسية رواتبنا.

يقول الناس في أحيان كثيرة: "ليس بإمكاننا دفع أعلى سعر. وكان ذلك متوفراً لشركة نتفليكس، لأنها كانت في ازدهار. ولكننا لا ننمو بتلك الوتيرة، ولا نملك الهامش الذي يؤهلنا لذلك". حسناً. ربما ليس بالإمكان دفع أعلى راتب بالسوق لكل وظيفة. في تلك الحالة، أقترح عليكم أن تحددوا الوظائف التي تتطلب أعلى الإمكانات لتعزيز الأداء، وتمنحوا أعلى الرواتب لأفضل الكفاءات التي يمكنكم الحصول عليها. فكروا في الأمر بهذه الطريقة: ماذا لو دفعنا أعلى راتب بالسوق لتعيين شخص يملك موهبة عالية، يمكنه أداء عمل شخصين، أو إضافة قيمة أكبر مما هي عليه؟ فكروا في قاعدة 80/20 الخاصة بمندوبي المبيعات: 20% من مندوبي المبيعات لديكم سيولدون 80% من العائد للشركة. وقد ينطبق الأمر على موظفين آخرين. فقد صادفتً فريقاً تلو فريق تَحقق بفضلهم نفس الأثر.

وثمة اعتراض آخر يرد على مسامعي كثيراً بشأن توظيف أبرع الكفاءات بأعلى راتب، وهو أن رواتبهم ستتجاوز تلك التي يتقاضاها زملاؤهم في الفريق بدرجة كبيرة. وكان المدراء في نتفليكس معتادون على الشكوى من هذا الأمر. فلنقل إننا نحتاج إلى توظيف شخص براتب يشكّل ضعف ما يتقاضاه أي شخص بالفريق. وقد يسأل رؤساء الأقسام في بعض الأحيان: "هل هذا يعني أن أعطي راتباً للموظفين يساوي نصف ما يستحقونه؟ وإجابتي على ذلك: "هل بإمكان هذا الشخص الجديد أن يدفع بنا إلى الأمام أسرع من غيره، بل ربما أن يحقق تقدماً بسرعة مضاعفة؟ وعندما نعيِّنه، مَنْ في فريقك يمكنه أن يحل محله في شركته السابقة؟

وعادةً ما تكون الإجابات مشيدة: "نعم، سيكون بإمكاننا التقدم أسرع بكثير"، و"لا يمكن أن يحل محله أي شخص آخر، لأن ليس لديهم خبرته".

وهذا التركيز على القيمة المضافة التي يحققها فرد بارع له أهمية خاصة عندما تكون الشركة في مرحلة توسع. فقد تلقيت مؤخراً مكالمة من الرئيس التنفيذي لشركة فيها 150 موظفاً. وقال إنهم يتوسعون في نشاط الشركة بما يقتضي زيادة عدد الموظفين إلى 300 موظف، وطلب مشورتي في طريقة تنفيذ ذلك. وقلت له "هذا رقم محدد من الأشخاص. على أي أساس حددته؟" فقال إن شركته ستحتاج إلى مضاعفة حجم عملها. فسألته إذا كان الأشخاص الجدد سيقومون بنفس نوع العمل الذي يقوم به الموظفون الحاليون، أم سيكون هناك أنواع جديدة؟ هل ستطلق الشركة خط إنتاج؟ وإذا ازداد عدد الفرق، فهل سيحتاج مدراء أكثر خبرة؟ وهل يعني مضاعفة العمل زيادة عدد العملاء للضعف؟ إذا كان الأمر هكذا، فعليه أن يعزز خدمة العملاء.



ولكن قد لا يعني ذلك مضاعفة عدد مندوبي المبيعات؛ فربما الاستعانة بالعمالة الخارجية هو حل أفضل. ثم وجهت سؤالاً أعتبره أكثر الأسئلة التي تشحذ الأفكار في هذه الجلسات الاستشارية: "بدلاً من 150 موظفاً جديداً، هل أنت متأكد أنك لا تريد 75 موظفاً ترفع راتبهم للضعف لأنهم يمتلكون ضعف الخبرة المطلوبة، ويمكن أن يرفعوا من مستوى أدائهم؟

فقد وجدت أنك إذا ركزت تركيزاً شديداً على توظيف أفضل الكفاءات التي يمكنك العثور عليها، ومنحهم أعلى الرواتب، فإن فرص نمو أعمالك ستكون أكبر مما ستنفقه على الرواتب".
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!