facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

خلال مسيرتي المهنية في مجال الاستشارات المؤسسية، التقيت عدداً من القادة الذين لم يتلقوا ملاحظات منذ سنوات، أو ربما منذ عقود. ويعود سبب ذلك في جزء منه إلى مدى استعداد الناس لتجنب المحادثات الصعبة. تُظهر دراسة بعد أخرى أن أكثر من 69% من الناس يحاولون تفادي إيصال المعلومات السلبية، وأن 37% لن يقدموا ملاحظات نقدية أبداً. ونتيجة لذلك، لا يزال العديد من القادة يجهلون رأي الآخرين فيهم.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

يشير بحث آخر إلى أنه بينما يعتقد معظمنا أننا نفهم ذواتنا، فإن 10-15% من الناس فقط يفهمون ذواتهم بالفعل. يمكن لهذا الافتقار المتجذر في معرفة الذات أن يخلق انفصالاً بين الشخصية التي نعتزم أن نكون عليها ومن نحن حقاً. قد تكون الملاحظات المتأنية والمدروسة واحدة من أفضل الطرق لسد هذه الفجوة، ولكنها تتطلب زميلاً مهتماً وراغباً في تقديمها. عندما تواجه شخصاً لم يتلق ملاحظات منذ فترة طويلة من الزمن، فإن الطرق التقليدية، مثل (تقييم الأداء بطريقة 360 درجة أو بطاقات قياس الأداء)، تعتبر أقل احتمالاً لدفعه إلى أن يغير سلوكه. أستطيع القول من خلال تجربتي أن النهج الاستراتيجي والحر، أي وجهاً لوجه، هو النهج الأكثر فاعلية في مثل هذه الحالات.

إذا كنت تعمل مع شخص قد مضى وقت طويل عليه من دون أن يتلقى ملاحظات وتريد مساعدته على النمو، فكر في اتخاذ هذه الخطوات للبدء:

1) احرص على أن يكون أسلوبك في الحديث متعاطفاً. أجريت مؤخراً سلسلة من مقابلات التقييم على المستوى التنفيذي لأحد العملاء. فقد انضم أحد المسؤولين التنفيذيين الذين عملت معهم، وسأطلق عليه اسم جهاد، إلى المؤسسة قبل عام تقريباً. خلال عمله السابق الذي استمر لمدة 20 عاماً، لم يتلق جهاد أي ملاحظات رسمية، على الرغم من أن تقييمات الأداء بطريقة 360 درجة كانت روتينية في المؤسسة. بعد إجراء مقابلة واحدة، قالت لي إحدى أعضاء فريقه: "أشعر بالرعب بشأن الأمور التي قلتها عن جهاد، إذ إنه لا يمتلك أدنى فكرة حول عدم سرورنا بالعمل معه". عندما سألتها عن السبب الكامن وراء أن أحداً لم يعطه ملاحظات في وقت سابق، بدا ترددها واضحاً لي. كان لدى جميع زملاء جهاد العديد من الأمور السلبية ليطرحوها حول مدى صعوبة العمل معه، لكنهم امتنعوا تماماً عن إخباره ذلك بصورة مباشرة.

نتيجة لذلك، شعر جهاد بالصدمة عندما علم برأي الآخرين فيه. كان يعتقد أن زملاءه يقدرون نهجه "البسيط والمباشر"، لكنهم وجدوه متسلطاً ومسيئاً في الواقع.

يتطلب تقديم الملاحظات التي تكشف عن فجوة واسعة حول إدراك الذات، قدراً أكبر من المراعاة. حالها حال نزع الضمادة، فإن الألم الذي يرافق اكتشاف مثل هذه الفجوة العميقة غالباً ما يثير مشاعر قوية، التي يمكن الخلط بينها وبين السلوك الدفاعي بسهولة. إذا كنت شخصاً يتحمل العبء الأكبر من سلوك زميلك الذي يتصف بالمراس الصعب، فاحرص على وضع هذه الإحباطات جانباً لصالح التعاطف الذي ستحتاج إليه خلال إجراء هذا الحديث. قبل أن تبدأ الحديث مع زميلك، احرص على أن تكون مستعداً لمنحه المساحة التي سيعبّر فيها عن شعوره بالصدمة عند تلقيه ملاحظاتك. وتذكر تجنب تفسير صدمته على أنها مقاومة شديدة لكلامك.

2) اطرح الأسئلة من أجل معرفة حجم الفجوة. عندما يكون الشخص غير مدرك لنتائج أفعاله، فهذا مؤشر على وجود فجوة بين مقاصده والنتائج التي تسفر عنها تلك المقاصد. وأفضل طريقة لبدء الحديث معه هي طرح أسئلة لتوضيح دوافعه. إذا كان القائد يفرض أفكاره باستمرار على الآخرين، كما كان يفعل جهاد، فقد تبدأ بأسئلة مثل: "ما الذي كنت تريد أن يحدث في الاجتماع؟ كيف كنت تأمل أن يستجيب الفريق لفكرتك؟".

سيساعدك تحديد التباين بين هدف الشخص ونتائج أفعاله في معرفة حجم فجوة معرفة الذات. وكلما كانت مقاصده أكثر بعداً عن النتائج غير المرغوب فيها، اتسعت الفجوة.

يشير علماء النفس الاجتماعي إلى هذا الموقف في بعض الأحيان بمصطلح "تحيز الفاعل – المراقب" (actor-observer bias)، حيث يميل الشخص المعني إلى نسب أفعاله إلى الموقف بدلاً من نسبها لنفسه. على سبيل المثال، القائد الذي يحاول إقناع الآخرين بتبني فكرته، مثل حال جهاد، قد يستجيب إلى اعتراض الآخرين بعدوانية. وقد يكون تفسيره للأسئلة المذكورة أعلاه كالتالي: "أردت أن يرى الفريق مدى روعة تلك الفرصة، ولم يفهموها إلا حينما عبرت عنها بشغف. ثم أدركوا أخيراً أنني كنت على حق". في حين أن الفريق قد يصف التجربة نفسها كالتالي: "كان يصرخ في وجهنا ولم يسمح لأي شخص آخر بالحديث، إلا أننا استسلمنا أخيراً وتوقفنا عن الجدال".

إذا فهمت الفجوة بين مقاصد زميلك والأثر المترتب على أفعاله، فإن مساعدته في التعرف عليها أيضاً سيصبح أسهل.

3) تحدث عن المشاعر وليس الصفات. بمجرد أن تدرك مقاصد زميلك، فأنت بحاجة إلى فصلها عن أفعاله من أجل إجراء نقاش مثمر. أحد الأخطاء الرئيسية التي رأيت الناس يرتكبونها مع القادة الذين لم يتلقوا ملاحظات منذ مدة طويلة جداً، هو افتراض أنهم أكثر وعياً مما هم عليه في الواقع. إن استنتاجات مثل، "كيف لا يعرف ذلك؟" هي مجرد تفسير لمشاعر الغضب والموقف الدفاعي عند كلا الطرفين.

بالعودة إلى مثال جهاد أعلاه، يمكنك متابعة الحديث بالقول: "أقدر مدى شغفك بأفكارك، وأنا معجب برغبتك في الدفاع عنها". بهذه الطريقة، أنت تعترف بمقاصده الحسنة بدلاً من الاستنتاج أنه يتعمد إكراه الآخرين على فعل ما يريد. تابع حديثك بالإشارة إلى مدى تأثير أفعاله عليك، بالقول مثلاً: "صحيح أنني أفهم الآن أنك لم تتعمد فعل ذلك خلال الاجتماع، إلا أنني شعرت بأنك رفضت مداخلتي بسبب عدد المرات التي قاطعتني فيها، وقد دحضت أفكاري من خلال تكرارك لأفكارك الخاصة بإصرار". ثم شدد على أن هذه المشكلة تتكرر دائماً لمساعدته على فهم ثقل أثرها، وأكد على نيتك في التقرب منه، من خلال القول مثلاً: "هذه ليست المرة الأولى التي أشعر فيها بهذه الطريقة، ورأيت أنه من المهم مناقشتها معك حتى نتمكن من الحفاظ على إيجابية العلاقة بيننا".

تأكد من عدم ذكرك للآخرين خلال تقديمك لملاحظاتك. قد يؤدي قول أمور مثل: "نشعر جميعنا بالإحباط بسبب سلوكك"، إلى شعور الشخص بالذعر، أو أن الجميع يتآمر عليه، ما يؤدي إلى شعوره بعدم الثقة. إذا أردت أن يقر زميلك بخطئه، وأن يغير سلوكه في نهاية المطاف، فينبغي أن يكون هدفك هو خلق بيئة آمنة والتي قد يكون ضعيفاً فيها.

4) احرص على توضيح الأنماط. من أجل مساعدة زميلك على إدراك مصدر الفجوة الذي أثر على معرفته لذاته، قدم له ثلاثة أو أربعة أمثلة محددة تكشف عن نمط السلوك الذي تريد أن يغيره.

إذا رصدت نمطاً في أنواع المواقف التي تبرز السلوك غير المرغوب فيه مثلاً، فاحرص على الإشارة إليه. يمكن أن يكون ذلك مفيداً بصورة خاصة إذا كان زميلك يذكر موقفاً أو أشخاصاً في ذلك الموقف بصورة تلقائية كسبب للمشكلة. عند إعطاء الأمثلة، يجب أن تحرص على إبقاء مشاعرك تحت السيطرة. بينما يكون الحديث عن مشاعرك أمراً مفيداً، فإن إظهار إحباطاتك قد يؤدي إلى تراجع الشخص الآخر.

في حالة جهاد، قد تقول شيئاً من قبيل: "يبدو أن المواقف الملئية بالضغوطات التي تتطلب منك أن تكون مقنعاً تُخرج هذا الجانب منك، هل توافقني الرأي؟". من ناحية، إن استخدام التخمين يمنحه الحق في مخالفة رأيك. ومن ناحية أخرى، تعطيه فرصة للتعرف على نمط مدمر. إن فعل ذلك سيسهل عليه تقويم نسب أصل المشكلة، كواحدة ليس له علاقة بها إلى اعتبارها نتيجة لخياراته الخاصة. بمجرد حدوث ذلك، يمكن لشخص مثل جهاد البدء في التفكير في طرق بديلة للتعامل مع هذه المواقف في المستقبل.

5) ساعده في إبقاء تركيزه على المستقبل. قد يكون اكتشاف فجوة هائلة بين الطريقة التي تعتقد أنه يتم فهمك من خلالها والواقع أمراً مربكاً ومحبطاً. إذ قد تثير الصحوة المفاجئة مشاعر قوية، وتعيد تنظيم تصوراتنا حول الماضي على الفور. تأثر جهاد إلى حد البكاء وهو يقرأ الكلمات المؤلمة التي استخدمها زملاؤه لوصفه. ولا شك أنه طرح عليّ هذا السؤال: "لماذا لم يخبرني أحد من قبل؟".

يعدّ هذا السؤال العميق شائعاً في مثل هذه المواقف، وعادة ما يُطرح عندما يشعر الشخص بمزيج من ازدراء الذات (هل أنا حقاً سيئ إلى هذا الحد؟)، والاستياء من زملائه في العمل (كان من الممكن أن أتغير لو أنهم أخبروني بذلك). إن الأمر يتطلب استجابة دقيقة لتجنب تأجيج هذه المشاعر. ومقاومة الميل إلى سرد المحاولات الفاشلة لتقديم الملاحظات، مثل قول: "حسناً، لقد حاولت ذلك، لكنك…". إن فعل ذلك لا ينطوي سوى على رغبتك في التعامل مع مخاوفك الخاصة. بدلاً من ذلك، احرص على أن تكون استجابتك متعاطفة وفيها تركيز على المستقبل، وقل شيئاً من قبيل: "أنا آسف، لا بد وأن هذه الملاحظات جديدة بالنسبة إليك، فأنا أستطيع تخيل مدى صعوبة سماع هذا للمرة الأولى. أعتقد أن أفضل خيار لك هو التركيز على ما يمكنك فعله الآن، بدلاً من التركيز على ما فعلته في الماضي".

إن العمل مع شخص غافل ليس بالأمر السهل، ومن المحزن أنه قد يتعين إخراجهم من المؤسسة في بعض الأحيان. لكن استخلاص استنتاجات من قبيل، "لقد فات الأوان"، أو "إنها ليست مشكلتي"، هو بمثابة استخدام سلوك الزميل السيئ لتبرير حجب الملاحظات، وهو أمر قاس في حد ذاته. لا ينبغي افتراض أن شخصاً ما لا يمكنه أن يتغير إذا لم تُمنح له الفرصة على الإطلاق، وقد تكون قادراً على تقديم تلك الفرصة إلى زميلك الذي يعاني. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو التالي: إذا كانت أفعالي تسبب الألم للآخرين، فما الذي أريد منهم أن يفعلوه؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!