تبدو المشاكل التي نواجهها غالباً معقدة ومستعصية، وربما من أشهر مقولات ألبرت أينشتاين بهذا الخصوص هي: "لا يمكننا حل مشكلة ما بنفس طريقة التفكير التي خلقتها"، إذاً ما الذي علينا فعله لزيادة عمق تفكيرنا؟

يفترض الكثير من القادة أنّ القرارات تكون دائماً على شكل (إما/أو)؛ فتكون الإجابة على الدوام: إما صحيح أو خاطئ، جيد أو سيء، فوز أو خسارة. ينطوي هذا التفكير الثنائي على تحد خطير: إذ أنّ الإفراط في الاعتماد على حل معين يخلق في النهاية مشكلة معاكسة.

إذا أخذت التفكير في قصة الخبير الذي تم الإرسال بطلبه لمعالجة مخاوف الرئيسة التنفيذية حول أنّ عملية اتخاذ القرار في المؤسسة أصبحت مركزية للغاية، فكان الحل الذي قدمه الخبير هو: خطة مفصلة لتطبيق اللامركزية. وبعد ثلاثة أعوام، تم استدعاء الخبير ثانية؛ خوفاً من أن تصبح عملية صنع القرار لامركزية أكثر، وكان الحل هو: خطة مفصلة لتطبيق المركزية.

إنّ الأجوبة البسيطة تجعلنا نشعر بالأمان وخاصة في الأوقات العصيبة، لكن عوضاً عن الاحتماء خلف اليقين، يحتاج قادة اليوم إلى تنمية قدرتهم على رؤية المزيد، من أجل تعميق وتوسيع والامتداد بأفق تفكيرهم. يعتمد "التعمّق" على استعدادنا لتحدي مواقفنا العمياء، والافتراضات الراسخة، والمعتقدات الثابتة، أما "التوسع" فيعني الأخذ بالاعتبار المزيد من وجهات النظر (وأصحاب المصلحة) من أجل معالجة أية مشكلة من زوايا متعددة، ويتطلب "الامتداد" التركيز ليس فقط على النتائج المباشرة للقرار، بل أيضاً على الأثر المحتمل له مع مرور الوقت.

ومن أجل تنمية هذه النظرة الشاملة، إليك هنا ثلاث عادات أساسية نشجعك على اكتسابها:

قاوم قناعاتك دائماً. يمكنك البدء باكتساب هذه العادة من خلال طرح سؤالين رئيسيين؛ وذلك في مواجهة أي قرار صعب: "ما هو الأمر الذي لا أراه في هذه المشكلة؟"، و"ما هو الجانب الآخر الذي قد يكون صحيحاً؟".

يميل معظمنا إلى افتراض أنّ ما نعرفه سابقاً هو الأمر الصحيح، ولكن يُعتبر الانحياز التأكيدي من أكثر ما يؤثر سلباً على قدرتنا لرؤية المزيد. ففي طفولتنا المبكرة، نبدأ في تطوير رواية في داخلنا حول كيفية سير هذا العالم وما نعتقد أنه صحيح. وبمرور الوقت، ومن دون إدراك ذلك، نتوصل إلى الاعتقاد بأنّ روايتنا الخاصة واقعية، ويقضي معضمنا بقية حياته ملتصق بها. وكما صاغ بول سايمون هذه الفكرة في أغنيته "ذا بوكسر": "يسمع الإنسان ما يحلو له ويتجاهل الباقي". إنّ الانحياز التأكيدي يجعلنا نشعر بالأمان، ولكنه يمنعنا أيضاً من رؤية الصورة بشكل أوضح.

وتكمن الحقيقة في أنّ أي جانب قوي من شخصيتنا يمكننا المبالغة باستخدامه لدرجة أن يصبح ضعفاً. فكر لحظة في واحدة من نقاط قوتك الأساسية، ثم اسأل نفسك: "كيف يبدو الأمر عندما أفرط في استخدام نقاط قوتي؟ وما هي تكلفة ذلك، وما هي نوعية التوازن الذي يجب أن أنميه؟ "على سبيل المثال، يتحول الكثير من الثقة إلى غرور في النهاية، وطالما أننا نحتفظ بذهنية أنّ البديل الوحيد للثقة هو الشعور بعدم الأمان، فإننا أقل احتمالاً لتطوير توازننا لصالح التواضع، وهو أمر هام جداً للأخذ بالاعتبار وجهات النظر المتعددة.

قم بالمهمة الأكثر تحدياً في بداية اليوم. معظم القادة الذين نلتقي بهم يتصفون بأنهم كثيرو الانشغال، وخلال يومهم المزدحم يقومون أيضاً بعقد الاجتماعات والتواصل عبر البريد الإلكتروني. لكن المطالب الكثيرة والضغوطات التي يتعرضون لها تقوّض تفكيرهم الأكثر تعمقاً، الذي يمكن أن يكون حساساً بمقدار القرارات الحازمة: حلول دقيقة تظهر من مواجهة أصعب القضايا، عوضاً عن تضييق الخناق فوراً على عملية اتخاذ القرار.

إنّ إحدى أهم العادات التي عملت على اكتسابها، والتي شاركتها مع العديد من القادة، هي مواجهة المهمة الأكثر صعوبة في بداية يوم عملي، ولمدة لا تقل عن 60 دقيقة من دون انقطاع. إنّ جدولة هذه العادة هي طريقة اتبعها لأضمن إعطاء المسائل المعقدة بعض الوقت والاهتمام، وإلا فإنها سوف تضيع خلال معالجتنا للأمور الملحة، والأقل أهمية من الناحية الفكرية والقيمة المضافة.

انتبه جيداً إلى شعورك. إنّ تبنّي الطبيعة المعقدة للأمور ليس مجرد تحد إدراكي، بل هو تحد عاطفي أيضاً، إذ يتعلق الأمر في جزء منه بتعلم إدارة المشاعر السلبية مثل الغضب والخوف في المقام الأول. فعندما نكون في حالة القتال أو الهروب، تضيق رؤيتنا فعلاً، ويبدأ عمل قشرة الفص الجبهي الحركي لدينا بالتوقف، ونصبح أكثر تفاعلاً وأقل قدرة على التفكير، ويتحول انتباهنا تلقائياً في هذه اللحظات من التركيز على المهمة المطلوبة إلى الدفاع عن شعورنا بالقيمة. يساعدنا هذا الوعي بحد ذاته على تعديل رغبتنا في الهجوم، أو اللوم، أو التضحية، والنظر إلى داخلنا لاستعادة توازننا.

عندما تجد نفسك أمام مشكلة ما، خذ نفساً عميقاً لمدة 60 ثانية، إذ يعد هذا الإجراء وسيلة ناجعة للحفاظ على التوازن الفيزيولوجي والعاطفي. كما يمكنك القيام بشيء بسيط مثل ترك مكتبك والمشي لمدة 5 أو 10 دقائق. وتذكر أنّ استجابتنا العاطفية تميل لأن تجعلنا ننظر في اتجاه واحد فقط.

تتطلب إدارة استراتيجية التعقيد أن نتحلى بالشجاعة والرغبة في أن نكون في الجانب غير المريح من عدم اليقين، والسماح لأنفسنا بالغوص داخله. إنّ أفضل عادة يمكن أن نكتسبها هي عدم المبالغة في الاعتماد على أفضل الممارسات، والتي تنشأ من افتراضاتنا الحالية ونظرتنا للعالم. يقول مستشار القيادة ظفر أتشي "في الأنظمة المعقدة: لا يوجد أسلوب معين لاتباعه، هناك فن فقط".

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!