برعايةImage
تابعنا على لينكد إن

في غالب الأحيان، نحن نعتقد أن الشخص البالغ يجب أن يكون إنساناً مملاً بالضرورة، وبأنه يجب أن يتّخذ جانب الحيطة والحذر دائماً، وألا يُقدِمَ على أي خطوة غير محسوبة. فالمغامرات هي للشباب الذين في العشرينيات من عمرهم والذين يضع الواحد منهم على ذراعه وشماً للاحتفاء بفريقه الموسيقي الذي لم يسبق لك أن سمعت باسمه من قبل. فما أن تستقر في مهنة معيّنة، فإن السنوات المفعمة بالإثارة ستكون قد باتت وراء ظهرك، ما لم تشعر بأنك تكره وظيفتك كرهاً جمّاً وبأنك يجب أن تسعى يائساً لتغيير هذه الوظيفة.

ولكن ماذا لو كنت قد قضيت 10 سنوات أو 15 أو 20 سنة في مسارك المهني وترغب في تجريب شيء جديد؟ ليس لأنك في وضع بائس، وإنما لأنك شخص يتمتّع بالفضول؟ وليس لأنك تعاني من أزمة مهنية، وإنما لأنك تعرف بأنك لست بحاجة إلى أزمة مهنية حتى تحاول شيئاً جديداً؟ وليس لأنك أخفقت في وظيفتك الحالية، وإنما لأنك تتساءل ما إذا كان بوسعك النجاح في مهنة جديدة؟

أنا شخصياً قضيت 16 عاماً في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.

خلال فترة عملي مع شركات كبيرة من قبيل هوم ديبو (The Home Depot)، وبوز (Bose)، وستابلس (Staples)، بدأت شخصياً بالتساؤل عن الأسباب التي تجعل أشخاصاً مثلك ومثلي، يعملون في شركات كهذه، لا يبدون وكأنهم يفكّرون في إمكانية تغيير مسارهم المهني وهم في وسط هذه الرحلة. ولكي أبحث بعمق أكبر في الطريقة التي ننظر بها إلى عملية تغيير وظائفنا، وضعت استبياناً على الانترنت على موقع (CareerSavingsAccount.com). وقد أورد كل الناس الذين شاركوا في الاستبيان تقريباً الأسباب التالية التي جعلتهم لا يتمكّنون من تغيير وظائفهم في وسط حياتهم المهنية:

إنهم في عمر أكبر من أن يسمح لهم بالتغيير.

أي تغيير في مسارهم المهني سيقلب حياتهم بأكملها رأساً على عقب.

لا يعلمون ما هو الشيء الأنسب الذي يجيب أن يقدموا عليه في الخطوة التالية.

هم قطعوا مسافة بعيدة جداً في مسارهم المهني لا تسمح لهم بإجراء التغيير.

هم لن ينجحوا في مسارهم المهني الجديد.

من السهل التعامل مع السبب الأول الذي يشغل بال هؤلاء الناس. فالأشخاص الذين في العشرينيات من عمرهم يقولون لي بأنهم غير قادرين على مطاردة حلمهم المهني لأنهم لا يمتلكون الخبرة المطلوبة بعد. وبعد ذلك يكتسبون الخبرة، ويدخلون في العقد الثالث والرابع من العمر، ويقولون لي بأنهم باتوا أكبر عمراً من أن يطاردوا حلماً مهنياً. لكن الحقيقة هي أنه ليس هناك من عمر أنسب لمحاولة إجراء تغيير مهني، وليس هناك من عمر غير مناسب أيضاً.

ولكن ماذا عن الأسباب من الثاني إلى الخامس والتي تشغل بال هؤلاء الناس وتقلقهم؟ الحل المناسب فعلياً لمعالجة هذه الأسباب الأربعة هو ذاته. إذا كنت ترغب في الانتقال إلى مهنة جديدة، فإنك يجب أن تتصرّف كما يتصرّف السياح في المقام الأول.

تكمن المشكلة في أننا إذا حققنا نجاحاً صغيراً في حياتنا المهنية أو شعرنا بشيء من الاستقرار فيها، فإننا نشعر بالارتياح. قد تكون لدينا رغبة ملحّة بمحاولة تجريب شيء جديد، لكننا نريد من هذا الشيء الجديد أن يؤمّن لنا فوراً القدر ذاته من الراحة الذي نشعر به مع الشيء القديم. وإليكم الخبر السيء: الشيء الجديد لن يقدّم لكم هذه الراحة المنشودة. فتجريب شيء جديد هو دائماً أمر غير مريح في بادئ الأمر. ويفترض به أي يكون كذلك أصلاً.

نحن نعتقد بأننا يجب أن نكون خبراء فوريين، وفي اللحظة التي ندرك فيها بأننا لسنا كذلك، وفي اللحظة التي نبدأ فيها بالشعور بشيء من عدم الارتياح، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأننا قد اتخذنا القرار الخاطئ. ولكن عوضاً عن العودة إلى مهنتنا السابقة في تلك اللحظات، أو حتى عوضاً عن عدم التجريب أصلاً، ماذا لو تصرّفنا وكأننا سيّاح؟

السيّاح يبتدئون بخطوات صغيرة. فالسيّاح لا ينتقلون للعيش في باريس إلى الأبد، وإنما هم يزورونها، لأسبوع أو أسبوعين فقط. وهم لا يقلبون حياتهم بأكملها رأساً على عقب بين عشية وضحاها. وإنما يبدأون بفكرة بسيطة واحدة: “أرغب في رؤية فرنسا” وبعد

ذلك ينطلقون من هذه الفكرة ويبنون عليها. فعوضاً عن أن تقلب حياتك المهنية رأساً على عقب، ماذا لو حاولت أن تتعلّم مهارة جديدة فحسب؟ حاول أن تُطوّر مساراً جانبياً، محافظاً في الوقت ذاته على مسارك المهني الحالي ومحاولاً اختبار مهارة جديدة تشعر بأنك مهتم بتعلّمها. بالنسبة لي، هذا الأمر كان يعني التدوين على الانترنت في الصباح قبل أن ذهابي إلى عملي في الشركة الكبرى.

السيّاح لا يخشون من طلب يد المساعدة. عندما تسافر في رحلة إلى الخارج، فإنك تطلب من الغرباء أن يزوّدوك بالنصائح. وقد تطلب منهم التقاط صورة لك، لأن عصا “السيلفي” تبدو مريعة. وقد تسألهم عن أفضل طريق للوصول إلى المتحف. كما أنك لا تشعر بالإحراج من طلب العون من الآخرين. فماذا لو كانت الخطوة الأولى في تغييرك لمهنتك هي ببساطة طلب النصح من شخص ما؟ حاول أن تعثر على شخص يعمل في مهنة ما تثير فضولك واطلب منه أن يزكّي لك كتاباً لتقرأه حول الموضوع. حاول أن تذهب إلى المقهى مع صديق سبقك بعشر سنوات في السير على درب ترغب أنت بالسير عليه، واطلب منه المساعدة.

السيّاح لا يجدون ضيراً في أن يكونوا هواةً. في المرّة الأولى التي زرت فيها باريس مكثت في فندق جماعي رخيص هو فندق “السلام والحب”. وضعت حقيبة ظهري الكبيرة في المنطقة المشتركة المخصصة للحقائب. وقد سُرق منها جهازي الوكمان (نعم أنا شخص كبير جداً في العمر)، وكان في داخله شريط يضم مجموعة من أمتع أغاني المفضلة. فهل تعلمون ما الذي فعلته في المرّة الثانية التي سافرت فيها إلى الخارج؟ استأجرت خزانة مقفلة. لم أكن من الأشخاص الذين يجيدون الترحال في البداية لأنني لم أكن قد أقدمت على هذا الأمر من قبل. كنت سائحاً ولم أكن خبيراً. وأنت لن تكون خبيراً في فكرتك المهنية الجديدة أيضاً. فالأمر سيستغرق وقتاً. امنح نفسك الفرصة كي ترتكب الأخطاء. حاول تقبّل فكرة أنك شخصٌ هاوٍ.

قبل ما يُقارب 18 شهراً مضت، تركت الوظيفة التي لطالما كنت أحلم بشغلها. ألّفت كتاباً حول تجربتي حمل العنوان التالي: “كيف تعيد الزمن إلى الوراء” لأساعد الآخرين في إحداث تحوّل في حياتهم المهنية. لم يكن الأمر سهلاً، ولم يحصل بين عشيّة وضحاها، وأنا دائماً أشعر بالخوف تجاه ما ينتظرني مستقبلاً.

ولكن بعد 15 عاماً من رحلتي التي قضيتها في أروقة كبريات الشركات الأمريكية، أدركت ما يلي: نحن جميعاً نحصل على جوازات سفر. ونحن جميعاً مسموح لنا أن نكون سيّاحاً. والتقدّم في العمر لا يعني الاستسلام. وإنما أعتقد أنه يعني العكس تماماً.

أعتقد أن التقدّم في العمر يعني النهوض والارتقاء.

أعتقد أنه يعني أن تنظر إلى مسيرتك المهنية على حقيقتها، وبغض النظر عن المسافة التي قطعتها فيها، فهي ليست أكثر من مجرّد مغامرة. ولم يفت الأوان لكي تعلن عن إعادة الزمن إلى الوراء. كل ما عليك فعله هو أن تبدأ الأمر وكأنك سائح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!