تابعنا على لينكد إن

توم بوهلمان ونيثي ماري توماس

لقد بات طرح الأسئلة بأسلوب مناسب واحداً من الفنون التي أضعناها. فأي طفل في الرابعة من العمر يتمتّع بالفضول المعرفي يطرح الكثير من الأسئلة. أوليس من الشائع أن تجد طفلاً يقصفك بوابل من الأسئلة من قبيل “لماذا” و”لم لا؟”. ولكن مع تقدّمنا في العمر، تبدأ قدرتنا على طرح الأسئلة بالتراجع. ففي استطلاع حديث شمل 200 من زبائننا، وجدنا بأنّ من لديهم أطفال منهم قد قدّروا بأن 70-80% من حوارات أطفالهم مع الآخرين تتألّف من أسئلة. لكنّ هؤلاء الزبائن أنفسهم قالوا بأنّ 15-25% فقط من أحاديثهم مع الآخرين كانت مؤلفة من أسئلة. فلماذا هذا التراجع الكبير؟

إذا عدنا بذاكرتنا إلى أيام طفولتنا في المدرسة، فعلى الأغلب سنتذكّر بأن معظم الثناء والمديح والمكافآت التي حصلنا عليها كانت مرتبطة بتقديمنا للإجابات الصحيحة. وفي المراحل اللاحقة من حياتنا، استمرّت الحوافز. ففي مكان العمل، نحن غالباً ما نكافئ الناس الذين يجيبون عن الأسئلة وليس من يطرحون الأسئلة. كما أنّ من يطرحون الكثير من الأسئلة ويشكّكون في تقاليد العمل السائدة غالباً ما يجري تهميشهم، أو عزلهم، أو ينظر إليهم بوصفهم يشكّلون تهديداً.

وبما أنّ التوقّعات المتعلّقة باتخاذنا للقرارات قد تحوّلت كثيراً، من “أنجز عملك في أسرع وقت” إلى “أنجز عملك الآن”، إلى “هذا العمل كان يجب أن يُنجز البارحة”، فإننا أصبحنا نميل إلى القفز إلى الاستنتاجات عوضاً عن طرح المزيد من الأسئلة. وهناك جانب مؤسف لعدم طرح ما يكفي من الأسئلة ألا وهو اتخاذ القرارات بشكل سيء. وبالتالي بات لزاماً علينا أن نهدّئ من روعنا وأن نأخذ وقتاً إضافياً لطرح أسئلة إضافية أفضل. ففي أحسن الأحوال، هذا الأمر سيجعلنا نصل إلى استنتاجات أفضل. وفي أسوأ الأحوال، فإنّه سيوفّر علينا الكثير من عناء إعادة العمل في مرحلة لاحقة.

لكن العديد من الأشخاص الاختصاصيين لا يأخذون بعين الاعتبار أن الأنواع المختلفة من الأسئلة يمكن أن تقود إلى نتائج مختلفة. فإذا ما كنت تريد التحكّم بمسار حديث معيّن، فإنّك يجب أن تطرح الأنواع الصحيحة من الأسئلة، بحسب نوع المشكلة التي تحاول حلّها. ففي بعض الحالات، قد ترغب في توسيع نظرتك إلى مشكلة معيّنة، عوضاً عن التركيز عليها بشكل ضيّق. وفي حالات أخرى، قد ترغب في اختبار الافتراضات الأساسية ومراجعتها، أو في تأكيد فهمك للأمر لكي تكون أكثر ارتياحاً في الخلاصات والنتائج التي تتوصّل إليها.

وإليك فيما يلي أربعة أنواع من الأسئلة هي: أسئلة الاستيضاح، وأسئلة الربط، وأسئلة التعمّق، وأسئلة التوسّع، حيث أنّ كل واحد من هذه الأنماط يسعى إلى تحقيق هدف مختلف:

أسئلة الاستيضاح تساعدنا في فهم ما قيل بشكل أفضل. ففي العديد من المحادثات، تجد بأن الناس يتحدّثون مباشرة وراء بعضهم البعض. وبالتالي فإنّ طرح أسئلة استيضاحية يمكن أن يكشف النوايا الحقيقية من وراء ما قيل. كما أنها تساعدنا في فهم بعضنا بشكل أفضل وتقودنا إلى طرح المزيد من الأسئلة التي تبني على ما سبقها من كلام. ومن الأمثلة على ذلك السؤالين التاليين: “هل يمكنك أن تخبرني بالمزيد من التفاصيل من فضلك؟” و”لماذا تقول هذا الكلام؟” فالناس غالباً لا يطرحون هذا النوع من الأسئلة لأنهم ميّالون إلى وضع افتراضات معيّنة وملء الفراغات والأجزاء المفقودة من الحديث من رأسهم.

أسئلة الربط تُستعمل لاستكشاف الجوانب المترابطة في مشكلة معيّنة والتي يجري تجاهلها أثناء الحديث. ومن الأمثلة على هذا النوع من الأسئلة السؤالين التاليين: “كيف يمكن لهذا المفهوم أن يطبّق في سياق مختلف؟” أو “ما هي الاستعمالات الأخرى لهذه التكنولوجيا؟”. فعلى سبيل المثال، عندما تسأل “كيف يمكن لهذه الأفكار أن تطبق في كندا؟” ضمن حديث حول القيمة التي يحملها الزبون طوال حياته بالنسبة للشركة، فإنّ ذلك السؤال قد يفتح الباب أمام نقاش مفيد حول الاختلافات في السلوك بين الزبائن في أمريكا والزبائن في كندا. فتركيزنا على المهام العاجلة تركيزاً دقيقاً يشبه شعاع الليزر الموجّه غالباً ما يثبط هممنا ويمنعنا من طرح المزيد من هذه الأسئلة الاستكشافية. غير أنّ تخصيص بعض الوقت لطرحها، يمكن أن يساعدنا في توسيع فهمنا للموضوع المعني.

أسئلة التعمّق هي أسئلة تستعمل للغوص عميقاً وسبر أغوار المواضيع بالتفصيل. ونحن نطرح هذه الأسئلة لنعرف كيف تمّ التوصّل إلى إجابة معيّنة، ولتحدّي بعض الافتراضات الحالية، ولفهم الأسباب الجذرية العميقة للمشاكل. ومن الأمثلة على هذا النوع من الأسئلة، السؤالين التاليين: “كيف أجريت البحث؟” و”لماذا لم تقم بهذه الخطوة أيضاً؟”. كما أنّ أسئلة التعمّق يمكن أن تتعلقّ أيضاً بالشكل التصميمي للمؤسسة والمنتجات التي تقدّمها، كأن تسأل مثلاً: “هل بوسعنا أن نأخذ هذا التحليل الخاص بالمنتجات المستعملة في الهواء الطلق لنطبّقه على صنف معيّن من الأثاث المستعمل في الحدائق الخارجية؟” وتعتبر معظم الفرق المعنية بوظيفة التحليل، ولاسيما التي تعمل ضمن قسم العمليات التجارية، بارعة في استعمال هذا النوع من الأسئلة.

أسئلة التوسّع هي نوع من الأسئلة التي تطرح القضايا من منظار واسع وتسلّط الضوء على الصورة الكبرى. وهي تساعدنا في إلقاء نظرة من بعيد أو من الأعلى. فانغماس المرء في مشكلة فورية يجعل من الصعب عليه رؤية السياق الإجمالي الكامن وراءها. وهنا بوسعك أن تطرح السؤالين التاليين: “إذا عدنا خطوة إلى الوراء، فما هي القضايا الأكبر والأوسع؟” أو “هل نحن نحاول الإجابة عن السؤال الصحيح حتّى؟” فعلى سبيل المثال، يمكن لنقاش يدور حول قضايا مثل التراجع في هوامش الأرباح والتراجع في مستويات الرضى لدى الزبائن أن يتحوّل إلى نقاش لاستراتيجية الشركة من خلال طرح الأسئلة التالية التي تهدف إلى التوسّع: “عوضاً عن مناقشة هذه القضايا بشكل منفصل، ما هي التوجّهات الأكبر التي يجب أن نقلق منها؟ وما هو وجه الربط بين كل هذه العناصر معاً؟” فهذه الأسئلة تنقلنا إلى مستوى أعلى وتأخذنا إلى السياق العريض بحيث يمكننا أن نرى الصلات القائمة بين المشاكل المبعثرة.

في عالم اليوم الذي يفرض على المرء أن يكون في حالة تفاعل كبير وجاهزية دائمة، نحن مُطالبون بالاندفاع لتقديم الإجابات. كما أن سهولة الوصول إلى البيانات من أي مكان وفي أي وقت والمتطلّبات المتقلّبة للعمل التجاري تسرّع من هذه الحاجة إلى الإلحاح والعجلة في تقديم الإجابات. لكننا يجب أن نهدّئ من روعنا وأن نتباطأ قليلاً وأن نفهم بعضنا بعضاً بشكل أكبر لكي نتحاشى اتخاذ القرارات السيئة ونتمكّن من النجاح في هذه البيئة. وبما أن طرح الأسئلة ينطوي على قدر معيّن من الشعور بعدم الراحة، فإن ثقافات العمل السائدة في الشركات الكبرى يجب أن تتحوّل باتجاه دعم هذا السلوك. فالقادة يجب أن يشجّعوا الناس على طرح المزيد من الأسئلة، بحسب الأهداف التي يحاولون تحقيقها، عوضاً عن دفع الناس إلى الإسراع في تقديم الإجابات. وإذا ما أراد الناس اتخاذ القرارات الصائبة، فهم بحاجة إلى البدء بطرح الأسئلة التي تُعتبر مهمّة فعلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz