تعتبر  ظاهرة إرهاق الموظفين أمراً شائعاً  ضمن الشركات. وبدلاً من أن تُشكل هذه الظاهرة تحدياً تنظيمياً واسع النطاق، تميل الشركات إلى التعامل معها كقضية لإدارة المواهب أو قضية شخصية. الأمر الذي يعتبر أحد الأساليب الخاطئة في التعامل.

يصاب الموظفون المنهكون بمشاكل نفسية وجسدية كبيرة تتجلى بتكلفة رعاية صحية تتراوح بين 125 و 190 مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة. ويمكن أن تكون التكلفة أكبر بكثير نظراً لأثر الإنهاك على انخفاض الإنتاجية، وزيادة معدل ترك الوظائف، وفقدان المواهب الأبرز. وهنا يحتاج المدراء التنفيذيون إلى إدراك مقدار مساهمتهم في خلق هذا الإنهاك ضمن الشركات، ومعرفة ما إذا كانت أعباء العمل على المهام الموكلة للموظفين تعظّم المشكلة. كما عليهم أن يتأكدوا إذا ما كانوا سبباً في انعدام الأمان الوظيفي أو إذا كانوا يقدمون الكثير من إجراءات العمل المحبطة مقابل وقت قليل للعمل الإبداعي. على المستوى التنظيمي، حالما يواجه المديرون التنفيذيون هذه المشكلة، سيصبح إيجاد تدابير ملائمة لمعالجة المشكلة أمراً ممكناً.

وذكرنا في كتابنا "الوقت والموهبة والطاقة" (Time, Talent and Energy) أن انخفاض إنتاجية الفرد يعود على المؤسسة نفسها لا على موظفيها. وذات الأمر ينطبق على إنهاك الموظفين. إذ عندما نظرنا في الشركات التي تملك معدلات إرهاق عالية، رأينا ثلاث مشكلات شائعة وهي: تعاون زائد، وضعف إدارة للوقت، والميل إلى تكليف أصحاب القدرة بمزيد من الأعمال. ولا تقوم هذه المشكلات بسرقة وقت الموظفين الذي من الممكن أن يستثمرونه فيه التركيز على استكمال المهام المعقدة أو توليد أفكار جديدة فحسب، بل إنّ مشكلة أكبر تتمثل في عدم وجود وقت كاف لتعافي الموظفين ستطفو على السطح. و فيما يلي تلك المشاكل وكيف يمكن للقادة التعامل معها:

التعاون الزائد

يعتبر التعاون الزائد أمراً شائعاً في المؤسسات التي تضم عدداً كبيراً من صانعي القرارات، وعدداً أكبر من مراكز صنع القرار، ويتجلى ذلك التعاون في اجتماعات ومكالمات جماعية لا نهاية لها لضمان مشاركة كل المعنيين واطلاعهم على ما يجري. حيث تتطلب شركات عديدة تعاوناً أكثر لإنجاز مهمة ما. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى التشتت، غير ساعات مجزأة خلال النهار بالنسبة للموظفين. إذ وجد بحثنا أن كبار المديرين التنفيذيين يتلقون أكثر من 200 رسالة إلكترونية يومياً. كما يخصص كل مشرف حوالي 8 ساعات أسبوعياً أي ما يعادل يوم عمل كامل لإرسال الرسائل الإلكترونية وقراءتها والإجابة عليها، علماً أن أكثرها لا يعتبر ضروري إرساله أو الرد عليها.

كما أن هناك عوامل أخرى تزيد من الإرهاق كوجود التقنيات الرقمية، والأولويات الكثيرة جداً، أو توقّع الشركة من موظفيها استخدام أدواتهم الرقمية مع تعدد مهام عملهم، والذي تبين أنه مرهق ويؤدي إلى نتائج عكسية. ففي دراسة عملت على توثيق التكلفة الخاصة بالتبديل بين المهام، وجدت أن انتقال الموظف إلى مهمة جديدة خلال عمله وتركه المهمة القديمة يزيد من الوقت الذي يستغرقه لإنهاء كلتا المهمتين بنسبة 25%. كما وجدت دراسة من مايكروسوفت أن الشخص يستغرق في المتوسط 15 دقيقة للعودة إلى التركيز بمهمته بعد مقاطعته برسالة إلكترونية.

ويمكن للشركات معالجة مشكلة التعاون الزائد عبر تعديل الهياكل التنظيمية والروتينية. وتتمثل الخطوة الأسهل في هذا الأمر بالنظر إلى عدد "العقد" والتي تمثل التقاطعات في المصفوفة التنظيمية للشركة، حيث يتواجد صانعو القرار. إذ يعتبر انتشار العقد علامة على التعقيد التنظيمي وهو أمر لا لزوم له. كما يعتبر بمثابة مطبات تنظيمية تؤدي إلى تباطؤ العمل وسرقة الوقت والطاقة.

وتستطيع الشركات أيضاً دراسة كيف يقوم الناس بعملهم بشكل منهجي، حيث يمكنها إجراء جرد كامل للاجتماعات من أجل تحديد أيها الضروري حقاً، وجرد تواتر هذه الاجتماعات ومدة كل واحد منها وما الاجتماع الذي من الضروري حضوره. كما تستطيع الشركة أيضاً النظر في كيفية توزيع الموظفين ضمن الفرق، إذ يمكنها جمع موظفيها المميزين معاً في فريق واحد للحصول على أفضل النتائج عبر عملهم على القضايا الأعلى أولوية، بدلاً من عزلهم بتوزيعهم على فرق مختلفة.

إضافة إلى قدرة القادة على تخفيف الإرهاق ورفع إنتاجية المؤسسة وذلك عبر إجراء تدخلات أكثر مرونة، وإجراء التغييرات التنظيمية الرسمية. على سبيل المثال، يمكن للقادة تبني مبادئ العمل الرشيق وهو ما يؤدي إلى تحفيز وتنشيط فريق العمل. ويمكن إعطاء أعضاء الفريق وسيلة تجعلهم يمتلكون النتائج، ودفعهم للتركيز بشكل أكبر على أنشطة أقل من حيث الجهد  وذات أهمية هائلة في نفس الوقت. إذ يمكن للفرق استخدام مفهوم "تراكم المبادرات" لتحديد الأولويات، وفيه يقوم الفريق بإعادة ترتيب أولوياته كلما أُضيفت مهمة جديدة، ما يوفر آلية تركز باستمرار على أهم الأولويات وتزيل المهام الأقل أهمية. كما تغدو المشاريع محددة زمنياً بشكل أكبر ومركزة، بحيث يكون هناك عمل أكثر واستنزاف طاقة أقل.

ويمكن للمديرين التنفيذيين أيضاً العمل على الثقافة والتدريب، إذ باستطاعة القادة المساعدة على وضع معايير ثقافية جديدة ومناسبة توضح أهمية وقت كل فرد من أفراد الشركة.

ضعف إدارة الوقت

يتجاوز الطلب على التعاون في معظم المؤسسات الكبيرة القدرة على تطوير الأدوات والتخصصات والمعايير التنظيمية لإدارة هذا الطلب، ويُترك الموظفون في معظم الأحيان ليحددوا بأنفسهم كيفية إدارة وقتهم بطرق تقلل من إرهاقهم. كما لا يتوفر القدرة الكافية على محاربة ثقافة الشركات التي يكون العمل الزائد فيها هو القاعدة الأساسية، إلى جانب عدم امتلاك الموظفين سلطة إلغاء المهام والاجتماعات غير الضرورية.

لكن باستطاعة قادة الشركات فعل عدة أمور لمعالجة هذا الموضوع، وعليهم البدء أولاً بالعمل على حل المشكلة. إذ يرغب أغلب المديرون التنفيذيون عادة قياس فوائد التعاون، والقليل منهم يرغب بقياس التكاليف، كما يمكنهم استخدام الكثير من الأدوات المفيدة لقياس كيف يقضي الموظف وقته وكيف يؤثر ذلك على الإرهاق والإنتاجية التنظيمية. حيث يشير ريان فولر (Ryan Fuller) المؤسس المشارك لشركة ناشئة تعمل على تحليل أماكن العمل للأشخاص، إلى أن المديرين التنفيذيين لا يعرفون غالباً كم من الوقت يقضيه موظفيهم على أنشطة تساهم في إنتاجية المؤسسة، ولا يعرفون مقدار الوقت الضائع على أنشطة أقل إنتاجية.

يذكر أن شركة ريان فولر استُحوذ عليها مؤخراً من قبل مايكروسوفت، ويتم تسويق منتج هذه الشركة الآن باسم تحليلات مايكروسوفت لمكان العمل (Microsoft Workplace Analytics).

ويمكنك استخدام البيانات الواردة من هذه الأدوات لإعادة توزيع الأماكن في مؤسستك التي تنفق وقتاً كبيراً في الاجتماعات أو تبادل الرسائل الإلكترونية أو العمل عبر الإنترنت، كما يمكن استخدام هذه المعلومات لإحداث تغييرات ضمن مجموعات ووظائف محددة للحد من التشتت التنظيمي الذي يستنزف الإنتاجية ويؤدي إلى الإرهاق. إذ تشير بياناتنا إلى أن لمعظم المديرين التنفيذيين فرصة لتحرير ما يقارب من 20% من وقت موظفيهم على الأقل إذا قاموا بوضع المزيد من الانضباط لإدارة الوقت. بينما يتمثل الأمر المهم الآخر في إعطاء الموظفين القدرة على التحكم بتقويماتهم ثانيةً وهو الأمر الذي يعطيهم شعوراً بالاستقلالية، ويدفعهم إلى محاولة السيطرة على أيامهم من جديد فضلاً عن مساعدتهم في تجنب الإدارة الجزئية والتي تعتبر إحدى مسببات الإجهاد.

التحميل الزائد للموظفين الأكفاء

لقد زادت أعباء عمل الموظفين في العديد من المؤسسات التي لم تقم بزيادة عدد موظفيها بشكل يتناسب مع حجم العمل، فضلاً عن مبالغة معظمها بقدرة الأدوات الرقمية على تحقيق الإنتاجية الفعلية، ونادراً ما تقوم بالتحقق من صحة افتراضاتها. كما أن مشكلة الطلب الزائد على الموظفين اللامعين باتت أمراً مزعجاً للجميع، إذ أدى ذلك إلى وقوعهم ضحايا التعاون المكثف. حيث في إحدى الشركات التي درسناها، كان المدير يفقد في المتوسط يوماً واحداً في الأسبوع للرد على البريد الإلكتروني والاتصالات الأخرى، ويومين للاجتماعات. وسيخسر المديرون الموهوبون وقتاً أكثر من ذي قبل في التعاون نظراً لأن عملهم المميز يكسبهم المزيد من المسؤولية وعبء أكبر.

ويمكن أيضاً لنفس الأدوات التحليلية في مكان العمل، التي تقيس مقدار فقدان الموظف وقته في أنشطة غير منتجة، معرفة الوقت الزائد الذي يقضيه المديرون على أمور غير ذات أولوية، وبالتالي تمكين رؤسائهم من إعادة تصميم سير العمل أو اتخاذ خطوات أخرى لتجنب الإنهاك والإرهاق.

جميعنا يعرف الخسائر البشرية الناتجة عن الإرهاق، كما أن المعايير التنظيمية غير المؤكدة تخلق ظروفاً مرهقة، لكن باستطاعة القادة تغييرها لجعل الإرهاق أقل احتمالية. ويؤدي إعطاء الموظفين الوقت اللازم للقيام بالعمل إلى نجاح الشركة وتوليد أرباح ضخمة من خلال رفع الإنتاجية وزيادة الأعمال المثمرة والحد من الإرهاق ما يجعل الربح من صالح الجميع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!