كيف تصلح علاقات العمل المتضررة؟

6 دقائق
كيف تصلح علاقات العمل
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أماكن العمل بمثابة مجتمعات مبنية حول فكرة العلاقات التي نقيمها مع أقراننا. وعندما تكون هذه العلاقات متينة، من الممكن أن تمثل مصدراً للنشاط والتعلم والدعم. ولكن، عندما تتصدع هذه العلاقات، ولو حتى لفترة مؤقتة، فإنها تُصبح أكبر مصادر خيبة الأمل التي تضر الأشخاص والمؤسسات على حد سواء. ولو تُرِك أي نزاع بسيط بلا ضابط ولا حاكم، فمن الممكن أن يخرج عن السيطرة، فيؤدي إلى حالة من الغضب والاستياء. ولذا، على المدراء والموظفين أن يتمكنوا من إدارة تلك النزاعات، والتعافي منها، فما هي إجابة سؤال كيف تصلح علاقات العمل بشكل صحيح؟

لقد أردنا أن نفهم كيفية تعزيز العلاقات بهدف تفادي حالات التداعي المحتملة لها، ومعرفة أفضل سبل إصلاحها عندما تصيبها انهيارات. ولقد راجعنا حوالي 300 دراسة نُشرت في مجاليْ الإدارة وعلم النفس، خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، مع التركيز على علاقات أماكن العمل، وتجاوزات العلاقات وإصلاحها. وبناءً على مراجعتنا، حددنا الممارسات الثلاث التالية، والتي يمكن أن تساعدك في جعل علاقات العمل الخاصة بك أكثر مرونة وسلاسة أمام النزاعات والتوترات اليومية.

كيف تصلح علاقات العمل بشكل صحيح؟

أعد ضبط النبرة العاطفية

للنزاعات أثر عاطفي. وحتى المشكلات البسيطة تخلق توتراً بيننا والآخرين، وهو ما قد يتسبب في أن ننأى بأنفسنا لنقلل من شعورنا بالألم وخيبة الأمل والغضب. ولكن، بدلاً من أن ننعزل، تقترح الأبحاث أنه من الأفضل لنا أن نعيد ضبط نبرتنا العاطفية عندما نلاحظ شيئاً من التوتر. ومن بين السبل التي تحقق ذلك استدعاء ذكريات إيجابية تجمعك بزميلك في العمل، ما يُمكن أن يعزز الصلة بينكما، ويعمل عمل شبكة الأمان العاطفية لعلاقاتكما.

وهذا لا يعني تجاهُل المشاعر السلبية التي ربما راودتك. وإنما يُمكن أن يساعد التاريخ الإيجابي بينكما على موازنة تلك المشاعر السلبية، فيمكنكما التعبير عنها بفعالية. إن هدفك هو خلق بيئة داعمة تسطيع فيها أن تُعبر عن ألمك وغضبك دون إلحاق ضرر أكبر بالعلاقة.

لإعادة ترسيخ نبرة عاطفية إيجابية:

طرح المشكلة للنقاش

أن ترغبا في الإقرار فوراً بالتوتر بينكما، وأن يسمح كل واحد للآخر بالتعبير عن مشاعره السلبية. والمهم أن تشددا أيضاً على مشاعركما الإيجابية حيال مستقبل العلاقة “أعلم أننا لا نتفق على هذه المسألة الآن، وأن خلافنا يسبب الاستياء، لكنني متفائل حقاً أن بوسعنا تسوية هذا الخلاف”. تأكد من أنّ “قواعد” علاقتكما تعني أن بوسعك التعبير عن مشاعرك والاستفسار عن مشاعر زميلك، وأنت تعلم تمام العلم أنه سوف يُصغي إليك دون أن يتبنى موقفاً دفاعياً.

اقتراح وقت مستقطع

حدد موعداً لاجتماع بعد يومين من الخلاف للسماح بتهدئة الأجواء بينكما. ولو كان الوقت حساساً، فمن الممكن أن يساعد شيء مثل استراحة لشرب القهوة في التخفيف من حدة التوتر. وإذا لم تُتح فرصة لتخصيص فترة استراحة فعلية، فجرب تغيير الموضوع لفترة وجيزة، وهو الأسلوب الذي ثبت أنه يحد من الاستثارة الفسيولوجية أثناء الصراع، ويعزز المشاعر الإيجابية. على سبيل المثال، خصِّصا بعض الوقت لتفقّد مشروع آخر مع بعضكما البعض، والتأكد من أنه يسير على ما يرام.

الالتزام بهدف مشترك للعلاقة

اتفقا أن علاقتكما مهمة، وأنكما تريدان استعادة مشاعركما الإيجابية المتبادلة. وذكّر الطرف الآخر بالعناصر الإيجابية التي تميز علاقتكما، وأعرب له عن رغبتك في تعزيز التفاعلات الإيجابية بقدرٍ أكبر في المستقبل. قد يساعد هذا على منع تلويث النزاع الحالي للعلاقة بأسرها.

صيغا قصتكما المشتركة

يعتمد تعافي العلاقات من النزاعات، وكيفيته أيضاً، على الروايات التي نقصها، فتقترح الدراسات البدء بتفسيرٍ شخصي لما تراه سبباً للنزاع في رأيك، على أن تلتمس تفسيرات الآخرين، ثم تستخدم تلك التفسيرات كأسس للعمل المشترك للوصول إلى فهم واحد لما حدث ولعلة حدوثه. ولو كان لشخص ما تفسير مختلف أو سلبي، ولم يتم التعامل مع تلك التفسيرات، فلن تكون هناك أرضية مشتركة يُعاد عليها بناء العلاقة. على سبيل المثال، لو لم يدرك الآخر الألم الذي تسبب فيه، فمن المستبعَد أن يخطو الخطوة الأولى المحورية ويتقدم بالاعتذار عمّا بدر منه.

إن جزءاً من هدف خلق رواية مشتركة هو أن بوسعها زيادة استعداد الناس للغفران والتصالح إذا ما افترضوا أفضل النوايا لدى الآخر، لا أسوأها. ومن الممكن أن تُساعد الرواية المشتركة الطرفين على إدراك أن مصدر النزاع ليس “خطأ” أحدهما، وإنما هو خلل يعيب الطريقة التي يتواصلان بها. على سبيل المثال، بدلاً من أن تُلقي باللائمة على نفسك (لقد بالغت في الالتزام) ،أو على زميلك في العمل (لم يكن المشروع بالنسبة له أولوية قصوى)، فيما يتعلق بالإخفاق في الوفاء بالموعد النهائي، يمكنك أن تفكر أكثر في الطريقة التي أسهمت بها تصرفاتكما في هذا الفشل (لم يتفقد الواحد منا الآخر بالقدر الكافي للتأكد من أننا على المسار السليم). يقترح هذا التفسير الأخير أن علاقتك تحتاج إلى تحسين، لكنه يلمّح أيضاً إلى سبل خلق عملية ارتباطية أكثر إيجابية في المستقبل.

وبينما تصوغان رواية مشتركة، فكرا فيما يلي:

أين مكمن الخلل فيما سبق؟

استفسر عن رواية الآخر المتعلقة بانهيار العلاقة بينكما، ثم اطرح منظورك الخاص. وتحلّ بالصراحة واصغ دون أن تتبنى موقفاً دفاعياً. لو ساورك شعور بالعجز عن الإصغاء بالكامل والتفكر في رواية الآخر دون الاستجابة له ومقاطعته، فربما حاولتَ أن تستفسر عن منظوره في رسالة بريد إلكتروني.

الأمر يتعلق بِنا، لا بي ولا بِك

ابتعد خطوة عن التركيز على الآخر، وركز مرة أخرى على العلاقة ذاتها. واسأل عما يعيب الطريقة التي تتفاعلان بها مع بعضكما، وأسهم في تداعي العلاقة. وبدلاً من أن تبادل إلقاء اللوم، سوف يساعدكما هذا التركيز على علاقتكما في ملاحظة ما إذا كان السبب الأساسي لتداعي العلاقة شيئاً تستطيعان تغييره.

التفكير في تاريخكما

رُبطتْ الأبحاث بانتظام ما بين استدعاء الذكريات والرضا بعيد الأجل عن العلاقات. ويوحي ذلك، إذا ما طبقناه على محل العمل، أنه كلما زاد التفكر في تاريخك الإيجابي مع زملائك في العمل، كان من الأسهل صياغة رواية يتجلى فيها هذا الحدث السلبي باعتباره الاستثناء لا القاعدة. وليذكّر أحدكما الآخر لا بالذروات العاطفية لعلاقتكما ونجاحاتكما الملموسة المشتركة وحسب، وإنما أيضاً بفترات الركود وكيف اجتزتماها معاً. وإنجاز ذلك يسلط الضوء على احتمالات أن تعمل الفترات العصيبة عمل فرص النمو.

بناء المرونة العلائقية

عندما يواجهنا نزاع، من الضروري أن نكون على استعداد لتجربة سبلٍ جديدة للتفاعل فيما بيننا، وهو ما أُطلق عليه “المرونة العلائقية”، فضلاً عن إعادة ضبط بوصلة النبرة العاطفية وصياغة رواية مشتركة. إننا غالباً ما نستجيب إلى انهيارات العلاقة بـ “النبش والتنقيب” والإصرار على تفسيرنا للأحداث وحلّنا المفضل. وبدلاً من ذلك، لو تمهلنا وارتجلنا – وبحثنا عن أسلوب مختلف ومبتكر لحل المشكلة – فمن الأرجح أن نصلح العلاقة بنجاح، وربما حتى عززناها.

ويمكن أن تكون الكسور التي تُصيب العلاقة نفسها مؤشراً على أن مكوناً من مكونات العلاقة لم يعد مجدياً، وربما سمحت تجربة أسلوب جديد للتفاعل بين الأفراد بكسر الأنماط القديمة والتواصل معاً بسبلٍ مثمرة أكثر. وبطبيعة الحال، فإنّ بناء المرونة العلائقية أمر شاق، خصوصاً عندما تكون الأوضاع متوترة. لننظر إلى هذه الاستراتيجيات:

وضع خطة للارتجال

الارتجال المُتقن يتطلب تخطيطاً. بدلاً من افتراض أن علاقاتك سوف تكون سلسة، فكّر بشكل استباقي بشأن مكامن المشكلات المحتملة. على سبيل المثال، لو أنك تحتاج إلى إعادة التفاوض بشأن تخصيص الموارد أو أعباء العمل، فلا تفترض الحصول على الموافقة السهلة. وإنما فكّر في الأسباب التي ربما تدعو الطرف الآخر إلى الاحتجاج وخطّط لها مسبقاً. اسأل نفسك ما إذا كان الآخر ربما يشعر بالحط من قدره، أو بالنزوع إلى حماية موظفيه. وبالتفكير في الاحتجاجات المحتملة، يمكنك أن تتأهب للاستجابة فوراً بحل مبتكر للمشكلة.

وعندما تقع أحداث غير متوقعة، انتبه وتحلّ بحب الاستطلاع من أجل معرفة كيف تصلح علاقات العمل

سوف تظهر مفاجآت على مدار تفاعلاتك مع الآخرين لن تستطيع السيطرة عليها أو التخطيط لها. لو فاجأك رد فعل زميل لك، بدلاً من أن تستجيب بشكل دفاعي، اسأل نفسك: لماذا؟ هل يمكنك تحديد ما يحفزك بالضبط؟ تذكر أن رد فعلك يُعطيك معلومات مهمة بشأن اهتمامات الآخر، وردود الفعل القوية تُطلعنا على أن الآخر يشعر أنه واقع تحت هجوم. لعلكَ طلبتَ إلى زميلك في العمل الانتقال إلى مكتب آخر، فانفجر بالبكاء. إن التحلي بحب الاستطلاع حيال السبب وراء حدوث ذلك سوف يؤدي بك إلى أن تسأله عن السبب في أن الانتقال إلى مكتب آخر كان مؤرقاً جداً بالنسبة له. وما أن تصل إلى جذر المشكلة، يمكنكما بعد ذلك البدء في حلها معاً.

سوف تساعدك هذه الخطوات الثلاث – خلق أجواء إيجابية، وصياغة روايات مشتركة، ومرونة علائقية – على معرفة كيف تصلح علاقات العمل وإصلاح أكثر العلاقات تضرراً، لكن من المهم أن تدرك أن الضرورة لا تقتضي إصلاح المشكلات كلها. فهناك فترات يكون فيها التصرف الأفضل هو الانسحاب من العلاقة، أو على الأقل إيجاد سبل للتعامل بلا حرج مع علاقة عقيمة مع زميل في العمل. وهذا هو الحال عندما تقع حادثة مُشينة جداً (كواقعة تحرش مثلاً) أو يستمر سلوك ما لفترات ممتدة من الوقت (كالمدير اللعّان الميّال إلى السباب دائماً). وربما كان الحال أنّ العلاقة لم تَعُد تستحق العناء، إذا حاولتَ أن تخطو تلك الخطوات ولم يبادر زميلك في العمل إلى أن يخطو مثلها. ولكن، حتى لو حدث ذلك، فيمكنك أن تتعلم من هذه التجربة. لو بَلَغَتْ علاقة ما نهايتها الطبيعية، فاستغل التجربة والدروس المستفادة منها لبناء أسس أقوى لعلاقاتك المستقبلية.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!