الفرق الإدارية والمؤسسات التي تضع الشمول ضمن أولوياتها تجذب مواهب أفضل وتحقق أداء أفضل. وقد برهنت العشرات من الدراسات أنّ الفرق الأكثر تنوعاً تتخذ قرارات أفضل من الفرق الأقل تنوعاً.

يعرف هذا الأمر الكثير من المدراء ولكنّهم ما زالوا يكافحون لجعل الأعمال اليومية شاملة أكثر.

في التعريف، يتبنى القادة الشاملون الفكرة القائلة أنّ كل شخص مهم. قد يبدو هذا واضحاً إلى حد ما، غير أنّه ليس صحيحاً، لأنّ القادة بهذه العقلية ينتهي بهم الأمر إلى تبنّي عدد من ممارسات الإدارة غير التقليدية. فهم يتخلّون بجرأة عن الأوضاع القديمة مثل التوظيف القائم على أوراق الاعتماد والقيادة والسيطرة والتسلسل الهرمي وحتى تحديد الأهداف بطريقة تقليدية. عندما أجريت أكثر من 200 مقابلة مع مدراء بارزين كجزء من بحثي حول أسرار ما يسمى بالمدراء الخارقين، حددت أربع ممارسات يتبعها المدراء ليصبحوا قادة شاملين فعلاً وليس عن طريق الصدفة ، وذلك ليؤسسوا للأعمال المبتكرة والعالية الأداء وكبيرة النمو.

وظّف لأجل الموهبة وليس السيرة الذاتية. تبدأ الإدارة الشاملة قبل أن يطرق الموظفون الباب حتى. فالقادة الشاملون لا يوظفون بحسب الطريقة التي يعتمدها المدراء التقليديون الذين يعتمدون على معادلات قائمة لتقييم أوراق اعتماد المرشح أو خلفيته في مجال الأعمال. بل يبنون معادلاتهم الخاصة ويبحثون عن الصفات الجيدة الكامنة في المرشح مثل الذكاء الاستثنائي والإبداع والمرونة، ويدركون أنّ المرشحين الأفضل والأكثر تميزاً يمكن ألا يكونوا من النوع التقليدي. لا نتحدث هنا عن خفض المعايير التي تتبعها، بل عن أنّ الكثير من المعايير، مثل التدريب الداخلي المرموق وغير المدفوع، هي من علامات الامتياز وليست موهبة فطرية لدى المرشح. إنّ الاعتماد على الوثائق نفسها التي يعتمد عليها أي شخص آخر لا يُعتبر طريقة مثالية لإعادة إنتاج أوضاع غير متكافئة فحسب، بل يُعدّ أيضاً وسيلة للدخول في حرب مزايدة مكلفة مع مجموعة صغيرة من المواهب التي يريدها الجميع.

أما القادة الشاملون فهم، على النقيض من ذلك، منفتحون ويستغلون الفرص بذكاء ويوسّعون دائرة بحثهم عن الموظفين الجدد إلى المجموعات التي تغفل عنها الشركات الأخرى. بدأ بيل وولش، المدرب الأسطوري لفريق "سان فرانسيسكو 49" (San Francisco 49ers)، برنامج تدريب داخلي في الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (NFL) للمدربين من الأقليات، ما وفّر للمشاركين مساراً سريعاً للوصول إلى الدوري، ووفّر له فرصة الاستفادة من مصدر كبير للمواهب التي تجاهلها الآخرون. كان عملاق قطاع الإعلانات، جاي تشيات، من أوائل الأشخاص الذين توظّف شركاتهم النساء والأقليات في الوظائف الإبداعية. لم يفعل ذلك لتعزيز العدالة الاجتماعية وحسب، بل أيضاً لأنّه رأى في هذه المجموعات تجمعاً جديداً من الموظفين النجوم المحتملين.

أطلق العنان لإبداع الجميع. يسحق القادة التقليديون الإبداع عن غير قصد، فقد يتحدثون عن الابتكار وضرورة التكيف ولكنهم في الحقيقة يريدون من الموظفين أن يفعلوا فقط ما يُقال لهم، وذلك وفقاً لقواعد وتعليمات وحدود وأهداف واضحة، ولا يقبلون أي أعذار. في المقابل، يدعو القادة الجامعون أعضاء الفريق من جميع المستويات إلى المساهمة في عملية التخطيط الأساسية، بل يطلبون ذلك في الواقع.

يتّبع مثل هؤلاء القادة قاعدة بسيطة إنما قوية: يحددون الرؤية الأساسية للفريق أو المؤسسة، ويعتبرون كل شيء سواها أمراً محتملاً للابتكار. أخبرني أحد تلاميذ الطاهية المرموقة الشهيرة، أليس ووترز، أنّ أليس "تتحلّى بالمرونة بعدة طرق ومع ذلك تتبنى البساطة في رؤيتها". تقوم رؤية أليس على إيلاء أهمية قصوى لجودة المكونات ونضارتها، كما أنّ أي شيء يريد الفريق تجربته قابل للتفاوض. ومن جهة ثانية، يذكر عضو سابق في فريق نورمان برينكر للابتكارات المخصصة للمطاعم، أنّ برينكر "كان يضعنا أمام تحدّ، إذ كان يقول: ’ما الذي تظن أنّك تستطيع فعله؟ ما الذي ترى أنّه سينجح؟ إذهب وجرّب شيئاً ما…‘ لقد كان الأمر مشجعاً للغاية لأنّه مكّننا من القول إنّ ’بإمكاننا صنع الأشياء بطريقة مختلفة!‘". يعتقد القادة الشاملون، على عكس أقرانهم التقليديين، بمقولة "الابتكار أو الموت"، وأنّ الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة تكمن في تحييد افتراضاتهم ومخاوفهم والترحيب بالأفكار الجيدة. ولا يهم إن كان الشخص الذي يقدم الاقتراح في مستوى وظيفي أدنى من الآخرين، فهذا بالضبط ما يحب أن يراه القائد الشامل.

اعمتد الفرص كأداة أساسية للتطوير. يضع القادة في العادة قيوداً استبدادية على إمكانات موظفيهم، مثل ضرورة أن يكونوا في سن معينة أو من خلفية معينة قبل أن يتمكنوا من تحمل مسؤولية أكبر. إذا سبق لك أن قلت "لقد كنت أؤدي هذه المهمة بشكل غير رسمي لمدة عامين قبل أن أحصل على الترقية"، فهذا يعني أنّك قد عملت في شركات من هذا النوع. هذا النوع من الشركات يجبر النساء والأقليات في الكثير من الأحيان على إثبات أنفسهم مراراً وتكراراً قبل توليهم أي مسؤولية حقيقية.

في المقابل، فإنّ القادة الشاملين الذين يريدون خلق ثقافات تمكّن أيّ شخص فيها من أن يساهم في تحقيق نتائج مهمة، يفتحون أبواب الفرص على مصراعيها. يؤمن هؤلاء بأنّ الأشخاص الذين يوظفونهم يمكنهم فعل أي شيء وبأنّه ينبغي لهم فعل أي شيء، ويؤمنون أيضاً أنّه يجب على أعضاء الفريق أن يستمروا بالتطور بسرعة وفي مجالات جديدة طوال حياتهم المهنية. على سبيل المثال، عندما كان توماس فريست يتولى قيادة مجموعة "هوسبيتال كوربوريشن أوف أميركا" (Hospital Corporation of America)، كان يتيح للأطباء بأن يصبحوا في بعض الأحيان مدراء تنفيذيين لأنّه رأى فيهم شيئاً لم يره الآخرون. وفي شركة "أوراكل"، ساعد لاري إليسون موظفة الاستقبال آنك سيلي على تعلم برمجة الكمبيوتر، قبل أن تشغل مناصب إدارية في مجال العلاقة مع العملاء وتطلق لاحقاً قسم المبيعات الداخلي في شركة "أوراكل" الذي أصبحت عملياته تصل إلى مليارات الدولارات.

عزّز المنافسة والتعاون. يقدم الكثير من القادة خدمة كلامية لثقافة شركتهم أو فرقهم ولكنهم لا يستثمرون الكثير من الوقت في تحويل الموظفين والفريق إلى فريق موحد وعالي الأداء. أما القادة الشاملون فإنّهم يفعلون هذا وبطريقة فريدة إلى حد ما. قد يعمل القادة التقليديون على تعزيز البيئة التنافسية أو التعاون الوثيق بين أعضاء الفريق، غير أنّ القادة الشاملين يفعلون الاثنين معاً. من خلال تأسيس شركة "موتاون" (Motown) للتسجيلات، ابتكر المنتج بيري غوردي بيئة ودودة وتعاونية سمحت بتشكيل صداقات مع أصحاب الأعمال الموسيقية الذين وقّع معهم، بينما عمد أيضاً إلى إثارة منافسة صحية بين الفنانين للمنافسة على التفوق.

يساعد هذا النوع من الثقافة المكثفة والراعية لأفرادها في إبقاء عقلية الفريق عقلية محبّة للاطّلاع والاستكشاف، وسيرى الموظفون أنفسهم على أنّهم "فرقة من الأشقاء" المتحدين ضد العالم. بالإضافة إلى ذلك، تترك مثل هذه المنافسة المقترنة بالتعاون تأثيراً تعاضدياً على المواهب: كلّما ساعدت الموظفين على أن يتحسّنوا، سيساعدون بعضهم البعض على التحسن. يساعد تعزيز التعاون والمنافسة القادة الشاملين على إيجاد حالة من العصف الذهني التي ينتج عنها ظهور أفكار جديدة، وهي حالة تغذي الأداء الاستثنائي خصوصاً عند تحفيز طاقات النساء. (تشير بعض الأبحاث إلى أنّ النساء ينافسن على نحو أفضل عندما يشعرن أنهنّ يفعلن ذلك كجزء من الفريق، بالنيابة عن الآخرين ومعهم).

قد يتطلب تبنّي هذه الممارسات الأربعة وتطبيقها الاستغناء عن العادات القديمة. فقد وجدت من خلال عملي مع المدراء التنفيذيين أنّ بعضهم "يتعلمون" كيف يصبحون منفتحين وشاملين أكثر بسهولة أكبر مما يفعل الآخرون. والمدراء الذين يستوعبون القيادة الشاملة أسرع من غيرهم هم من يظهرون في العادة فضولاً أكثر وشجاعة أكبر (وهي سمات يعتبرها الآخرون جزءاً أساسياً من القيادة الشاملة). إذا كنت لا تشعر بأنّك تمتلك شخصية فضولية أو شجاعة فلا تخف لأنّ باستطاعتك تعلّم هذه الصفات. يمكنك أن تبدأ ذلك عن طريق بذل مجهود للتخلي عن الغرور الذي ينتشر في بيئات الشركات، والتخلي عن حاجتك لأن تكون "الخبير"، والتدرّب على طرح المزيد من الأسئلة حتى لو كنت تخشى أن تبدو أحمقاً.

عندما تتّحلى بالفضول والشجاعة وتتبنّى السلوكيات الإدارية المذكورة هنا، ستعزز من إمكانية أن تصبح قائداً شاملاً وستبني مؤسسة عالية الأداء وكبيرة النمو.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!