في العام 1848، أعلن أحد الصحفيين في سان فرانسيسكو، ويدعى "صامويل برانان" (Samuel Brannan)، أنه عثر على الذهب في ولاية كاليفورنيا، ليتوجه إثر ذلك الخبر أكثر من 300.000 شخص إلى تلك الولاية للحصول على الثروة. وبعد مرور ما يزيد عن 150 عاماً، لا تزال "حمى الذهب" موجودة في ولاية كاليفورنيا، إلّا أنها متمثلة هذه المرة في تواجد "وادي السيليكون"(Silicon Valley). وشرعت جميع المؤسسات بإقامة مراكز جديدة لها هناك -حتى تلك التي تملك مقرات رئيسية في مدن أخرى- على أمل الاستفادة مما تمتلكه المنطقة من عقول ومواهب.

إنشاء مراكز استثمارية مبتكرة في المناطق التقنية العالمية، مثل وادي السيليكون وبوسطن، تبدو فكرة جذابة للشركات وحتى للأشخاص العاديين. كما أصبحت من الأمور الشائعة لدى أفضل 500 شركة عالمياً، إذ يتيح هذا التواجد للمؤسسات إمكانية الاطلاع الفوري والدائم على ما تنشئه تلك المناطق التقنية من اتجاهات وأفكار ومواهب جديدة، وبالتالي الاستفادة منها.

وبناء على هذه الفكرة، تُقدم المؤسسات على الاستثمار وإنشاء مواقع لها ضمن تلك المدن، وتنقل موظفيها إلى هناك، أو تقوم بتعيين أشخاصاً محليين للعمل في تلك المواقع. قد تكون هذه العملية مكلفة إلى حدٍ ما، لكن إن كنت تريد التميز، عليك أن تدفع مبلغاً لتحصل على الابتكار من المكان الذي تدرك كم المواهب والأفكار الموجودة فيه.

لكن ولسوء الحظ، قد لا تحقق هذه الأفكار والطموحات النتائج المرجوة منها على الدوام، إذ أن قربها من مركز الحدث لايعني أنها ستكون جزءاً منه. وتشير تجربتي إلى أسباب فشل تلك المراكز، وكان انعزالها وانفصالها عن بقية الشركة من أكثر الأسباب شيوعاً. وحتى لو تمكنت تلك المراكز من اكتشاف الفوائد والابتكارات المحلية الناجحة، فإنها تفشل عادةً في نقلها إلى المركز الرئيسي للشركة، وهو ما يعني فشلها في تحقيق الفائدة الأساسية من تواجدها هناك.

على سبيل المثال، قررت إحدى شركات الطاقة الأوروبية أن تفتح مركز لها في وادي السليكون قبل بضع سنوات، وأرسلت عدداً من موظفيها الشباب ذوي القدرات العالية للاكتشاف والتواصل، حيث تلقوا تعويضات سخية وفرصة هائلة لخلق رأس مال اجتماعي خاص بهم عبر مقابلة أصحاب المشاريع وأصحاب رؤوس الأموال المغامرين والتعرف على حدود الأفكار والتكنولوجيات. عملت تلك المجموعة مع تنسيق ورقابةٍ محدودة من المقر الرئيس، وسرعان ما جمّعت أفكاراً رائعة وبنت شبكة مميزة من العلاقات الشخصية والمهنية، فضلاً عن قراءتها للذكاء والأفكار المحلية.

حظي هؤلاء الموظفين بفرصة كبيرة وهائلة للنجاح، لكن لم تكن هناك أي عمليات أو نُظم لدمج ذلك الفريق مع مقر الشركة الرئيس وبقية فروعها. بكلمات أخرى، رغم اكتشاف الفريق "للذهب" كتعبير مجازي، لم يمتلك وسيلة يتقاسمه من خلالها مع باقي الشركة. وبالتالي، خسرت الشركة تلك القيمة التي استثمرتها في إنشاء ذلك المركز والذي انتهى المطاف بأفراده بمغادرة الشركة والانضمام إلى شركات محلية أخرى أو شركات ناشئة جديدة بما يحملونه من مواهب وأفكار وعلاقات ورؤى وغيرها من الأمور التي حققوها. وبالنتيجة، لم يعد لدى الشركة أي مراكز على الإطلاق في وادي السليكون منذ ذلك الحين.

نجاح المراكز الجديدة للشركات يتطلب القيام بشيئين في نفس الوقت: الأول، ترسيخ نهج "الإحساس والالتقاط" في المركز الجديد. والثاني، إعداد إجراءات "تكامل وانتشار" للتأكد من أن كل ما التقطه ذاك المركز يجري تحويله إلى المقر الأم ليُستخدم بالشكل الذي يحقق فيه الفائدة لها.

أثناء عملي مع الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات، لاحظت كيف تتغاضى الشركات عن العنصر الثاني الخاص بالتكامل والانتشار، إذ لا يتم حتى تصميمه، ويُطبق بشكل أقل بكثير مما هو لازم. في النهاية، سيؤدي تجاهل هذا العنصر إلى حرمان الشركة من الاستفادة الكاملة من رأس المال الاجتماعي والأفكار والمعلومات والفرص التي صنعتها تلك الأماكن الجديدة. ويعتبر هذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل العديد من المبادرات أقل من المأمول وغير قادرة على تحقيق العوائد المتوقعة.

كما ينبغي أن يقوم نموذج التكامل والنشر على الأهداف الثلاث التالية:

  • وضع خريطة للعلاقات المحلية. يؤدي وضع خريطة لشبكة علاقات الفريق المحلي إلى جعل الشبكة التي أنشأها واضحة ويتجنب الخطر الكامن في اختفائها إن رحل ذاك الفريق. لننظر على سبيل المثال إلى نظام إدارة العلاقات مع العملاء. لقد نشأ هذا النظام بشكل رئيس انطلاقاً من حاجة الشركات إلى البقاء على اتصال مع عملائها والتي كانت في السابق ترحل مع رحيل مندوب المبيعات عن الشركة. الأمر ذاته هنا.

  • نشر المعلومات والرؤى. يجب على فريق المركز الجديد اكتشاف والتقاط وتقييم وتوجيه الإخباريات والأفكار ونقلها إلى الشركة الأم. كما ينبغي الاستفادة من تلك المعارف ضمن الشركة عبر العمليات والإجراءات الرسمية لتجنب ضياعها. على سبيل المثال، يعمل المركز الجديد الذي أنشأته إحدى الشركات في وادي السيليكون على تطوير وتوزيع نشرة إخبارية لكامل الشركة تتحدث عن أحدث الاتجاهات والأخبار هناك. كما أنشأت شركة مرافق مجموعة مناقشة تجاه أحدث الاتجاهات والنزعات التي حصل عليها فريقها من مقر الشركة في إحدى المناطق التقنية الحديثة.

  • تسريع عمليات صفقة الشركات. عندما يكشف المركز الجديد صفقة محتملة - أي بحث أو ترخيص أو استثمار في شركات ناشئة أو عمليات دمج واستحواذ - يجب أن تكون هناك إجراءات تعمل على دمج الفرصة المحلية مع عمليات الصفقات الحالية للشركة. يجب إعادة النظر في تدفق وسرعة اتخاذ القرارات، حيث تحتاج القرارات عادة لأن تكون أسرع بكثير في بيئة تنافسية مفرطة كتلك الموجودة في المدن التقنية. وإن عدم القيام بذلك قد يحرم الشركة من الفرص، بسبب تأخرها عن الاستجابة الذي فرضته إجراءاتها الطويلة. يجب التفكير في الاختصارات والأولويات ومراجعة المسؤوليات وبروتوكولات نقل المعلومات وهيئات اتخاذ القرارات وتصميمها بشكل صحيح لتحصيل القيمة على الصفقات المحلية.


ووسط مايخلق تأسيس مركز جديد من ضجيج وحماسة، لابد للمدراء التنفيذيين وكبار موظفي الابتكار من أن يبحثوا عن سبل لخلق عائد على الاستثمار، وليس مجرد المباهاة بوجود هكذا مركز. وفي حلب كانت الشركات ترغب في جني فوائد من إنشائها هذه المراكز، فإن إرسال بضع موظفين أذكياء إلى الخارج وانتظار حدوث الأعاجيب لن يكون مجزياً، بل عليها التفكير بعناية واستراتيجية حول كيفية تشكيل وتنفيذ نموذج ثنائي الجانب، مفتاحه التكامل والانتشار، وإلا ستفوّت الشركة فرصاً لاتعوض.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!