لطالما قيل لنا أنّ العطلة الشتوية هي أجمل العطلات ومن المفترض أن تقضي فيها أوقاتاً ساحرة تقابل أحبائك وتجلس أمام النار الدافئة وتتناول الوجبات الشهية وتتبادل الهدايا المميزة. ومع ذلك، وبالنسبة للكثيرين منا، لا نجد في العطلة الشعور الذي نتوقعه ونبحث عنه، وذلك لأننا لا نعرف كيف نحقق التوازن المطلوب بين الراحة والإنتاجية.

وربما يكون من الصعب تحقيق ذلك التوازن، خاصة إذا حاول الأقارب والأزواج والأصدقاء وحتى رؤساء العمل التأثير على قرارنا بخصوص الطريقة المثلى التي علينا قضاء العطلة بها، ولكن توجد بعض الوسائل التي ستساعدك على تحقيق ما تريده في عطلتك القادمة. فلم يفت الأوان بعد.

يمثل الأسبوع الأخير من العام فرصة رائعة للراحة والتفكير في العام الماضي والاستعداد للعام القادم. ولنتعلم كيفية استغلال هذه الفرصة ونحقق في عطلاتنا الراحة والإنتاجية معاً، يجب علينا فهم ميولنا ورغباتنا أولاً. ونوضح فيما يلي ثلاثة أنواع من الأشخاص الذين يسيئون استغلال وقت العطلة.

ما الحالة الافتراضية لك في العطلة؟

الشخص الكسول: بعد أن يرسل هذا الشخص آخر رسالة بريد إلكتروني قبل العطلة، يضغط زر الإغلاق وينفصل تماماً عما حوله. ويعتبر هدفه الوحيد في العطلة، وهي أقرب إلى الرغبة غير الإرادية منها إلى الهدف، هو الانخراط في مشاهدة أكبر عدد ممكن من المسلسلات التليفزيونية. وبينما يعتقد أنّ هذا الخمول الشديد سيعيد إليه نشاطه مع نهاية العطلة، يجد نفسه بدلاً من ذلك محبطاً وغير مستعد للعودة إلى العمل. وغالباً ما يسأل نفسه: “ما الذي فعلته في كل ذلك الوقت؟” ولا يمكنه إيجاد إجابة لهذا السؤال.

إذاً، لماذا يشعر الشخص الكسول بعدم الرضا إطلاقاً عن إجازته في حين أنها تبدو مليئة بالراحة والاسترخاء؟ السبب هو أنه بينما تحاول الحصول على بعض الوقت للانفصال عن الأنشطة العملية، يكون لديك مجموعة من الاحتياجات الأُخرى التي تجاهلتها خلال البضعة شهور الماضية والتي لن تتحقق بالخمول والاسترخاء. فأنت تحتاج إلى بعض أنشطة التفاعل الاجتماعي الهادف (وللأسف، جلوسك لمشاهدة “نيتفليكس” (Netflix) مع شريكك لا يعد نشاطاً اجتماعياً هادفاً)، فهناك بعض الأنشطة البدنية وبعض التفكر المفيد بالإضافة إلى الأمور الأُخرى التي يجب عليك القيام بها.

مهووس العمل: يستمر هذا الشخص بالعمل دون توقف حتى في العطلة. وإذا كان من الناحية العملية متغيب عن العمل، فهو يحشر العمل بين أنشطته الأُخرى مثل تناول الطعام والقيام بالتزاماته الشخصية الأُخرى. والمشكلة هنا واضحة، إذ أظهرت الأبحاث أننا جميعاً نحتاج إلى فترات من الهدوء والراحة في جدول أعمالنا. وإذا استمرينا في تجاهل حاجتنا للراحة، فسوف يؤدي بنا ذلك إلى الانهيار دون شك.

فإذا كان من البديهي والواضح أنّ الانخراط في العمل لا يعد فكرة سديدة، فلماذا يقع البعض بسهولة في هذا الهوس؟ بالتأكيد، يكون الأمر أحياناً خارج عن سيطرتنا، عندما يطلب المدير ذلك أو يتطلبه العمل مثلاً. ولكن، بالنسبة للمهووسين بالعمل ومن يحملون أنفسهم فوق طاقتها، غالباً ما توجد أسباب هدامة لذلك. تعتبر العطلة فرصة رائعة يصعب تفويتها، وهي فرصة الاستمتاع بقضاء الوقت. فغالباً لا يجد الموظف وقتاً خالياً من الاجتماعات المتتالية ورسائل البريد الإلكتروني المتواصلة والطلبات المتزايدة باستمرار، وخاصة أصحاب المناصب الإدارية. ويوضح البحث الذي أجراه إريك غارتون، المدير الشريك في شركة “باين أند كومباني” (Bain & Company)، أنّ معظم المدراء لا يملكون لأنفسهم سوى سبع ساعات في الأسبوع تكون مقسمة عادة إلى فترات تستمر 20 دقيقة. وبالنسبة لمثل هؤلاء الأشخاص، فالراحة من الاجتماعات المستمرة والتمتع بوقت خال من رسائل البريد الإلكتروني أمر لا يمكن مقاومته.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أنّ استغلال العطلة في إنجاز بعض العمل يزيل عنك الضغط قصير المدى، إلا أنه يعني فقدان فرصة أكبر للتخلص من الضغط بعيد المدى. فكر في الأمر، متى ستسمح لك الفرصة مرة أُخرى بالاستراحة من العمل لمدة أسبوع أو أكثر، دون أن يكون لديك المزيد من العمل المطلوب إنجازه؟

مدمن النشاط: يحوّل مدمن النشاط إدمانه للعمل إلى اتجاه مختلف، فبدل الانطلاق من اجتماع إلى آخر، ينطلق من حفلة إلى أُخرى ويسافر لساعات ومسافات طويلة ليلتقي بكل فرد من أفراد العائلة، فلا يترك لنفسه وقتاً للتوقف أو الراحة أو الاختلاء بنفسه. وعندما يجد أخيراً وقتاً لنفسه، يكون منهكاً ولا يستطيع القيام بأي شيء سوى الانهيار من التعب.

وفي بعض الحالات، يحدث ذلك بسبب غياب حدود حماية النفس (فتقول مثلاً: “لا يمكنني إخبار العمة ساندرا أنه لا يمكنني رؤيتها هذا العام، يشعرني ذلك بذنب كبير”). وفي حالات أُخرى، يكون السبب طغيان عاداتنا في العمل على حياتنا الشخصية (مثل الأشخاص الذين لا يمكنهم زيارة باريس دون رؤية كل الأشياء والتفاصيل الصغيرة في متحف اللوفر). ومهما كان السبب في ذلك، فالنتيجة هي أنّ هؤلاء الأشخاص ينجرفون إلى دوامة من حفلات العطلات وتبادل الحلوى والهدايا والأمسيات الاحتفالية حتى يجدوا أنّ العطلة انتهت وهم يشعرون بحالة إجهاد عصبي وانهيار شديد.

اختر بنفسك أسلوباً أكثر اتزاناً

بعد أن تحدد توجهاتك وميولك، يصبح التحدي هو معرفة الاستراتيجية التي تحتاجها لرسم مسار أفضل لعطلتك. وإليك بعض النصائح التي تساعدك على ذلك:

  • ضع أهدافاً مستدامة لقضاء عطلتك: غالباً ما ينساق الأشخاص ذوي الأداء المهني العالي نحو العمل ويركّزون على إنجاز المهام وتحقيق الأهداف. ولكي نجعل العطلة وقتاً للراحة والاسترخاء، يمكننا تحويل هذا الدافع في مصلحتنا. وأقترح عليك وضع أهداف لأوقات النوم والتمارين الرياضية وأوقات إنجاز مهام العمل بالإضافة إلى الأنشطة الأُخرى الهامة بالنسبة لك.
  • امنح نفسك وقتاً لترتيب أفكارك: إذا كنت مشغولاً مثل معظم الناس، فذلك غالباً لأنك لم تمنح نفسك وقتاً كافياً لاستيعاب ما مررت به العام الماضي. فعندما تتجاهل ترتيب أفكارك وتجاربك فكأنك تترك صندوق الواردات في البريد الإلكتروني لعقلك مكتظاً بالرسائل دون ترتيب، حيث يؤثر ذلك على طاقتك الإدراكية وقدرتك على التعامل مع التجارب الجديدة بحكمة وهدوء. ولا يهم إن كان هذا الترتيب من خلال قراءة صحيفة في مكان هادئ أو تبادل الأحاديث مع الأصدقاء والعائلة، فما يهم هو أن تمنح نفسك وقتاً لتفريغ صندوق الواردات داخل عقلك.
  • حدد أهدافاً للعام القادم واقض المزيد من الوقت في التخطيط لكيفية تحقيقها أكثر من الوقت الذي تقضيه في وضعها: يستغل الكثير من الناس فرصة الإجازات الشتوية لوضع أهداف العام الجديد، ولكن تُظهر الدراسات أنّ الكثير من هذه الأهداف لا يتم تحقيقها، ما يولد لدينا شعوراً بالذنب والقلق. ولزيادة فرصة تحقيق أهدافنا والشعور بالراحة والسلام أثناء العطلات لابد من قضاء وقت كاف للتخطيط المسبق. ففي الغالب، لن تحدد أهدافاً غير واقعية إذا وضعت كذلك خطة لتنفيذها. فمثلاً، لا يبدو قرار “سوف أتمرن ثلاث مرات في الأسبوع لمدة 20 دقيقة قبل الذهاب للعمل”) مثيراً لكنه سيساعدك أكثر على خسارة الوزن الذي ترغب فيه بدلاً من انتهاء عطلتك بهذا الهدف “سوف أخسر 20 رطلاً بحلول شهر مارس/آذار”.
  • ضع تقاليد لقضاء العطلات وتمسك بها: تعتبر التقاليد نوعاً من العادات، ويعتبر تطوير العادات وتعديلها هو السر في تحقيق أهدافنا وتحقيق المزيد من الإنتاجية دون إيصال أنفسنا للجنون. ولا يختلف الوضع بالنسبة للعطلات، إذ يساعد وضع تقاليد لقضاء أوقات هادفة ومثمرة ومريحة طوال فترة العطلات في ضمان حصولنا على العطلة التي نتمناها حقاً. كما تساعد التقاليد التي تهدف لقضاء أوقات مريحة ومثمرة على حمياتنا من طلبات الكثير من الأشخاص في حياتنا حول أفضل طريقة علينا قضاء العطلات بها. فليس من السهل على الناس بشكل عام محاولة التصدي لتقاليدك الراسخة.

تعتبر العطلات بالنسبة لكثير من الموظفين أملاً كبيراً للحصول على الراحة وتجديد النشاط. فاغتنم هذه الفرصة قبل أن تنتهي العطلة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!