لنكن واقعيين — كل منا لديه عادة ما تُقيد مساره المهني. وسواء تمثلت تلك العادة في ضعف مهارات التواصل مع الآخرين، أو الميل إلى التلكؤ، أو المهارات التقنية جيدة ولكنها ليست رائعة، تُعد العادات التي نكافح لتغييرها من أكبر العراقيل التي تقف أمام فرص الترقي.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

قبل بضع سنوات، أجريتُ أنا وزميل لي دراسة شملت 5 آلاف شخص حاولوا تغيير عادة راسخة تقيد مسيرتهم المهنية. ووجدنا أن أقل من 10% منهم نجحوا في إحداث تغيير عميق ودائم.

وعندما بحثنا في سبب نجاح هذا العدد القليل دون البقية، وجدنا مفارقة غريبة: فقد تحدّثَ الناجحون عن أنفسهم بالطريقة نفسها التي يتحدث بها عالم النفس التجريبي عن فئران التجارب التي يعتز بها. على سبيل المثال، أخبرنا مدير خجول يطمح إلى الحصول على منصب تنفيذي، أنه يذهب إلى كافتيريا الموظفين ثلاث مرات في الأسبوع ليتناول الغداء مع شخص لا يعرفه نهائياً. وبسبب الشعور بالقلق الذي يلازمه، لا يأخذ هاتفه الذكي معه قبل مغادرة مكتبه لأنه يعلم أنه لو كان بحوزته لن يتوقف عن استخدامه للتقليل من شعوره بالقلق. فقد علم أنه عندما يضع نفسه ببساطة في تلك الظروف، سوف يتمكن من التواصل مع أناس جدد، وبناء علاقات معهم، وهي عادة ومهارة أراد أن يغرسها داخله.

بمعرفة هذا النمط الغريب إلى حد ما، بدأنا في البحث عن مزايا استخدامه. فهؤلاء الأشخاص الذين يتغيرون ذاتياً ويتمتعون برؤى ثاقبة أدركوا أن أفضل طريقة للتحكم في سلوكهم هي التحكم في الأشياء التي تتحكم بهم. وبذلك تغلبوا على عجرفتهم الساذجة التي تجعلهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أشخاصاً عقلانيين وفريدين من نوعهم، وأن أفعالهم ما هي إلا نتاج القرارات المتعنتة. إلا أن أدلة عمرها 70 عاماً مستقاة من علم الاجتماع تشير إلى العكس، أي أننا نستطيع التحكم في سلوكنا بدرجة أقل بكثير مما نعتقد. فنحن نتشكل بشكل كبير بفعل قوى خارجية تتلاعب بنا وتشتتنا وتثيرنا وتعيقنا.

هؤلاء الذين نجحوا في تغيير سلوكهم، ممَن شملتهم دراستنا، هم الذين آمنوا بتلك الحقيقة وجعلوها تعمل لصالحهم، وبذلك فإن النهج الذي اتبعوه للتحكم في سلوكهم هو التحكم في مصادر التأثير التي من الصعب تطويعها، وقد فعلوا ذلك بشكل أساسي من خلال التلاعب بأنفسهم، ليتمكنوا من رؤية المواقف من منظور مختلف.

وفيما يلي بعض الأساليب الشائعة التي يمكنك بها أن تخدع نفسك لإحداث تغيير:

1. تحكم في المسافة. نحن ساذجون بوجه خاص عندما يتعلق الأمر بالدرجة التي يمكن بها للبيئة المادية المحيطة بنا أن تشكل خياراتنا. على سبيل المثال، ما تأكله يتشكل إلى حد كبير بفعل ما تراه أكثر من أن تبحث عنه. فالطبق الممتلئ بالشكولاتة الموضوع على مكتب زميلك سيُطلق عملية إدراكية حتمية لن تنتهي إلا وأنت مستسلم لهذا الإغراء، فقد أكلت منه لأنك رأيته.

يمكنك أن تستغل هذه الحقيقة لخداع نفسك بهدف إحداث تغيير عن طريق التلاعب في المسافة، وذلك بأن تضع الأشياء السيئة بعيداً، وتحضر الأشياء الجيدة بالقرب منك، وحينها سيتغير سلوكك. مثلاً إذا كنت تحاول التغلب على مشكلة التلكؤ، لا تجلس في الأماكن حيثما توجد مشتتات مغرية. فإذا كنتَ تعمل في بيئة مكتبية مفتوحة، خذ جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بك واجلس في إحدى الغرف المخصصة للاجتماعات عندما تحتاج إلى ساعة من التركيز الشديد. وإذا كنتَ ترغب في قراءة المزيد من المجلات التقنية، ضعها على صفحتك الرئيسية في متصفح الإنترنت بدلاً من إشعارات التخفيضات على المبيعات أو أحدث الأخبار.

2. غيّر أصدقائك. هناك مقولة مكسيكية تقول "قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت". لا يمكنك الاختيار ما بين أن يُشكّلك الأشخاص الذين تتعامل معهم أم لا. فهُم يحددون الطريقة التي تفكر بها، وكيف تشعر، والملابس التي ترتديها، كما أنهم يؤثرون على اختياراتك المتعلقة بالشراء والأكل والدراسة والكره وحتى طريقتك في التصويت. لذا ينبغي لك قضاء وقت أقل مع الأشخاص الذين يرسخون فيك العادات السيئة، وقضاء المزيد من الوقت مع الأشخاص الذين يدعمون السلوكيات الجيدة. على سبيل المثال، إذا كنتَ ترغب في غرس سلوك أكثر إيجابية تجاه التغيرات الكبيرة، أَكثِر من عدد مرات تناول الغداء مع هؤلاء الذين يقودون مثل هذه التغييرات، واقضِ أوقاتاً أقل مع هؤلاء الذين يشكلون اتجاهاً معارضاً لتلك التغييرات.

3. ضع لنفسك جدولاً زمنياً. يميل البشر إلى الانحياز للوضع الافتراضي، فمثلاً إذا وجدنا على صفحة ويب مربع داخله علامة، من المرجح أن نترك هذه العلامة داخله كما هي. وإذا تطلب تجديد رخصة القيادة اختيار عدم المشاركة في التبرع بالدم بدلاً من اختيار قبول التبرع بالدم، العديد منا سيتبرعون بالدم. إذاً، الإعدادات الافتراضية تدخل حياتك. لا تكتف بقول "أريد التمرن على العرض التقديمي قبل استعراض النتائج الربع سنوية". بل حدد وقتاً للتمرن وضعه في جدول مواعيدك، فمن المرجح بدرجة كبيرة أن تقضي هذا الوقت في التمرن بالفعل إذا حولته إلى خطة افتراضية.

4. درّب نفسك. ننزع إلى التفكير في أن هفواتنا السلوكية ناتجة في الغالب عن انعدام الإرادة، وليس لافتقار مهارة ما. وهذا ليس صحيحاً. فنحن نصبح أقل تحفيزاً عندما نشعر أننا أقل كفاءة، لذا، عندما تحاول تغيير سلوكك، لا تسعى إلى إجبار نفسك على التغيير، بل درّب نفسك عليه. وذلك من خلال خلق فرص للممارسة المنتظمة بهدف رفع كفاءتك، وهو ما سيجعلك بدوره أكثر تحفيزاً. على سبيل المثال، اشترتْ مسؤولة تنفيذية، ترغب في تحسين مهاراتها في التواصل مع الآخرين، كتاباً حول إجراء المحادثات القصيرة. وفي كل أسبوع كانت تختار إحدى الطرق وتحدد المواقف التي يمكنها أن تمارس تلك الطريقة فيها، ولم تكن فترات التمرن تستغرق سوى بضع دقائق، لم يكن الأمر مريحاً نوعاً ما ولكنها لم تشعر بذلك بدرجة كبيرة، لأنها اعتبرته نوعاً من التمارين الرياضية التفاعلية. وبمجرد أن تمرنت على تلك المهارة عدة مرات، بدأت في الشعور بالراحة والثقة. اجعل شعورك مختلفاً إزاء اكتساب سلوكيات جديدة بأن تنظر للأمر وكأنه عملية يتم من خلالها اكتساب مهارات جديدة بطريقة منهجية.

5. غيّر صياغتك. من السهل للغاية أن تتحكم في نفسك من خلال صياغة الخيارات بطريقة مختلفة. يفعل الآخرون هذا بك طول الوقت، على سبيل المثال عندما يقدمون المياه الغازية بوصفها مظهراً من مظاهر التحضر أو السيارة الجديدة بوصفها السبيل لبناء علاقات اجتماعية أقوى، هو أمر سخيف، ولكنه فعال. ويمكننا أن نطبقه على أنفسنا أيضاً. على سبيل المثال، إذا أجريتَ ببساطة تعديلات طفيفة على الكلمات التي تستخدمها للتعبير عن قرار ما، فإن ذلك من شأنه أن يغير من شعورك. أظهرَ بحث أجرته فانيسا باتريك أنك عندما تواجه إغراء ما، ستقاومه على نحو أفضل بكثير إذا قلت "لا أفعل ذلك" وليس إذا قلت "لا يمكنني فعل ذلك". الأشخاص الذين نجحوا في التغيير ممّن شملتهم دراستنا استخدموا عبارات رفعت مستوى التحفيز لديهم من خلال صياغة قراراتهم بطريقة تجعلها متصلة بالقيم والأهداف الشخصية. فمثلاً إذا لاحظتَ أنك تقاوم إجراء محادثة غير مريحة ولكنها ضرورية، فمن المرجح أنك تصوغ الأمر بطريقة تعزز تلك المقاومة بأن تقول على سبيل المثال "يجب أن أتعامل مع هذه المشكلة". ولكن يجب عليك تغيير الصياغة بأن تسأل نفسك "لماذا أرغب في إجراء هذه المحادثة؟" عندما تفكر ملياً في هذا السؤال، قد تكتشف حافزاً ما، مثل "الحفاظ على المستقبل المهني لمرؤوسي المباشر". فالذهاب إلى أحد الاجتماعات بغية الحفاظ على المستقبل المهني لصديق ما، يبدو مختلفاً عن الذهاب إلى الاجتماع نفسه "للتعامل مع مشكلة".

يغفل أغلبنا عن القوى العديدة التي تشكل خياراتنا. كما أننا نبالغ في تقدير إلى أي مدى نُعد نتاجاً للخيارات الواعية، ونستهين إلى حد كبير بقوة الأوضاع السائدة والقوى الاجتماعية. فقد حان الوقت لنتعلم كيف نسيطر على حياتنا من خلال التسليم بهذه الحقيقة حول الطبيعة البشرية، وأن نجعلها تعمل لصالحنا وليس ضدنا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!