كيف تحوّل شركتك إلى شركة ناضجة؟

19 دقيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio
لماذا يتعثّر الكثير من الشركات الناشئة التي تبدو بأنّها تمتلك كلّ أسس النجاح من الزبائن إلى السيولة النقدية إلى المستقبل الواعد؟ حاول طرح هذا السؤال على أحد المستثمرين المغامرين “المستثمرين الجريئين” (Venture Capitalist)، وستسمع منه على الأرجح بأنّه يواجه مشكلة في “توسيع نطاق عمل شركته ونقلها إلى مرحلة النضج”.

ولكن ما الذي يعنيه ذلك؟ يصف الرأسماليون المغامرون عادة هذا الأمر بأنه الحاجة إلى “إضفاء الطابع الاحترافي على عمل الشركة” و”إدخال أشخاص ناضجين إليها”. لكنّ هذه الحلول تُعتبرُ حلولاً تبسيطية، وهي عبارة عن بدائل سيئة للتغييرات الجوهرية التي يجب أن تحصل. فالشركات الناشئة في هذه الأيام تنمو بسرعة كبيرة إلى درجة يصبح معها من الصعب عليها تصحيح مسارها عندما تنتبه إلى الخطوات الخاطئة التي كانت قد اتّخذتها. كما أنّ هذه الشركات قادرة على تحسين آفاق عملها من خلال فهم الآليات التي تحكم نضوج الشركة قبل أن تصل إلى مواجهة لحظة الحقيقة.

يشبّهُ المستثمر المغامر بن هورويتز (Ben Horowitz) توسيع نطاق عمل الشركة الناشئة وإنضاجها بظاهرة “الفن الأسود”. وقد اقترح هو وغيره أفكاراً مفيدة من أجل فك طلاسم عملية النضوج، لكنّ الشركات الناشئة لاتزال تفتقر إلى إطار مقنع للانتقال إلى شركات ناضجة. وهذا ما نقدّمه في مقالتنا هذه. فاعتماداً على دراسات الحالات الشاملة التي قمنا بها لشركات سريعة النمو، واستناداً إلى 75 عاماً من الأبحاث الخاصّة بالمؤسسات، حدّدنا أربع أنشطة أساسية للوصول بشركة ناشئة معيّنة إلى حالة النضوج بنجاح. فالشركات يتعيّن عليها “الاستعانة بالخبراء المختصّين”، لنقل المشروع إلى المستوى التالي، “وإضافة هياكل وبنى إدارية” لاستيعاب التزايد في أعداد العمّال، مع المحافظة في الوقت ذاته على الروابط غير الرسمية في عموم أنحاء المؤسسة، و”بناء القدرات في مجال التخطيط ووضع التوقعات”، و”تحديد القيم الثقافية للشركة بوضوح وتعزيزها” وخاصّة أنها سوف تكون ضرورية للمحافظة على استدامة الشركة.

من السهل جدّاً إساءة تفسير هذه الأنشطة واعتبارها نوعاً من التكرار – أي اعتبارها مجرّد زيادة لقدرات الأنشطة التي تقومون بها أصلاً الآن وتحسين كفاءتها. لكنّ هذه الأنشطة تهدف إلى التعامل مع التعقيد المتنامي في السوق وفي الجوانب التنظيمية، والذي يترافق مع سعيكم للبحث عن أماكن “مختلفة” للنمو. وذلك قد يعني تطوير منتجات أو خدمات جديدة، أو الدخول إلى أسواق جديدة، أو السعي وراء أنواع أخرى من الابتكار.

سيقاوم العديد من روّاد الأعمال هذه الأنشطة. فهم غالباً ما يطوّرون استراتيجياتهم بطريقة انتهازية، مفتقرين إلى إطار مرجعيّ، لأنّهم يبدؤون من الصفر، كما أنّهم يتبنّون مقاربة مشابهة مرتجلة في بناء مؤسساتهم. ويميل المؤسّسون إلى النظر إلى الهيكليات والعمليات الرسمية – وهي عناصر مشتركة بين الأنشطة الأربعة جمعيها – بوصفها تشكّل تهديداً لأرواحهم الريادية. كما أنّهم يشعرون بالقلق بخصوص فقدان السرعة، والسيطرة، والحميمية بين أعضاء الفريق. ولكن عندما يتحاشون النظام والانضباط، فإنّهم يدفعون ثمناً باهظاً، يتمثّل في عمليات فوضوية وأداء لا يمكن التنبؤ بمساره.

إنّ محاولة إنضاج الشركة الناشئة لا تعني بأنها يجب أن تتخلّى عن هويتها كشركة ناشئة، وأن تتبنّى عقيدة الشركة الكبيرة عندما تكون في طريقها إلى النمو. لكنّ الشركات المستعدّة لإدارة ذلك النمو – ولتعلّم طرق جديدة في العمل والسلوك – لديها فرصة أفضل بكثير للنجاح على المدى البعيد.

إنشاء مناصب متخصّصة

يلجأ المؤسِّسون عادة إلى اتّباع مقاربة “من كل بستان زهرة”، أي بصورة أساسية هم يفعلون كل ما من شأنه أن يجعل الشركة تقف على قدميها. فهم يستعينون عبر الأقنية غير الرسمية بأناس مثلهم من ذوي الخبرات العامّة ومن غير المتخصّصين، حيث يتولّون أدوارهم ومسؤولياتهم معاً بطريقة غير منظّمة. وهم يفعلون ذلك جزئياً مدفوعين بشغفهم، وجزئياً من خلال النظر من حولهم لرؤية ما يجب فعله. يمكن لهذه المقاربة الفريدة من نوعها والتي تقوم على إسهام الجميع في كل تفاصيل العمل أن تسير على ما يُرام في البداية، عندما يكون الأدرنالين مرتفعاً وعندما تكون الشركة صغيرة. ولكن مع توسّع المؤسسات، فإنّها تواجه مستويات جديدة من التعقيد تتطلّب منهم تعريف المهام وإيكالها إلى الناس بطريقة أكثر رسمية.

ولتحقيق ذلك، فإنّ المؤسِّسين يسعون عادة إلى تعيين أشخاص متخصّصين في مجموعة منتقاة من الوظائف، مثل المبيعات، والموارد البشرية، والتسويق، والأبحاث والتطوير، والتصنيع. وهذا الأمر مفيد لهم بطريقتين. أولاً، لأنّ المختصّون هؤلاء يستعملون معارفهم لإنجاز الأعمال المرتبطة بوظائفهم بفعالية أكبر. ثانياً، عندما يطرحون الممارسات الفضلى ضمن مجالاتهم وبطبّقونها، فإنّهم يحفّزون على النمو المستقبلي عبر خلق حالة من الاسترخاء في بقيّة أنحاء الشركة. فالناس الذي لا يعودون مضطرين إلى القلق بخصوص التسويق، على سبيل المثال، يستطيعون الانتقال إلى التركيز على أنشطة أخرى.

بالطبع، كلّ ذلك يمكن أن يخلق حالة من التوتّر بين “الحرس القديم” الذي يملك معارف عمومية غير متخصّصة، وبين الخبراء في المجالات المختلفة. وغالباً ما يكون الطلب على الخبرة الوظيفية أكبر من قدرات الموظفين الأوائل على المواكبة من خلال ممارستهم للتعلّم التلقائي (Organic Learning). ونتيجة لذلك، تذهب الألقاب القيادية الوظيفية إلى أشخاص من خارج الشركة، الأمر الذي يقود إلى حالة من الاستياء في أوساط الموظفين القدامى. كما أنّ الموظفين الأوائل قد يشعرون بالغيظ جرّاء فرض قيود على أدوارهم وتضييق هذه الأدوار. فليس كلّ شخص يمتلك معرفة عامّة غير متخصّصة قادراً أو حتّى راغباً بأن يصبح اختصاصياً. وغالباً ما يشعر الناس بالإحباط ويغادرون، آخذين معهم علاقاتهم القيّمة وفهمهم الدقيق لرسالة الشركة وثقافتها.

لكي تضمن استمرار الناس في العمل معاً بطريقة بنّاءة، من الأهمية بمكان التنبؤ بهذه الآلام المتنامية والتعامل معها. ودعونا نأخذ مثالاً من شركة ناشئة هي برتشبوكس (Birchbox) لنرى كيف فعلت ذلك. فقد شهدت برتشبوكس نموّاً هائلاً جدّاً وسريعاً بعد بضع سنوات فقط من تأسيسها، بفضل نموذج تجاري يتمحور حول اكتشافات المستهلكين لمنتجات تجميلية جديدة. ففي كلّ شهر، كان المشتركون يتلقّون صندوقاً من العيّنات المنتقاة بحسب الطبيعة الشخصية لكل زبون. وكان بوسعهم ببساطة أن يدفعوا رسومهم وأن يستمتعوا بالعيّنات؛ وكان بوسعهم أيضاً الذهاب إلى موقع برتشبوكس على الإنترنت لشراء كمّيات أكبر من المنتجات التي أعجبتهم. وكان هناك فريق مكلّف بكتابة مقالات إلكترونية دائمة ووضع أفلام فيديو إيضاحية بخصوص التوجّهات السائدة في عالم الجمال من أجل تحقيق قدر أكبر من التفاعل مع الزبائن. وقد اجتذب هذا النموذج مليون مشترك خلال السنوات الأربع الأولى، ممّا ألهم عشرات الشركات الناشئة تقليد نموذج برتشبوكس في مجالات أخرى.

ولكي تواكب برتشبوكس الطلب، نمت من شركة تضمّ ثمانية موظفين في 2010 إلى مؤسسة فيها أكثر من 300 موظف في أبريل (نيسان) 2014، عندما ضمنت الحصول على تمويل بقيمة 60 مليون دولار في جولة ثانية لجمع الأموال. وفي خضمّ هذه العملية، حصل تحوّل في أدوار الموظفين ومسؤولياتهم. وتتذكّر نيكول فيلي (Nicole Fealey)، مديرة عمليات الموظفين والأداء مقدار الإثارة التي كانت تشعر بها خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى عندما كانت مضطرة إلى العمل في كل المجالات والأقسام. تقول نيكول: “هذا أكثر جانب أحبّه في الشركات الناشئة. أنت لا تشعر بالملل أبداً”. لكنّها تدرك بأنّها هي وغيرها من الموظفين الأوائل كانوا يفتقرون إلى المعارف والخبرات التي تسمح لهم بالتعامل مع كل شيء بأنفسهم عندما كانت الشركة تكبر – وبأنّهم كانوا سيشعرون بالاستنزاف الكامل لو أنّهم حاولوا.

لنتخيّل الجوانب اللوجستية المصاحبة لشحن مليون صندوق من العيّنات الخاصّة كل شهر – أو مهمّة بناء علاقات في مجال المبيعات مع ما يكفي من المؤسسات الشريكة للاستمرار في ملء هذه الصناديق بمنتجات جديدة ومثيرة للاهتمام. ولكي تكون برتشبوكس قادرة على تدبّر هذا العمل المعقد، فإنّها قد قسّمته إلى وظائف متخصّصة، ولجأت إلى خبراء في المجالات المعنيّة بهدف تحسين فعالية كل مجال منها. وقد شملت قائمة الموظفين الجدد مسؤولاً للشؤون التكنولوجية يمتلك شهادة الدكتوراه في جامعة كارنيغي ميلون، ونائبة للرئيس لشؤون حملات الأصناف التجارية جاءت من صفوف شركة بوز آند كومباني (Booz & Company).

“عندما دخلت إلى الشركة وأجريت مراجعة موضوعية لبعض العمليات الشهرية، لاحظت بأنّها كانت قد صمّمت بطريقة سريعة ومرتجلة”. هذا ما قالته كيت برايس التي شغلت منصب نائبة الرئيس لشؤون حملات الأصناف التجارية لمدّة ثلاث سنوات قبل أن تصبح نائبة الرئيس لشؤون كندا. “وبما أنّني كنت قد عملت استشارية من قبل، فقد عرفت بحكم خبرتي بأنّنا يجب أن نصلح كل هذه الأشياء، لكنّني سرعان ما تعلّمت احترام الناس الذين كانوا وفي عمر الرابعة والعشرين قد بنوا عملية كانت جزءاً من المحرّك الذي يحافظ على استمرارية الشركة”. وتتفق كاتيا بوشامب، وهي أحد الشركاء المؤسسين، مع الرأي القائل بأهمية احترام الحرس القديم – وهي مجموعة من الأشخاص يرى الشركاء المؤسسون بأنّها أساسية جدّاً “للخلطة السحرية” لشركة برتشبوكس. تقول كاتيا: “أعتقد أننا ناجحون تماماً في إظهارنا للموظفين مدى تقديرنا لمجموعات المهارات القيّمة الموجودة لديهم والاحتفاء بفكرة أنّنا لم نكن لنصل إلى هنا لولا قدراتهم الجماعية”. هذه النظرة جعلت الموظفين الأوائل يشعرون على الدوام بأنّ هناك من يقدّرهم، كما أنّها شجعتهم على التفاعل الإيجابي الدائم.

ومع ذلك، فقد عانوا في بعض الأحيان في العثور على موقعهم ضمن المؤسسة الآخذة بالنمو. وتعترف بيشامب بأنّ “الأمر مخيف بكل تأكيد. ولا أعتقد أنّ الأمر سهل بالنسبة لي حتّى هذا اليوم. ولا أعتقد أنّه سهل لأيّ كان. فقد تعيّن على بعض الناس توظيف مدرائهم بأنفسهم ليشرفوا على الأنشطة التي كانوا هم أنفسهم يرعونها منذ البداية، حيث قاموا بإعادة صياغة توصيفاتهم الوظيفية بناءً على ذلك. أمّا مات فيلد، وهو موظف سابق من الموظفين الأوائل كان قد ترأسّ قسم العمليات الدولية خلال مرحلة النمو الكبير، فقد رأى في ذلك فرصة للتطوير الشخصي. يقول مات: “كنت أعلم بأنّني لم أكن امتلك الخلفية أو المعارف التي تمكنني من نقل برتشبوكس إلى مستوى الطموح الذي كان لدينا. لقد وظّفت شخصاً بوسعه أن يعلّمني ويقويني لكي أحسّن من أدائي لعملي”.

كان واحد من الأمور الأساسية هو غرس ذهنية التعلّم لدى الموظفين، وكذلك تذكيرهم بالتحدّيات التي تنتظرهم، وكيف يمكن للأشخاص الموهوبين من أصحاب الخبرة أن يساعدوا الشركة. هذه الأشياء دفعت فيلد والآخرين إلى التركيز على الصالح العام عوضاً عن الشعور بالقلق تجاه أهميتهم ووضعهم في الشركة ضمن الهيكل التنظيمي الجديد. تقول بيشامب بأنّها هي والشريكة المؤسسة هايلي بارنا “بذلنا جهداً هائلاً لإقناع الموظفين بأنّهم قادرون على توظيف أناس أفضل منهم”. إنّ إشراك أعضاء الحرس القديم في عملية التوظيف طمأنهم إلى أنّ كلمتهم ستظلّ مسموعة. كما أن المؤسِّسين أخبروهم كيف يمكن للخبراء في مختلف المجالات أن يكونوا بمثابة المرشدين لهم، وأن يساعدوهم في تطوير خبراتهم المتخصّصة في شركة آخذة بالنمو.

مع انضمام بعض الأشخاص من الخارج واستقرارهم في مختلف الأقسام، اضطلع الموظفون الأوائل بدور هام تمثّل في ضمان الانسجام بين الجميع، وذلك نتيجة لفهمهم الواسع لمدى الترابط بين المكوّنات المختلفة للنموذج التجاري. كما أنّهم بمثابة القناة الثقافية التي ترجعنا إلى الوقت الذي لم يكن لبرتشبوكس فيه علامة تجارية مميّزة. ففي ذلك الوقت، كان اجتذاب اهتمام الشركاء والزبائن المُحتملين يحتاج إلى أشخاص واسعي الحيلة ويحسنون التصرّف.

تقول بيشامب: “يمزح الموظفون ويقولون بأنهم ما كانوا ليتمكّنوا من الحصول على وظائفهم الآن. فالحرس القديم لم يكن يتمتّع بخبرة كبيرة في هذا القطاع، لكنّهم يمتلكون مهارات فائقة في برتشبوكس، وتحديداً في فهمهم لرؤيتنا وطريقة عملنا”.

هل ينطوي التخصّص على بعض المخاطر؟ بكل تأكيد. فعندما يصبح لكلّ وظيفة قائد مستقل، فإنّ الموظفين قد ينعزلون كلّ في صومعته، وقد يفقدوا تماهيهم مع المؤسسة بأكملها. ويمكن للغرائز القبلية أن تمنع الناس العاملين في وظائف مختلفة من تبادل الأفكار والابتكارات، لذلك يتعيّن على الشركات أن تضمن استمرار عمليات التواصل غير الرسمية بين مختلف الفرق والأقسام. فعندما تكون الشركات في مرحلة النمو الكبير، فإنّها غالباً ما تتخلّى عن الأنشطة الهادفة إلى بناء العلاقات لتركّز أكثر على الأعمال المتطلّبة الأكثر إلحاحاً. ولكن مع مرور الوقت، قد يقود هذا الأمر إلى حالة من الجمود وعدم الإبداع. لكنّ مصلحة الشركات على المدى البعيد تقتضي منها تعزيز التلاقح المتبادل بين مختلف الأقسام والوظائف في ذات الوقت الذي تنظّم فيه الأمور لتقديم الدعم للعمل الذي يجب إنجازه. ولا يكمن الحل في تحاشي بناء صوامع منعزلة يعمل الموظفون فيها، وإنّما في إيجاد طرق لبناء الجسور بين هذه الصوامع.

إضافة هيكلية إدارية

عندما يطلق المؤسِّسون شركاتهم الناشئة، فإن العديد منهم يتجنّبون غالباً الهيكليات والتراتبيات الهرمية بسبب القيم والمثل التي يحملونها والقائمة على المساواة بين الجميع. ولكن عندما تبدأ مؤسساتهم بالنضوج والتوسّع، يحصل تزايد في أعداد الموظفين العاملين تحت أمرة عدد صغير من المدراء. قد يعتقد المؤسِّسون بأنّ ذلك يسمح لهم بالمحافظة على سيطرتهم، لأنّ جميع القرارات تمرّ عبرهم. لكن المفارقة في الأمر، هي أنّ مؤسساتهم تخرج عن سيطرتهم بما أنّ السلطة المركزية تصبح بمثابة عنق الزجاجة التي تعيق تدفّق المعلومات، واتخاذ القرارات، والتنفيذ. فشخصان في قمّة الهرم لا يمكنهما أن يشرفا بفعالية على الأعمال اليومية التي يؤدّيها الجميع والتي يتزايد تخصّصها بشكل مضطرد؛ وضمن هكذا نظام، تضيع المسؤولية عن تحقيق الأهداف المؤسسية. كما أنّ الموظفين يجدون صعوبة في البقاء في حالة من التركيز والتفاعل عندما لا يكون هناك توجيه لهم من مدرائهم، وعندما لا تكون هناك عمليات إدارية واضحة. وقد يصابوا بالإحباط أثناء محاولتهم الوصول إلى صنّاع القرار المضطرين إلى التعامل مع العديد من المشاريع والناس الآخرين.

حصل هذا الأمر في مرحلة مبكّرة في شركة كلاود فلير (CloudFlare)، وهي شركة ناشئة مقرّها سان فرانسيسكو تأسّست في العام 2009 وسرعان ما أصبحت لاعباً هامّاً في مجال صياغة المحتوى وأمن مواقع الإنترنت الصغيرة والمتوسطة. وبحلول شهر يوليو (تمّوز) 2012، كان عدد مواقع الإنترنت التي تخدمها قد بلغ 500 ألف موقع تقريباً يتصفّحها الناس أكثر من ملياري مرّة يومياً (في ذلك الوقت كان هذا الرقم يشكّل 1% من عدد المشاهدات الإجمالية لصفحات الإنترنت). وفي تلك الفترة، روت الشركة بعضاً من آلامها المتصاعدة لكل من توم إيزنمان (Tom Eisenmann) وأليكس غودين (Alex Godden) من كلية هارفارد للأعمال، اللذين نشرا حالة دراسية عن هذه الشركة.

في بادئ الأمر، صرّح مؤسسو كلاود فلير بفخر، وبصوت عالٍ أيضاً، بأنّهم سيبنون منظمة أفقية بالكامل ودون ألقاب تشير إلى الهرمية أو التراتبية أو دون وظيفة موارد بشرية حتّى. وكما هو حال العديد من قادة الشركات الناشئة، أراد الرئيس التنفيذي ماثيو برينس (Matthew Prince) أن يروّج لمفهومي المرونة والإنجاز الفردي، حيث كان مؤمناً بأنّ السيطرة البيروقراطية ستخنقهما. وكان يأمل بإنشائه لمؤسسة خالية من الألقاب أن يتحاشى حالات التضارب المستقبلية في الهيكل التنظيمي بما أنّ الناس الذين كانوا يترأسون الشركة الصغيرة في بادئ الأمر لن يكونوا مناسبين لقيادة فريق من 250 شخصاً، وبما أنّ المناصب الرئيسة كانت ستتغيّر في نهاية المطاف. يقول برينس: “إمّا أنّ الشخص الأصلي سوف تُخفّض مرتبته الوظيفية، وفي تلك الحالة هو سيغادر على الأرجح، أو أنّ الشخص الجديد لا يأتي إلى الشركة. وفي كلتا الحالتين، لسنا أمام نتيجة عظيمة”.

ومع ذلك، فقد تنامت المشاكل. ففي الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو (تمّوز) 2012، كان خمسة من موظفي الشركة البالغ عددهم 35 شخصاً قد تركوها، حيث عزا بعضهم ذلك إلى غياب الهيكلية الواضحة في المستوى المتوسّط لعلاقة المدراء والمرؤوسين وغياب الممارسات المناسبة في مجال الموارد البشرية. وقد وصفوا بعض الأوضاع التي وجدوا أنفسهم فيها حيث لم يكن هناك شخص يمكنهم اللجوء إليه (باستثناء مضايقتهم للمؤسسين) إذا شعروا بأنّ بعض الممارسات، مثل الأنشطة المرتبطة بالبرمجيات أو معايير كتابة البرمجيات، كانت بحاجة إلى تغيير. وفي غياب السياسات رسمية، كانوا يجدون صعوبة في خوض الأحاديث المتعلّقة بالوقت المناسب لأخذ الإجازات العادية أو المرضية، والموازنة بين متطلّبات العمل والحياة الشخصية، وفي الحصول على تعويض مقابل مصاريف العمل التي يسدّدونها من جيوبهم. وقد كان ردّ الفعل السلبي للموظفين مشابهاً لما حصل مع شركة زابوس (Zappos) عام 2015، عندما أعلنت بأنّها سوف تنهي العمل بنظام الألقاب والمدراء، الأمر الذي قاد 14% من قواها العاملة – 120 شخصاً – إلى أخذ تعويضاتهم والمغادرة.

ورغم أنّ كلاود فلير خسرت عدداً أقل من الموظفين مقاربة بزابوس، إلا أنّ النسبة المئوية كانت مشابهة تقريباً. وعقب مغادرة هؤلاء الموظفين فوراً، اعترف برينس بأنّ الشركة كانت بحاجة إلى المزيد من الوضوح في الهيكلية الإدارية. وقد قال برينس لآيزنمان وغودين: “لسنا واهمين أبداً بأنّ هذه التدابير في مجال الإدارة ستكون ناجحة إلى الأبد. بوسعك أن ترى حالياً بعض الثغرات. فالناس يحتاجون إلى من يعطيهم رأياً بأدائهم؛ وهم يريدون من يوجههم. وعندما نضاعف عدد موظفينا الحاليين، فإننا سنحتاج إلى المزيد من الهيكلية التراتبية والمدراء والعمليات”. وقد انضم مدير للمنتجات مؤخراً إلى المؤسسة، لكن برينس، الذي كان لايزال يكره كلمة “مدير” أطلق عليه لقب “مهندس منتجات”. وهو كان يفضّل النظر إلى موظفيه بوصفهم “يحصلون على المساعدة”.

بحلول العام 2015، كانت الشركة قد عيّنت عدداً إضافياً من المدراء، إلى جانب شخص مسؤول عن الشون الإدارية للموارد البشرية ومسؤول معني بتعيين الأشخاص الموهوبين. وقد أراد برينس بأن يظلّ الهيكل التنظيمي للمؤسسة مرناً بما يكفي لاجتذاب موظفين رفيعي المستوى دون أن يحبط همّة الموظفين الموجودين في المراتب الدنيا والذين يعملون في مكاتبهم المغلفة، لكنّه أدرك بأنّ إضافة هيكلية إدارية سيساعد كلاود فلير على النمو. وعند بناء بعض الأقسام في الشركة، مثل قسم مبيعات المشاريع، أضاف بعض الطبقات من التراتبية. وقد علّق مؤخراً قائلاً: “كان من الرائع بنظري أن تراقب الموظفين في فريق الهندسة ينظرون إلى فريق المبيعات ويقولون: “إنّهم يبدون سعداء ومنتجين حقاً. ووجود المدراء قد لا يكون فكرة سيئة”.

بالطبع، يمكن للمؤسسات أن تبالغ كثيراً في موضوع الهيكلية الإدارية. فوجود طبقات زائدة عن اللزوم في سلسة اتخاذ القرار يمكن أن تبطئ الأمور من خلال تقييدها لتدفّق المعلومات (من أعلى الهرم إلى أسفله، ومن أسفل الهرم إلى أعلاه). كما أنّها يمكن أن تحبط الموظفين لأنّها تبعث بإشارة إليهم، وكأنّهم أشخاص غير موثوقين لا يستطيعون تولّي شؤون عملهم بنفسهم. ولكن كما رأينا في كلاود فلير، فإنّ عدم وجود قدر كافٍ من الإرشاد والتوجيه يمكن أن يُصيب الناس بحالة من الإحباط، أيضاً.

ويمكن للشركات التي تضيف إلى جانب الهيكليات الرسمية مبادرات مكمّلة غير رسمية للإرشاد والتوجيه وتقديم الآراء الراجعة (feedback) أن تحافظ على دافع الموظفين في أبهى حالاتها. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ هذه الأشياء تعزّز عقلية التعلّم، وتساعد الموظفين في النمو جنباً إلى جنب مع نمو المؤسسة. كما أنّ الأدوار ونطاق الصلاحيات المعرّفة بوضوح تمكّن الناس من اتخاذ قرارات أسرع وأذكى على المستوى المحلي. وهي تبسّط العملية، عوضاً عن تعقيدها، وتدعم تطوّر الأفراد. وكلّما جرى تمكين الناس من اتخاذ قرارات أكثر في الميدان، كلّما تعلّموا أكثر وأصبحوا أكثر مسؤولية.

التخطيط ووضع التوقعات بانضباط

يُعتبرُ الارتجال جزءاً لا يتجزّأ من شخصية روّاد الأعمال الشباب المغامرين؛ فهذا هو أسلوبهم في الاستكشاف. ولكن مع النمو المضطرد للشركات، فإنّا بحاجة إلى إطار من الخطط والأهداف ليكون موجّهاً للشركة. وبهذه الطريقة يمكن لهؤلاء الروّاد الاستمرار في تجريب أشياء جديدة والتجاوب مع الأسواق الديناميكية، في حين أنّ عينهم تظل على الأهداف الكبرى وعلى المحافظة على استدامة الشركة. وإلا فإنّ الارتجال يرقى إلى مستوى التخبّط العشوائي.

لقد توصّلت شركات ناشئة كثيرة إلى هذه النتيجة، ولكن بعد وقوعها في الخطأ، ومن تلك الشركات ميكروماكس إنفورماتيكس (Micromax Informatics) الشركة الهندية المتخصّصة بالمعلوماتية. ففي العام 2010، بدت ميكروماكس شركة لا يمكن لأيّ كان أن يوقف تقدّمها. فلم تكن قد دخلت عالم الهواتف المحمولة إلا قبل عامين فقط، ومع ذلك فقد كانت تبيع أكثر من مليون جهاز شهرياً. وقد كان لدى مؤسسيها الأربعة طموحات كبيرة بتحويلها إلى شركة رائدة على مستوى العالم، وبدا بأنّ الأرقام تضعها على ذلك المسار. ففي ذلك العام، كانت الإيرادات قد تضاعفت أربع مرّات، في حين أنّ صافي الإيرادات كان قد تضاعف خمس مرّات. وفي سبتمبر (أيلول)، تمكّنت ميكروماكس من جمع 45 مليون دولار من الأموال الخاصّة من شركة سيكويا كابيتال (Sequoia Capital) ومستثمرين آخرين، وفي أكتوبر (تشرين الأوّل)، أعلنت عن خططها للإدراج في البورصة.

ولكن في يوليو (تمّوز) 2011، سحبت الشركة طرحها العام الأوّلي (IPO). فسعيها الدؤوب إلى النمو جاء على حساب سلامة أعمالها، الأمر الذي جعلها تفقد الزخم نتيجة لذلك. يقول موهيت بهاتناغار، العضو المنتدب في مكتب شركة سيكويا في نيودلهي: “من الخارج، كانت تبدو كشركة نمت بطريقة أسّية هائلة، مع التبنّي الكبير من قبل الزبائن لمنتجاتها. أمّا من الداخل فقد كانت الفوضى ضاربة فيها”.

في أحد اجتماعات مجلس الإدارة اللاحقة ذلك العام، التزمت ميكروماكس بإحداث تحوّل كبير على المستوى المؤسسي. ففي خطوة يستحقّ المؤسسون الثناء على شجاعتهم باتخاذها، قرّروا الاستعانة برئيس تنفيذي من الخارج، إضافة إلى كبار القادة من شركات قيادية مثل إيرتيل (Airtel) وآتش تي سي (HTC). وعندما وصل هؤلاء القادة، صُدِموا بالغياب الكامل لأي تخطيط. فعلى سبيل المثال، لم تكن ميكروماكس قد بذلت جهداً كبيراً لتنظيم المعلومات المتعلّقة بالزبائن والموظفين، ناهيك عن استعمالها لدعم القرارات المتعلّقة بالمبيعات، أو العمليات، أو إدارة المواهب.

قام الرئيس التنفيذي الجديد في ذلك الوقت ديباك مهيروترا (والذي غادر الشركة لاحقاً) بقيادة عملية تهدف إلى تطبيق مبدأ التخطيط الاستراتيجي. وبدعم من المؤسسين، شدّد مهيروترا على أهمية الانتظام في تحديد الأهداف وإقامة التمارين الخاصّة بتسريع الأنشطة، وذلك في عموم أنحاء الشركة من أجل بناء رؤية بعيدة المدى. يقول مهيروترا: “في اجتماعي الأوّل مع مرؤوسي المباشرين، في يناير (كانون الثاني) 2012، طلبت منهم أن يكتبوا الأشياء التي يرغبون بأن تقال عنهم بعد موتهم. قلت لهم: “تخيّلوا بعد عامين من الآن، بأنّكم جميعاً وأثناء عودتكم بعد احتفال بإنجازكم لعام عظيم، تحطّمت الطائرة بكم وقضيتم أنتم الستة عشر جميعاً نحبكم. فما الذي تريدون أن يُكتب في نعواتكم؟” لقد كانت تلك هي الطريقة التي اتّبعها في دفع المدراء إلى التفكير بمستقبل الشركة بطريقة ملموسة أكثر، وإلى وضع أهداف أوضح للأداء – وهي أشياء كان المؤسسون قد تجنّبوها في معرض شعورهم بالإثارة نتيجة سعيهم وراء فرص جديدة وتردّدهم في الاعتراف بأنّ الأمور لا تسير على ما يُرام عندما كان ذلك يحصل. فعلى سبيل المثال، كان المؤسِّسون قد شرعوا بعمليات توسّع قوية نحو البرازيل ودبي، رغم أنّ معرفتهم المحدودة بما يفضّله الزبائن في تلك الأسواق لم تردعهم عن اتّخاذ تلك الخطوة. وعندما انطلق قطار التخطيط المنهجي وسار على سكّته الصحيحة، أوقفت الشركة عملياتها في هذين البلدين.

كما بدأت ميكروماكس بسد الثغرات الموجودة في مجال التخطيط على المستويين التشغيلي والتكتيكي. ففي العديد من الوظائف، كان المدراء يفتقرون إلى البيانات المطلوبة في الوقت المناسب. وقد كان المثال الأبرز من قسم المبيعات: فبعد أن كانت أجهزة الهاتف المحمول تُشحن إلى الشركاء في أقنية التوزيع، كانت الشركة مضطرّة إلى الانتظار لفترة طويلة قبل معرفة أي النماذج كان الأكثر مبيعاً، وبالتالي فإنّ تسجيل الطلبيات مسبقاً مع المورّدين كان يعتمد على الكثير من التخمينات. وهذا الأمر قاد إلى عدم توفّر المنتجات السريعة الحركة بصورة كافية وإلى مرتجعات كبيرة من النماذج الأخرى. كما أنّ ذلك جعل من الصعب على الشركة أن تعلم حجم المخزونات التي يجب أن تحتفظ بها. ونتيجة لذلك، فقد عانت الشركة من تحدّيات في مجال السيولة النقدية، كما عانت من محدودية في إطلاق المنتجات الجديدة لأنها كانت مضطرة أولاً إلى التوصّل إلى تسويات في مجالي الائتمان والمخزونات مع المورّدين.

صمّم الشريك المؤسس سوميت كومار حلاً تمثّل في أداة تسمح بتتبّع مسار كل هاتف محمول ابتداءً من لحظة شحنه من قبل المصنّع وحتى تفعيله من قبل المستخدم. يشرح كومار الأمر قائلاً: “أنا أعرف الآن بالضبط إلى أيّ مرحلة وصل الجهاز في سلسلة التوريد. وأعرف في أكبر 20 مدينة في البلد وفي كلّ شارع من الشوارع، ما هي النماذج التي بعناها”. وقد استكملت ميكروماكس تطبيق هذه الأداة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المبيعات والمخزونات أكثر دقّة، ممّا مكّن الشركة من أن تعرف خلال 30 يوماً ما إذا كان المنتج “سيحقق نجاهاً باهراً أم فشلاً ذريعاً”. هذا الأمر قلّل من حصول المشاكل المتعلّقة بنفاد المخزونات، والأجهزة المرتجعة، والتدفقات النقدية.

قبل أن تفرض ميكروماكس هذا النوع من الانضباط، كانت تتّبع أسلوباً مُرتجلاً للتجاوب الفوري مع الفرص عندما تسنح، باستعمال مزيج من معارفها العميقة وحلولها المرتجلة أيضاً. وقد برّر القادة استعمال هذه المقاربة على قاعدة أنّ القرارات كان يجب أن تتّخذ بسرعة لأنّ المنافسين كانوا يجارون الشركة في تفوّقها، وكانوا يتطلّعون إلى تقليد المنتجات الحالية. وفي سعي محموم لمواجهة التحدّيات الضاغطة، كانت المهام الخاصّة بتوثيق الحلول وتحليل كيف كان يمكن الوصول إلى هذه الحلول بكفاءة أكبر غالباً ما تُنحّى جانباً. ولم يكن لدى الناس أيّ اهتمام كبير في إرساء طرق روتينية للتعامل مع المشاكل المتكرّرة. وعندما كانوا يتوصّلون إلى حلول فعّالة، كانوا نادراً ما يعمّمونها في أنحاء الشركة؛ حيث كان يتعيّن على كل وحدة تجارية أن تكتشف طريقتها الفضلى في فعل الأشياء. وعندما كان الناس يغادرون، كانت معارفهم تخرج معهم من الباب.

وكما اكتشف قادة ميكروماكس، فحتى في بيئة من النمو العالي والسريع الوتيرة، من المهم تخصيص بعض الوقت للتخطيط للممارسات الفضلى، وتحديدها، وتقاسمها مع الآخرين. من السهل الافتراض بأنّ هذه الأنشطة لا تتناسب مع الرشاقة في العمل ومع ممارسة المدراء للسلطة الاستنسابية. ومن المؤكّد أيضاً بأنّ العمليات التخطيطية المفرطة في صرامتها يمكن أن تؤدّي إلى نشوب معارك على الموارد المحدودة، الأمر الذي قد يشكّل عائقاً أمام النمو. ولكن من الممكن أيضاً أن يكون هناك قدر من المرونة ضمن الإطار. إنّ وضع أهداف ومبادئ إرشادية واضحة، وجمع المعلومات وتبادلها مع الآخرين بطريقة منهجية لتسليط الضوء على الأداء، وتحسين عملية وضع التوقعات، وإنشاء عمليات عوضاً عن الاعتماد على أشخاص رئيسين ليصيغوا حلولاً تنفع لمرّة واحدة، هي كلّها إجراءات تروّج للكفاءة، وتدعم القرارات الذكية، ولاسيما عندما يكون العالم من حولنا في حركة دائبة ومتدفّقة.

بعد اتّباع ميكروماكس لهذه الإجراءات، استعادت الشركة مكانتها في سوق الهواتف المحمولة. وقد بلغت إيراداتها للعام المالي 2015 ما يقارب ملياري دولار.

المحافظة على استدامة الثقافة

تُعتبرُ الثقافة عادة جزءاً أساسياً من السبب الذي يجذب الناس إلى الانضمام إلى الشركات الناشئة، وإلى البقاء فيها. وعندما يبذل الموظفون قصارى جهدهم لتحويل شركة في طور التبرعم إلى شركة قابلة للحياة، ويعملون حتّى ساعة متأخّرة من الليل وخلال عطلة نهاية الأسبوع لتحقيق ذلك الهدف، فإنّهم يكونون مدفوعين بالروح الرفاقية وبإحساس بالانتماء إلى شيء هام.

يدرك المؤسسون مدى قوّة هذا الأمر ويعتمدون على قصص مفعمة بالحنين، وشبه أسطورية، حول الأيام الخوالي للمؤسسة لكي يدفعوا الجميع إلى تبنّي ثقافة هذه المؤسسة. هذا الأمر يمكن أن ينجح عندما تكون الشركة صغيرة وعندما يكون جميع الموظفين قادرين على التأثر شخصياً بتلك القصص – ولكن مع انضمام المزيد من الناس إلى صفوف الشركة، قد يجد القادة معاناة في المحافظة على ثقافة مؤسسية قوية. وهذه مشكلة، لأنّ الثقافة قد تكون في أهميتها القصوى خلال فترات النمو. وعندما تبدأ الشركة بإضفاء الطابع الرسمي على وظائفها، وعلى سلاسل القيادة والأوامر فيها، فإنّ التماهي مع المؤسسة الأكبر يساعد الموظفين في العمل عبر الحدود، وفي التعاون بعفوية، وفي تبادل الأفكار التي تحتاجها الشركة لكي تبتكر.

رغم أنّ مؤسِّسي الشركات الآخذة بالنمو السريع يقولون بأنهم يخشون من خسارة ثقافتهم المؤسسية، إلا أنّ قلّة منهم يتّخذون خطوات عملية لوضع معايير واضحة لهذه الثقافة وتعزيزها. فانتباههم ينتقل بسرعة إلى الأشياء التي يشعرون بأنّها أكثر إلحاحاً، مثل العمليات والتسويق. ونتيجة لذلك، يحصل فتور في حماسة الموظفين وتفاعلهم، فيغادرون الشركة على أمل العثور على فرصة جيّدة في مكان آخر.

كيف يمكن لروّاد الأعمال أن يحولوا دون حصول هذه التبعات والعواقب؟ بوسعهم البدء بالتعبير بوضوح عن قيمهم الثقافية ضمن رسالتهم ورؤيتهم، وكذلك ضمن التوصيفات الوظيفية. فهذا الأمر يسهّل التعرّف على أيّ انحراف ثقافي قبل أن يتمادى. كما أنّه يساعد المؤسسة في الحفاظ على حيوية قيمها من خلال توظيف أشخاص يتناسبون مع هذه الثقافة، ومن خلال مكافأة السلوكيات المرغوبة عبر التقدير والتعويضات.

دعونا نراجع كيف جرى التعامل مع هذه المسألة في براكتيس فيوجن (Practice Fusion)، وهي شركة مقرّها سان فرانسيسكو تصنع منصّة تعتمد على الحوسبة السحابية للسجلات الإلكترونية في مجال الرعاية الطبية. فبحلول أواخر العام 2013، كانت قد عيّنت ما يقارب 200 موظف خلال 12 شهراً، ليزداد حجمها بذلك أكثر من الضعف. وطوال تلك الفترة، اعتبر ريان هوارد الشريك المؤسِّس بأنّ أولويته تتمثّل في المحافظة على الثقافة المؤسسية.

كان واحد من العقائد الأساسية للشركة هو “كن صاحب روح مشاكسة”، وهي جملة كانت تتردّد في الأيّام الأولى، عندما كان الشركاء المؤسسون، الذين واجهوا الرفض في ذلك الوقت من الرأسماليين المغامرين، يعملون انطلاقاً من المقاهي وكانوا يستعملون أموال التأمين التي حصلوا عليها في حادث سير لدفع رواتب الموظفين. لذلك من غير المفاجئ أن نجد كيف كان قادة الشركة في الأيّام الأولى يحاولون إيصال هذه القيمة الأساسية للموظفين، من خلال اعتمادهم الكبير على القصص الشعبية التي تروي حياتهم التي أمضوها في عملٍ جاد لا يتوقف طيلة خلال أيّام الأسبوع وكيف كانوا يلجؤون إلى مواردهم الذاتية لحل مشاكلهم. ولكن عندما أصبحت الشركة أكبر حجماً وأكثر تعقيداً، أدّى هذا الأمر إلى خلق مسافة بين القادة والموظفين. ولم تعد كاريزما المؤسسين وقصصهم كافية لكي توحدّ الجميع في بوتقة واحدة.

عندما أدرك هوارد هذه المشكلة، لجأ إلى التعبير عن قيم الشركة بطريقة أكثر رسمية، حيث وضع هذه القيم على الإنترنت وكذلك داخل المبنى. وبإمكانكم أيضاً رؤيتها على جدران المكتب، ولا يقتصر الأمر على الروح المشاكسة (وهي القيمة المفضّلة لديه شخصياً)، وإنّما يشمل أيضاً التركيز على الزبائن، والعمل بروح جماعية، والمتعة، وممارسة العطاء تجاه المجتمع و”القيام بأشياء استثنائية”. لقد أصبحت هذه القيم هي المعايير المستخدمة في التوظيف وفي تقويم الأداء. فعلى سبيل المثال، ينتظر القادة من الموظفين أن يكونوا أشخاصاً واسعي الحيلة، وبارعين في حلّ المشاكل، ويمتلكون دافعاً ذاتياً للعمل. يقول هاوارد: “معظم الأشخاص هنا يتحدّثون بوتيرة أسرع. وأنا أميل بطبعي إلى توظيف من يتمتعون بنزعة طبيعية إلى إبداء شيء من الاستياء”.

كما لجأت الشركة إلى عقد اجتماعات أسبوعية تضمّ جميع الموظفين، الذين يشجّعهم المؤسسون على طرح أسئلة صعبة خلال تلك الاجتماعات بخصوص أهم القضايا في براكتيس فيوجن، والمشاكل التي تواجهها، وكيفية اتخاذ القرارات الرئيسة، وما إلى ذلك. فهذا الأمر لا يضمن وجود خط للتواصل المنتظم مع الموظفين فحسب، وإنّما يجعل الجميع يشعرون بأنّهم في صلب الشركة، ومطلعون على ما يدور في أذهان القادة عن القضايا الأساسية والحرجة.

كما يجتمع الموظفون معاً مرّة في الشهر في يوم جمعة أطلقوا عليها اسم “الجمعة الاستثنائية”، حيث تتبادل الأقسام المختلفة الدور في طرح التحدّيات التي تواجهها وآخر المستجدّات الحاصلة. فجلوس المجموعات المختلفة معاً وتبادلها للقصص يساعد في توطيد الأواصر بينها لتكون مجموعة واحدة، وهو جهد يتطلّب رعاية واهتماماً دوريين، وخاصّة في شركة تحتفي بالأشخاص المشاكسين الذين يعتمدون على أنفسهم.

تثبت الوقائع بأنّ أيّ شركة ناشئة تنمو بسرعة تقريباً تواجه تحدّيات في توسيع أعمالها والانتقال إلى مرحلة النضج. فالشركات يمكن أن تتعرّض لضربة بسبب انهيارات الأسواق، والشركاء غير الموثوقين في مجال التوريد والتوزيع، والمنافسين الشديدين، وعدد كبير من القوى الخارجية الأخرى. لكنّ ذلك لا يعني بأنّ الشركات يجب أن تكون فوضوية من الداخل. فالتنظيم الداخلي الفعّال يحرّرها من الأعباء لكي تبحث عن فرص جديدة ولكي تدعم بقاءها على المدى البعيد.

قد يشعر روّاد الأعمال بالقلق من أنّ التغييرات التي نقترحها ستقتل العفوية والقدرة على التأقلم، والسرعة – وهذه كلّها هي الأشياء التي أوقفتهم على أرجلهم وجعلتهم يصلون إلى ما وصلوا إليه في المقام الأوّل. من دون شك، هذه صفات قيّمة. والعديد من الشركات الكبيرة تدرك ذلك أيضاً؛ وهذا هو السبب الذي يدفعها غالباً إلى محاولة التصرّف وكأنّها شركة ناشئة جديدة. ونحن لا نقترح هنا بأن تتخلّى الشركات الناشئة عن الأشياء التي جعلتها تتميّز وتبتكر. لكنّ من الأسهل بكثير أن تطلق صاروخك الفضائي بحثاً عن آفاق جديدة عندما لا تكون مضطراً إلى القلق من أنّ شخصاً قد نسي ملء خزّان الوقود.

ما بين طرفي نقيض، أي التنظيم المرتجل والتنظيم الصارم، ثمّة حلّ وسط. والقادة الذين يستطيعون العثور على هذا الحل الوسط سيتمكّنون من التفوّق على منافسيهم – وهذا أمر مهمّ للغاية، إذا ما علمنا بأنّ قلّة من الشركات الناشئة فقط تتحوّل إلى شركات راسخة

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!