تابعنا على لينكد إن

تتخذ مشكلات العمل أشكالاً عديدة، إلا أنها تتشابه في شيء واحد، حيث تميل جميعها للتكرار.

فلا أحد يشتكي أنّ رب العمل غضب لمرة واحدة أو أنّ أحد الزملاء لم يمد يد المساعدة لمرة واحدة. وتقريباً جميع حالات التعدي التي تلفت نظر إدارة الموارد البشرية هي حالات متكررة. والاجتماعات المملة تميل لأن تكون كذلك بالطريقة نفسها أسبوعاً بعد آخر.

ويقول قادة الأعمال وهم يستشيطون غضباً والشرر يقدح من أعينهم وهم يصفون الشعور بمشكلات العمل التي باتت مألوفة إلى أبعد حد: “يا للهول، ها قد حدث ذلك!” أو “ها نحن مرة أخرى!” وربما يكونون قد جربوا جميع أنواع الردود المناسبة. ويعترفون عموماً أنّ الاستجابة بالطريقة ذاتها مراراً وتكراراً في معالجة المشكلة المستعصية ذاتها تؤدي إلى نتائج ضعيفة كما هو متوقع.

وثبت أنه من المفيد في كثير من هذه الحالات أن تتروى قليلاً عندما تلاحظ مشكلة متكررة وتعتبرها إشارة، أو أداة للتنبيه. إنها إشارة تدعوك للارتجال. وحالما تلاحظ أنك في بيئة عمل مألوفة ومؤذية، حيث من المرجح أن يقوم الطرف الآخر بذات الشيء المعتاد وأنك سوف تؤدي الدور الذي تقوم به عادة، حينها يكون الوقت حان للقيام بشيء مختلف. والأمر الجدير بالملاحظة هو أنّ مضمون البديل الذي نقوم به غير مهم تقريباً.

على سبيل المثال، أخبرني بوب، وهو الرئيس التنفيذي لشركة متوسطة، أنّ تيريزا، المدير المالي للشركة، تأتي إلى الاجتماعات متأخرة دائماً. وقام بسؤالها ثم إقناعها ثم توبيخها ثم تهديدها. ولم يتغير شيء من سلوك تيريزا غير المتعاون وتصرفها الذي من الواضح أنه غير مهذب، والذي لم تنكره لكنها أيضاً لم تحسّنه. فعرضت عليه اقتراحات، وجرّبها، لكنها لم تكن مفيدة تماماً كما كانت أفكاره. وأخيراً، عرضت عليه فكرة طرأت على بالي كاقتراح أخير.

قلت له: “في المرة القادمة التي تأتي فيها متأخرة، ارتجل شيئاً لم تجربه من قبل”.

فسألني: “مثل ماذا؟”.

أجبته: “إذا أخبرتك ما الذي عليك أن تقوم به فلن يكون ارتجالاً. لا بأس في أي شيء عدا الغضب طالما أنه يختلف عن ردة فعلك المعتادة”.

“كأن أقف على رأسي مثلاً؟”.

“نعم، قف على رأسك رجاء، فذلك سيكون أفضل من التأنيب الذي تقوم به كل مرة”.

يهدف الارتجال إلى شيئين رئيسيين، الأول هو أنك تستعيد قيادة دفة حياتك من جديد، وتُصبح أشبه بسيارة دفع رباعي في الفضاء المفتوح، من ذلك القطار الذي يسلك المسار الرتيب. كما أنّ فيه دعابة أيضاً، فغالباً ما يكون ما ترتجله أمراً مرحاً. فهو يعيد إليك الشعور الإنساني والحرية إضافة إلى روح الدعابة.

الهدف الثاني للارتجال هو أنّ بقدرته تحرير الطرف الآخر. فعندما تتوقف عن أداء دور كالمعهود، فإنك تدعوه ضمناً للتوقف عما يفعله عادة. حيث أنك لا تستطيع التحكم بالشخص الآخر تحكماً مباشراً، لكن في وسعك أن تغير البيئة المحيطة به، وهي في هذه الحالة ردة فعلك. ما يزيد احتمال أن يستجيب الطرف الآخر بدوره بطريقة مختلفة.

و”الارتجال” لا يعني أنّ “كل شيء مباح”. فتعلم أنّ بعض ردود الفعل من المحتمل أن تكون مؤذية. وأنّ التعبير عن غضبك المعتاد بطرق مختلفة قليلاً لا يُعد ارتجالاً. بل إدراك أنّ الحكاية ذاتها تتكرر والنظر إليها بهذه الطريقة يتيح أمامك الفرصة لابتكار شيء جديد كلياً.

وبينت الدراسات أن التمهل في التفكير بمشكلات العمل يساعد في حلها. وعلى الرغم من أنّ هذا ربما يكون مثالياً، إلا أنه غالباً ما ينبغي علينا التصرف واتخاذ القرار على الفور، ما يعني تقليل وقت التفكير إلى بضعة ثوان. وربما يكون ذلك مكسباً، حيث تساعدنا الضرورة الملحة في تلك اللحظة على ابتكار طريقة جديدة لمعالجة المشكلة، ويتبين أنّ ذلك مثير لجميع الأشخاص المعنيين.

وبهذه الطريقة نجح الأمر في حالة بوب وتيريزا.

هدّأ بوب نفسه قبل الاجتماع التالي، عالماً أنه من شبه المؤكد أن تيريزا سوف تتأخر. ولم تكن لديه أدنى فكرة عما سوف يفعله، لكنه كان يود الحفاظ على هدوئه والقيام بأمر غير مخطط عندما يحين الوقت. وبالتأكيد كانت متأخرة. نظر إليها وشعر بالغضب يبدأ بالتصاعد، وقرر في البداية أن يكون فضولياً تجاهها. وبدل أن يسأل “لماذا تفعلين ذلك؟” بصوت عال ونبرة حاسمة، سأل نفسه بصراحة “لماذا تفعل ذلك؟” فأدرك أنه لم تكن لديه أدنى فكرة. فهو لم يصدق فعلاً أنها تقصد أن تكون وقحة. كما تذكّر أيضاً أنه يريدها فعلاً أن تكون موجودة، إذ يريد خبرتها. وعندما فكر ملياً في هذه الأمور مع بدء الاجتماع، أتته فكرة مفاجئة.

فقال أمام جميع فريق الإدارة: “تيريزا، أريد فقط أن أعرب عن تقديري العميق لكل ما تفعلينه من أجل هذه الشركة. لقد مضيت خلال أوقات عصيبة وأنا ممتن للغاية”.

وقال لي بوب لاحقاً: “كان بوسعك أن تسمع رنين الإبرة. بدت تيريزا مدهوشة جداً، كان الجميع مدهوشين. لقد قلت ذلك وكنت أعنيه. ولم تتأخر عن أي اجتماع منذ ذلك الحين، لكنني أعتقد أنني لم أكن لأكترث حتى لو تأخرت”

بعد حين، يمكن أن يصبح هذا النوع من الارتجال متوقعاً أو حتى مراوغاً. لكنه في هذه اللحظة يميل لأن يكون حيوياً وفريداً. وتضمّن تصرف بوب سمة متكررة للارتجال في سياق العمل، وهي أنه لعدة لحظات لم يفعل شيئاً. فقد امتنع عن الانتقاد المسموع لتيريزا، وهذا بحد ذاته يكون بنفس أهمية الشكر الذي عبّر عنه لاحقاً. فتبين لبوب وتيريزا وفريق الإدارة كله أنه كان على وشك أن يأخذهم على حين غرة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz