عندما تمتلك فكرة عظيمة ترغب بأن يرى الجميع ذلك مثلما تفعل أنت، ومن السهل افتراض أنّ قبول فكرتك أو عرضك أو اقتراحك الذي تؤمن بنجاحه أمر هيّن. لكن قبول جهة ما الفكرة المعروضة عليها لا يتوقف على الفكرة بذاتها، بل على الطريقة التي يتم تقديم الفكرة بها. فعندما تكون بحاجة للموافقة لا تفترض أنه من البديهي أن يرى الآخرون روعة فكرتك، بل عليك إقناعهم بذلك.

ما يقوله الخبراء

عندما يتعلق الأمر بالحصول على الموافقة، يكون الأسلوب مهمّاً بقدر أهمية الفكرة نفسها. فالكلمات مهمة جداً بحسب قول جون كوتر مدير قسم الابتكار في شركة كوتر انترناشيونال والأستاذ الفخري في جامعة هارفارد للاقتصاد، والذي صدر آخر كتاب له بعنوان "القبول: احم فكرتك الجيدة من الرفض" (Buy-in: Saving Your Good Idea from Getting Shot Down). وفي كثير من الأحيان، لن تنال سوى فرصة واحدة أمام مديرك أو اللجنة التنفيذية أو أيّة مجموعة ستقرر مصير فكرتك. فالانطباعات الأولية قوية جداً ويصعب تغييرها، ذلك ما قاله مايكل نورتن الأستاذ المساعد لمادة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد للاقتصاد.

ولا يتم الإقناع بإرغام من تعرض فكرتك عليهم على قبولها وكل ميزاتها. إذ أنه عليك التفكير بكيفية إيصال فكرتك بحذر لهم وإقناعهم بقبولها. وكما يقول كوتر: "كلما كانت أرباح الفكرة كبيرة استحقت أخذ الوقت اللازم للعمل عليها بالصورة الصحيحة". وهنا، إليك خمس طرق لكي تفوز فكرتك بالموافقة:

قم بتشكيل تحالفات مسبقاً

ربما يكون من الجيد اختبار فكرتك مع الأشخاص المسؤولين عن إعطاء الموافقة قبل تقديمها أو طلب الموارد أو طلب الموافقة. إذ يقول كوتر: "لا بأس أن تقوم في بعض الأحيان بالتحدث عن الفكرة قليلاً مع بعض الأشخاص لرؤية ردود فعلهم تجاهها، إما بالتأييد والاستحسان أو الرفض وعدم الاستساغة". حيث يثير هذا الأمر أسئلة أو ملاحظات منذ البداية. وبمجرد قيامك باختبار الأجواء، يمكنك الترتيب للقاءات رسمية أكثر مع كبار حاملي الأسهم لطلب دعمهم. وهذه اللقاءات لها ثلاث فوائد، أنها:

  • تبني القبول الضروري لفكرتك

  • توضّح لحاملي الأسهم أنك تهتمّ بآرائهم

  • تساعدك في تطوير فكرتك وتوسيعها. إذ يمكن أن يرى حاملو الأسهم أموراً في فكرتك لم ترها أنت.


وبذلك، تستطيع تحضير عرضك للحصول على الموافقة بصورة أفضل كلما ازداد فهمك لشعور المتلقّين تجاهه.

الاستعداد ثم الاستعداد ثم الاستعداد

تلعب طريقة الرّد على أسئلة ومخاوف المتلقي دوراً هامّاً في نجاحك أو فشلك. حيث يقول نورتون: "قبل كلّ شيء، عندما ترى شخصاً ما يتلعثم وهو يحاول الإجابة سيتشكل لديك انطباع أنه لا يعرف عمّا يتكلم". لذلك إظهار الثقة بالنفس أمام الناس مهم لمعرفة أن اقتراحك جيد. وقبل أن تقدّم عرضك، فكّر بما يمكن أن يثير قلق المتلقين بشأنه. إذ استعرض كوتر رفقة لورن وايتهيد في كتابهما "القبول" الاستراتيجيات الأربع الأساسية الأكثر استخداماً من أجل إفشال الفكرة المعروضة، وهي:

  • تأجيل القرار إلى مالا نهاية بهدف إلغاء الفكرة تماماً

  • محاصرتك بأسئلة أو تفاصيل غير ذات أهمية لتشويشك

  • إثارة مخاوف غير منطقية

  • مهاجمتك بصورة شخصية


ويقترح كل من كوتر ووايتهيد في الكتاب عدم تجنب هذا الهجوم وإفساح المجال لنقد فكرتك. وعدم تهميش الأشخاص الذين سيحاولون التمعّن في تفاصيل فكرتك، بل العمل على تطوير إجابات موجزة وصادقة لكل أسلوب يتبعونه من هذه الأساليب. وبالاستعداد لذلك مسبقاً ستبني ثقتك بنفسك وستتمكن من تجنّب الشعور بالتوتر أو الغضب عند تعرّض فكرتك للمهاجمة.

وجّه فكرتك للمتلقّي

يقول نورتون: "بالتأكيد ستودّ صياغة تفاصيل عرضك كي تكون مناسبة للمتلقّي". فكيف تجلب فكرتك الفائدة له؟، حيث يهتم المتلقي بما يعزز مكانته، أو بتخفيض التكاليف أو بفرصة للاستعانة بفكرتك من أجل بناء إرثه في الوسط. لذلك، شكّل فكرتك بحيث تتوجه بها مباشرة إلى هذه الفوائد التي يسعى المتلقّي إليها وسبل جنيه لها. وبذلك، وكما يقوله كوتر، تكون كوّنت لديه نظرة إيجابية تدعم قبول فكرتك أو عرضك والموافقة عليه.

حافظ على بساطة الفكرة

يقول نورتون: "إنّ أسوأ ما في العرض أنك تعلم عن فكرتك أكثر مما يعلمه المتلقي", فما عليك إلا التركيز على واحدة أو اثنتين فقط من النقاط الرئيسية لتجنب الوقوع في متاهة إثبات أنّ لديك الكثير من المعلومات. لذلك، كن متزناً في تحديد كمية البيانات والتحاليل التي تقدمها. فالمبالغة في تفصيل العروض تُشتت المتلقي وتجعله يشعر بالغباء لعدم تمكنه من متابعتك وفهم كل ما تقوله، بالإضافة إلى أنها تستهلك كلّ وقت العرض ولن يكون كافياً لإنهاء كل ما لديك. حتى إن طلب منك المتلقي مزيداً من التفاصيل، كن موجزاً. إذ ينبّه كوتر هنا إلى أنّ إحدى الطرق المستخدمة لإفشال الأفكار هو تقديم معلومات مربكة أو طلب العديد من التفاصيل لإرباك الآخرين.

أجب عن الأسئلة بثقة

يذكر نورتون أنه عندما تقوم بطرح فكرة جديدة سيكون لدى الأشخاص الذين يستمعون إليك ردود فعل شتّى، وسيرغبون بمناقشة ردود فعلهم هذه. حيث يرتبك الكثير ممن يعرضون أفكارهم بمحاولة فهم النوايا الحقيقة للأسئلة والتعليقات المطروحة عليهم. فتتوارد إلى ذهن مقدم العرض أسئلة مثل "هل يحاول إفشالي؟"، أو "هل يكره الفكرة؟"، أو حتى "ألا يثق برأيي؟". فلا تتعب نفسك في كشف دوافعهم، بل ركز على الإجابة عن أسئلتهم ببساطة وصراحة قدر الإمكان.

ومهما بدت لك الأسئلة عدائية أو متطلبة أو تافهة، يقول كوتر: "عليك الإجابة عليها كسياسي، ومعاملة المستمع على أنه شخص عقلاني يطرح سؤالاً عقلانياً". وإذا طُرح عليك سؤالاً خارجاً عن الموضوع أو يؤدي إلى الانحراف عنه يمكنك الإجابة عن السؤال الذي كنت تتمنى أن يُطرح عليك بدلاً منه.

وفي التقرير الذي أعده نورتون رفقة تود روجرز مؤخراً بعنوان: "المراوغ البارع: إجابة السؤال الخاطئ بالطريقة الصحيحة" (The Artful Dodger: Answering the Wrong Question the Right Way)، وجد الكاتبان أنّ الأشخاص الذين يبرعون في مراوغة الأسئلة يحظون بالثقة أكثر من الذين يجيبون على الأسئلة بصورة مباشرة وأقلّ أناقة. ويقول نورتون: "إذا علمنا أنّ شخصاً ما يراوغ في إجابته للسؤال فلن يعجبنا ذلك، ولكننا نادراً ما نلاحظ هذا الأمر". كما يمكنك تقديم جواب يرتبط بالسؤال بصورة مبهمة ولكنه يعيد المستمعين إليك بكل ثقة إلى نقطتك الرئيسية.

مبادئ عليك تذكرها

ما عليك القيام به:

  • التقِ بحاملي الأسهم المهمّين مسبقاً قبل أن يحين الوقت الذي ستحتاج فيه إلى موافقتهم الرسمية

  • وجّه فكرتك إلى ما يخص الفوائد التي يهتمّ المتلقي بجنيها

  • أجب على الأسئلة بإيجاز وثقة


ما عليك عدم فعله:

  • الافتراض أن من يستمع إليك سيرى الفكرة رائعة لمجرد رؤيتك لها كذلك

  • إرباك المتلقي بالتفاصيل الزائدة والتحاليل الدقيقة

  • اخذ موقف الدفاع أو الغضب عند مهاجمة المتلقي لفكرتك.


دراسة الحالة رقم 1: قم بإنشاء التحالفات واحصل على النفوذ عن طريقها

كانت ندى تعمل في شركة عالمية للصناعات الدوائية عندما تسلّمت منصب مدير الموارد البشرية لمناطق آسيا. وكان لكل منطقة آسيوية فريق موارد بشرية خاص بها، ولم يكن هناك سوى القليل من التنسيق بينها وبين هذه الفرق قبل أن تنتقل مع رئيسها إلى هونغ كونغ. وفي الأشهر الأولى لها في منصبها الجديد وجدت ندى فرصة لتطبيق خطة إقليمية للتقييمات من جميع الجهات (على مبدأ مراجعات 360 درجة) مبنية على معادلة مطوّرة محلياً في استراليا. وكانت الخطة غير مكلفة وبالأخص عند مقارنتها بالقوالب القديمة المستخدمة في بعض الدول. حيث أنّ استخدام نظام موحد يمنح قسم الموارد البشرية العالمي إمكانية الحصول على البيانات الإقليمية عن الأداء والتقييمات. وسرعان ما استطاعت ندى إقناع رئيسها أنّ هذا الأمر يستحقّ المتابعة.

كانت خطوتها التالية هي الحصول على الموافقة من كل دولة على حدة، وقالت أنها كانت بحاجة لمعرفة ما إذا كانت جميع فرق الموارد البشرية معها في هذه الفكرة. فالتقت مع كل فريق منهم بصورة منفردة لتقديم مشروعها إليهم.

وأكدت أنها قبل كلّ لقاء فكرت مع فريقها مليّاً بالمقاومة المحتملة التي ربما تواجهها من الفرق، وكيف بإمكانها توضيح الفوائد التي يعود بها مشروعها على مؤسساتهم وموظفيهم والشركة. ومن ثمّ أقامت اجتماعاً يشمل كلّ الأقاليم. حيث قامت بعرض دراسة الجدوى الرسمية لمدراء الموارد البشرية للدول.

قالت ندى: "لقد حصلنا على التأييد لأننا أقمنا التحالفات مسبقاً". ولكن الحصول على موافقتهم كان نصف المهمة فقط. فقد كان على ندى وفريقها الحصول على أمر من القيادة لتمويل المشروع الذي كان يحتاج إلى موافقة الرئيس الإقليمي وجميع مدراء الدول أيضاً. فبدأت طرح الموضوع بصورة غير رسمية مع رئيسها الإقليمي. وقالت: "لم يكن ضد الفكرة ولكنني لم أعتقد أنّ الحصول على موافقته سيكون أمراً سهلاً أبداً".

لذلك قامت ندى مع فريقها بتسجيل قائمة المساعدات التي تحتاجها من مدراء الموارد البشرية في كل دولة وطلبت منهم  أن يقيموا اجتماعات مع مدراء دولهم لمراجعة دراسة الجدوى. حيث ساعدتهم هذه اللقاءات في الحصول على تأييد مدراء الدول، كما أنها ولّدت تقييمات مفيدة استعانت بها لإجراء تعديلات وتصحيحات على المنتج. ومن ثمّ أخذت ندى وفريقها العرض إلى الرئيس الإقليمي وقاموا بتوجيهه له على أنه فرصة منخفضة التكاليف لدعم أهدافه. وعلى سبيل المثال، كانت إحدى استراتيجياته تقوم على تطوير قدرة تحريك المواهب في المنطقة، فشرحت ندى وفريقها كيف يستطيعون تحقيق ذلك عن طريق الحصول على بيانات متوافقة. وبعد استماعه لدراسة الجدوى، وكان الرئيس الإقليمي مؤيداً بشدّة للمشروع ووافق على تمويله. وتمّ تطبيق النظام الجديد على كامل المنطقة في السنة التالية.

دراسة الحالة رقم 2: المثابرة والإصرار

في عام 2007، خطرت فكرة مبتكرة لمات رايدي مدير الخدمات البنكية والمالية في أميركا الشمالية ضمن شركة ماكويري (Macquarie) التي هي مزود عالمي للخدمات البنكية والمالية والاستشارية والاستثمارية والإدارة المالية. في ذاك الوقت، كان مات مدير قسم الاستثمارات العالمية للشركة، وكان مسؤولاً عن تأمين الموارد للمنتجات الجديدة وتطويرها. فجاء مع فريقه بفكرة توسيع أعمالهم لتصل إلى مجال الزراعة. إذ كانوا يعلمون أنّ هناك طلب عالمي شديد على الأغذية وأنّ نسبة استهلاك البروتين في آسيا تتزايد باستمرار. وبما أنّ شركة ماكويري كانت تعمل في الأسواق التقليدية نسبياً، كان مات يعلم مدى صعوبة إقناع إدارة الشركة بأنهم سيجنون أرباحاً من شراء المزارع وتربية المواشي. ومع ذلك شعر بعرضه يملك مستقبلاً واعداً واستعد للعمل من أجل إثبات جدواه.

بدأ مات بتقديم العرض لمديره الذي كان يشكك به بشدة ولكنه لم يرفضه رفضاً صريحاً. فأدرك أنه دون موافقة مديره التامّة سيكون بحاجة إلى نصير من داخل المؤسسة لدعم الفكرة وإيصالها إلى الإدارة. فقرر التوجه إلى رئيس مديره، لأنه كان يؤمن أنّ فكرته كانت تتماشى مع الثقافة التي يحاول الرئيس بناءها، حيث قال لمؤسسته مؤخراً أنّ عليهم تحقيق الأهداف الكبيرة والجريئة والمربحة، وكان مات يشعر أنّ عرضه مؤهّل لتحقيق هذه الأهداف. إذ يقول: "لم أكن أريد الالتفاف على السلسلة الإدارية ومراوغتها ولا العمل دون علم مديري. ولذلك طلبت من مديري ورئيسه إعطائي الفرصة لأطرح الفكرة على كل منهما".

لم يكن طرحه هذا بهدف الحصول على الموافقة، بل كان بهدف الحصول على الموارد التي كان يحتاجها لإثبات صحة المبدأ الأساسي للعرض. وحصل عليها فعلاً.

كان مات يعلم أنه سيواجه المزيد من المشككين، فبدأ مع فريقه بجمع الحلفاء الموثوقين في المؤسسة، وقاموا تحديداً بجلب اثنين من المدراء المتقاعدين كانا مؤمنين بنجاح فكرته وبإمكانهما منح عرضه المصداقية. وقبل التوجه إلى اللجنة التنفيذية للبنك من أجل طلب الموافقة النهائية، فكر مات ملياً بالمخاوف التي ربما تتشكل لدى اللجنة. وفكر في ما إذا كانت ستتساءل عن إمكانية وجود طلب كاف للمستثمرين أو إن كانت ستشكك في امتلاك الشركة القوة الداخلية المناسبة للقيام بهذا المشروع. فأعدّ مات صياغة الطرح بناء على أكثر المسائل التي ستثير قلق اللجنة برأيه. وقال: "أنّ الأمر كله يتعلق بالاستعداد للأسئلة غير المتوقعة".

نجح مات وفريقه في الحصول على موافقة اللجنة التنفيذية وتم إطلاق مشروعه عام 2008. واستغرقت العملية بأكملها 18 شهراً لتكتمل. ويقول مات أنه لم يصل يوماً إلى نقطة شعر فيها أنه يجب عليه الاستسلام، ولكنه كان يُدرك حقاً أنّ الطريق إلى المجد سيكون طويلاً. وسمّى خطته بالمثابرة والإصرار. ومنه، أصبحت الشركةني أكبر منتج للمواشي في استراليا وجنت أرباحاً عالمية بقيمة تزيد على 750 مليون دولار، وكان هذا المشروع نقطة انطلاق لمبادرات أُخرى في شركة ماكويري لاحقاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!