هارفارد-بزنس-ريفيو-أولوية-مشاريع-الشركات

تحتاج كل منظمة لما أسميه ’’تدرّج الغاية‘‘. من شبه المستحيل دونها تحديد الأولويات بفعالية.

مثلاً، في بداية انضمامي إلى بنك بي إن بي باريباس فورتيس (BNP Paribas Fortis)، كان هناك بنكان يافعان وأكثر ديناميكية تمكنّا من التفوق علينا. مع أننا كنا قادة لسوقنا لسنوات عديدة، كانت منتجاتنا الجديدة تُطَلق بعد منافسينا بشهور – في الواقع، تضاعف وقت وصول منتجاتنا إلى السوق خلال السنوات الثلاث الماضية. وراء هذه المشكلة كانت هناك أخرى أعمق: كان لدينا أكثر من 100 مشروع ضخم (تتجاوز قيمة كل منها 500,000 يورو). لم يكن لدى أحد فكرة واضحة عن حالة هذه الاستثمارات ولا حتى الفوائد المتوقعة منها. ومع أنَّ البنك كان يستخدم أداةً لإدارة المشاريع إلا أنَّ غياب الانضباط في تحديثها بالمعلومات جعلها غير ذات جدوى. كانت الاستطاعة وليس الاستراتيجية هي ما يحدد أيُّ المشاريع يتم إطلاقها ومتى. إن توفرت الموارد للمشروع جرى إطلاقه، وإلا كان يجري تعليقه أو إلغاؤه.

تحديد الأولويات على المستوى الاستراتيجي والتشغيلي هو ما يخلق الفارق عادة بين النجاح والفشل. لكنَّ كثيراً من المنظمات لا تقوم به جيداً.

إليك مثالاً واقعياً آخر: شركةٌ تقدم خدمات توصيل الطرود للعملاء بالبريد. كانت الشركة كغيرها من شركات خدمات البريد تكافح للبقاء في عصر يشهد تنافساً متزايداً وبدائل رقمية عديدة. جمعَ كبار القادة الموظفين في سلسلة من المؤتمرات، خاطبهم فيها الرئيس التنفيذي وطلب منهم التركيز على أولويتين في العمليات: الكفاءة (تقليص وقت التوصيل) ورضا العملاء (الحرص على أن يحظى العملاء بتجربة جيدة).

ماري، أحد الموظفات، وصلتها رسالة الشركة. وعملت بمقتضاها جيداً إلى يوم التقت فيه رجلاً مُسّناً أثناء إيصالها أحد الطرود، دعاها الرجل للدخول والتحدث لبعض الوقت. كانت ردة فعلها الطبيعية التوقف للتحدث قليلاً مع الرجل. سيكون ذلك بلا شك أمراً لطيفاً منها وسيؤدي لزيادة رضا العميل. لكنها توقفت فجأة. ماذا عن الكفاءة؟ سيتأثر وقت التوصيل إن هي أمضت بعض الدقائق في التحدث إلى عميلها. ماذا تفعل؟ كان ذلك خياراً يواجهه آلاف الموظفين في الشركة يومياً.

هذه معضلة تقليدية. لقد اعتقد أعضاء الإدارة العليا في شركة البريد أنهم أبلغوا بوضوح عن أولويات الشركة، لكن ما فعلوه في الواقع هو خلق معضلات تشغيلية ناتجة عن الارتباك الاستراتيجي.
قارن هذا مع شركات أخرى ناجحة. شركة الطيران الأوروبية المنخفض التكلفة ريان آير مثلاً، لديها وضوح لا تشوبه شائبة في أنَّ لا زخرفات في عملياتها عندما تكون الكفاءة هي الأولوية التشغيلية – وللكفاءة الأسبقية على خدمة العملاء. يعرف من يعملون في ريان آير هذه الأولوية، ويعرفون كيف يقسّمون وقتهم في العمل على هذا الأساس.

يزيد تحديد الأولويات من معدلات نجاح المشاريع الاستراتيجية ويزيد مواءمة وتركيز فرق الإدارة العليا حول الأهداف الاستراتيجية، ويُزيل الشكوك التي تساور فرق العمليات أثناء اتخاذ القرارات، والأهم من هذا أنه يبني عقلية وثقافة تركز على التنفيذ.

هناك طبعاً أوقات يتخذ فيها القادة قرارات خاطئة فيحددون لأنفسهم الأولويات الخطأ. لكنني وجدت خلال عملي لعشرين عاماً كمدير تنفيذي أنَّ المشكلة الأكثر تكراراً هي عدم اتخاذ القادة لأي قرارات فلا يوضحون بشكل كافٍ نيتهم حول الأمور المهمة. أي باختصار، لا أولويات لديهم.

لدى الشركات التي عملت معها – وشركات أخرى طورت إحساساً عالياً بالأولوية مثل آبل وأمازون و ليجو وآيكيا وويسترن يونيون- كان عائد تحديد الأولويات كبيراً. وبإمكان الشركات التي تبدأ بتحديد الأولويات الاستفادة من تقليصات مهمة في التكاليف (من تجربتي حوالي 15%) عند إيقاف النشاطات الأقل حيوية ودمج النشاطات المتكررة.

كذلك يشي عدد أولويات الشركة بالكثير من الأمور. من الملاحَظ أنّه إن كان الإقبال على المخاطرة عند أعضاء القيادة العليا في الشركة منخفضاً جداً (أو لم يكونوا قادرين أو لا يميلون لاتخاذ قرارات صعبة) سيكون لديهم على الأغلب مجموعة سخية من الأولويات: لا يخاطرون بأن يبدو مختلفين عن الآخرين، أو أن تفوتهم فرصة في السوق، أو أن لا يكون لديهم أحدث التقنيات وهكذا. لكنني وجدت من خلال تجربتي أنَّ أنجح التنفيذيين يميلون إلى المخاطرة أكثر وأن يكون لديهم تركيز قوي على عدد محدود من الأولويات. يعرف هؤلاء التنفيذيون ما يهمهم اليوم وغداً حتى إن ترتّب على ذلك أن تكون لديهم أولوية واحدة فقط. كلما زاد التركيز كان ذلك أفضل.

تدرّج الغاية

لديّ أكثر من 20 سنة من الخبرة في وضع الأولويات واختيار المشاريع وإدارتها. وقد ساعدتُ في تلك الفترة في تطوير إطار عمل بسيط أسميه ’’ تدرّج الغاية‘‘. وهي أداة يمكن لفرق المدراء التنفيذيين استخدامها لمساعدتهم في تحديد أولويات المشاريع والمبادرات الاستراتيجية:
• الغاية. ما هي غاية المنظمة وما الطريقة الأفضل لبلوغها؟ ما الرؤية الاستراتيجية التي تدعم هذه الغاية؟
• الأولويات. بالأخذ بالاعتبار الرؤية والغاية المعلن عنهما، ما الأمور الأكثر أهمية للمنظمة الآن وفي المستقبل؟ وما هي الأولويات الآن وخلال فترة من 2 إلى 5 سنوات القادمة؟
• المشاريع. اعتماداً على الإجابات عن أول نقطتين، ما المشاريع الأكثر استراتيجية التي يجب دعمها بالموارد إلى أقصى درجة؟ ما المشاريع التي تتواءم مع الغاية والرؤية والأولويات، وما هي المشاريع التي يجب إيقافها أو إلغاؤها؟
• الأفراد. الآن، ومع توضح الأولويات الاستراتيجية والمشاريع الأكثر أهمية، من هم أفضل الأشخاص لتنفيذ هذه المشاريع؟
• الأداء. تقليدياً، ترتبط مؤشرات أداء المشروع بالمدخلات (مثل نطاقه وتكلفته ومدته) التي يعتبر تعقبها أسهل بكثير من تعقب المخرجات (كالفوائد والتأثير والأهداف). لكن هذه المخرجات هي ما يهم حقاً ولو أنَّ تعقبها صعب. عليك أن تسأل: ما هي على وجه الدقة الأهداف المرتبطة بالمخرجات التي تقيس الأداء الفعلي والقيمة المنتَجة؟ قلل من انتباهك للمدخلات وركّز على المخرجات بدل ذلك.

في أفضل الأحول، يُعزز تحديد الأولويات الحوار الاستراتيجي والمواءمة في أعلى هرم المنظمة ليتم من هناك تعميمها إلى باقي المنظمة. حالما توجه فريق التنفيذيين لفهم هذا، تصبح الأولويات مدَمجة في المنظمة وفي ثقافة الشركة.
فكر في أولويات منظمتك. هل جميع نشاطاتك المتنوعة مُحدَّدة الأولوية بحسب ما تتطلبه مصالح المنظمة ككل؟ ما الاستخدام الأفضل للمقدرات التشغيلية والمالية للمنظمة المتوافرة حالياً ومستقبلاً؟ كيف ستتغير أولوياتك لو حدث تقلب اقتصادي طارئ؟
يساعد الإبلاغ الواضح عن هذه الأولويات التنظيمية على مواءمة معظم المشاريع والبرامج مع استراتيجياتها. لكنَّ واقع المنظمة أكثر تعقيداً بكثير مما يظن الكثيرون. أحياناً لا تكون الأهداف الاستراتيجية واضحة أو قد لا تكون موجودة أصلاً. كما أنَّ هناك عادة فجوة وافتقاراً للمواءمة بين الأهداف الاستراتيجية للشركة والأهداف من مختلف وحدات وأقسام ووظائف الشركة.

من المستحيل على أرض الواقع تحقيق الانسجام بين جميع مشاريع الشركة وبرامجها من جهة وأهدافها الاستراتيجية من جهة أخرى. لكن ما يمكن على الأقل إنجازه هو الحرص على أنَّ جميع المشاريع والبرامج المهمة – لنقل مثلاً أهم 20 منها- متوائمة كلياً مع الأهداف الاستراتيجية.

بتطبيق ’’ تدرّج الغاية‘‘، يتعلم المدراء التنفيذيون أنَّ تغيير الأولويات هو واقع الحياة التنظيمية. بالإضافة لهذا، في كل مرة توقف فيها المنظمة أحد الأولويات تصبح المنظمة أكثر تركيزاً. كل أولوية تُلغَى هي فرصة للتعلم ولإنجاز المزيد المرة المقبلة. الأولويات تتغير، ولديها القدرة، إن أديرت جيداً، على تغيير المنظمات جذرياً. لكن فقط إن اتخذت الإدارة العليا قرارات صعبة.

________________________________________
أنطونيو نيتو رودريغيز (antonionietorodriguez.com) خبير رائد في إدارة المشاريع وتنفيذ الاستراتيجية. أنطونيو مدير مكتب إدارة المشاريع في مؤسسة جلاكسو سميث كلاين فاكسينز وعضو في معهد إدارة المشاريع. عمل سابقاً في بنك بي إن بي باريباس فورتيس. هو مؤلف كتاب ’’ The Focused Organization ‘‘ ودرَّس إدارة المشاريع لكبار الاستشاريين لأكثر من عقد في كل من معهد إمبريسا، ديوك، كلية سولفي للأعمال، وفليريك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz