شهد ميزان القوى، في صناعات كثيرة، تحولاً درامياً من المشترين إلى المورّدين.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما نراه في صناعة السكك الحديدية. ففي عام 1900، كان يوجد في أميركا الشمالية 35 مورداً لعجلات القطارات المسبوكة؛ وكانت شركات بناء السكك الحديدية تستطيع الانتقاء والاختيار من بينها. وبعد مرور قرن من الزمان، لم يعد أحد ممن يريدون إنشاء سكة حديدية يتمتع بمثل هذه الرفاهية؛ إذ لم يتبق إلا موردين اثنين. أما اليوم فلا يوجد غير مورد واحد، مما يعني أن شركات بناء السكك الحديدية لا خيار أمامها إلا قبول السعر الذي يفرضه هذا المورّد.

حدث هذا التحول نتيجة أسباب عديدة، وأيٌ من هذه الأسباب أو كلها قد يكون موجوداً في أي صناعة بعينها. ففي بعض الحالات، قضى المورّدون على منافسيهم بدفع التكاليف إلى الانخفاض أو بتطوير تقنيات مزعزِعة. وفي بعضها الآخر، فاق الطلب سريع النمو على المستلزمات العرض إلى درجة أن المورّدين تمكنوا من فرض السعر الذي يريدونه. وفي حالات ثالثة، قام المشترون بتوحيد الطلب وأجبروا أسعار المورّدين على الانخفاض إلى حد خروج كثيرين من هؤلاء المورّدين من السوق، مما أعطى القلة الباقية مزيداً من النفوذ.

مهما يكن السبب، فإنّ الشركات التي صارت في وضع ضعيف مع المورّدين تحتاج إلى التعامل مع الموقف بطريقة استراتيجية. فلم يعد بإمكانها الاعتماد على المفاوضات القاسية من خلال مكاتب المشتريات التابعة لها. وقد طورنا إطاراً تحليلياً يشتمل على أربع خطوات، رتبناها ترتيباً تصاعدياً حسب المخاطر، بغية المساعدة في عملية إعادة التقييم الاستراتيجي. والواجب أن تبدأ الشركات بتقييم ما إن كان بمقدورها مساعدة المورّد على تحقيق قيمة في سياقات أخرى أم لا، فإن لم يكن الحال كذلك، فالواجب أن تنظر فيما إذا كان بمقدورها أن تغير الطريقة التي تشتري بها أم لا. ثم بعد ذلك عليها أن تنظر في الاستحواذ على مورد موجود فعلاً أو خلق مورّد جديد. ولو أخفق كل ما سبق، فالواجب عليها أن تنظر في استخدام الشراسة، وهو إجراء قد يكون له تأثير دائم على العلاقة ويعتبر ملاذاً أخيراً.

فهيا بنا نلقي نظرة على كل خطوة من هذه الخطوات بالتفصيل.


حقِّق قيمة جديدة لمورّدك


هذه هي أسهل طريقة تعيد بها رسم العلاقة التي تربطك بمورد قوي، ويمكنها إعادة توازن معادلة القوى وتحويل صفقة ذات طابع تجاري محض إلى علاقة استراتيجية. ويمكنك توفير قيمة جديدة بطرق عدة. على سبيل المثال:

كن باباً يؤدي إلى أسواق جديدة: الطريقة الأسرع والأقل تكلفة لعلاج الاختلال في ميزان القوى هي أن تتيح للمورّد فرصة سوقية جيدة إلى درجة يصعب عليه رفضها وذلك مقابل حصولك على امتيازات سعرية. وقد يتطلب العثور على "الجزرة" المناسبة بعض التنقيب. وإليك مثالاً يوضح ذلك: كانت هناك شركة للمشروبات تواجه زيادات سنوية في الأسعار يفرضها أحد موردي عبوات المشروبات. وبدا لهذه الشركة أنه لا يوجد أمامها مخرج من هذا الوضع؛ فالمورّد يتبع في تصنيع منتجاته عملية حاصلة على براءة اختراع، كما أن أسعاره أقل من أسعار المصادر الأخرى.

لكن تصادف أن المشتري كان يوشك أن يدخل سوقين كبيرتين في بلدين ناميين، وقد سبق أن حاول المورّد دخولهما لكنه أخفق في ذلك. أدركت مديرة المشتريات أن الشركة يمكنها أن توفر لمنتجات المورّد موطئ قدم في هاتين السوقين، فتدارست هي وفريقها الموقف مع فريق التسويق، وقدموا للمورد عرضاً يصعب رفضه: في مقابل تخفيض الأسعار بنسبة 10% على متسوى العالم، ستستخدم الشركة عبوات المورّد في السوقين الجديدتين.

قلّص المخاطر التي يواجهها المورّد: إذا كانت الشركة تتمتع بقدم راسخة تمكّنها من مساعدة أحد مورديها على الحد من المخاطر السعرية التي يواجهها، فبإمكانها المطالبة ببعض الامتيازات في المقابل. فعلى سبيل المثال، كانت هناك شركة كبيرة للمواد الكيميائية تعمل مع مورد وحيد صعب المراس. فلكي تنتج ثاني أكسيد التيتانيوم، كانت تحتاج إلى مستلزمات مطابقة لمواصفات صارمة، وكان هذا المورّد وحده هو الذي يستطيع تلبية احتياجاتها. وعندما حاولت شركة المواد الكيميائية زيادة طلبيتها، زعم المورّد أن طاقته الإنتاجية محدودة وطالب بعلاوة سعرية.

نظراً للطبيعة الدورية التي تتسم بها هذه الصناعة، خطر ببال الشركة أن المورّد سيبادر باقتناص فرصة الدخول في عقد طويل الأمد معها، وهو التزام كان غيرها من العملاء يفتقرون إلى القدرة المالية اللازمة للدخول فيه. فعمل فريق المشتريات عن كثب مع فريق من دائرة الشؤون المالية، حيث أنشأ هذا الفريق نماذج مفصلة للوقوف على المدى السعري الذي سيسمح للمورد بتحقيق عوائد مقدارها 15% على رأس ماله المستثمر. وقد وافق المورّد على إبرام عقد متعدد السنوات بأسعار لن تتذبذب بما يزيد على 10% سنوياً، وحصلت شركة المواد الكيميائية على خصم بنسبة 10% على عرض الأسعار الأصلي.

غيّر الطريقة التي تشتري بها


إذا لم تكن هناك فرص لمساعدة المورّد على خلق قيمة جديدة، فثاني أفضل بديل أمامك هو تغيير نمطك في الطلب. وتتطلب هذه الاستراتيجية تعاوناً وثيقاً مع أي أقسام أخرى يمكن أن تتأثر بها؛ لما لها من تداعيات على أجزاء المؤسسة الأخرى. وتستطيع الشركة تغيير أنماطها في الطلب بثلاث طرق، وكلها قد تتطلب قدراً مكثفاً من جمع البيانات وتحليلها.

قم بتجميع طلبيات الشراء: هذا هو الخيار الأقل مجازفة والأسهل في تنفيذه، وسيستهلك جهداً لا يتجاوز تدقيقاً داخلياً لبيانات المشتريات.

في إحدى شركات تصنيع الطائرات، كانت وحدات الأعمال المختلفة تشتري المكونات بشكل مستقل من أحد كبار المورّدين، وكان هذا المورّد يضاعف الأسعار التي تضمنتها عروض الأسعار الأصلية ضعفين أو ثلاثة أضعاف. كان المورّد يجني هوامش إجمالية تبلغ نحو 20%، فيما لم تكن الهوامش التي يجنيها صانع الطائرات تزيد على 10%. وفوق ذلك لم تكن عمليات التوريد يعوَّل عليها؛ مما كان يرفع التكاليف الكلية التي يتحملها صانع الطائرات. كانت وحدات الأعمال فرادى تفتقر إلى القوة اللازمة لإجبار المورّد على تغيير سلوكه، لكن رؤساءها التنفيذيين اجتمعوا سوياً وجمّعوا بيانات الإنفاق وتوجهوا إلى المسؤول التنفيذي الأول في الشركة المورّدة بتهديد بإيقاف جميع المشتريات ما لم تحدث تغييرات. فصار المورّد أكثر تجاوباً بكثير، إذ خفض الأسعار بحيث تكون الهوامش أيضاً في حدود 10% وحسّن الجداول الزمنية لتوريد المستلزمات في الوقت المحدد.

وتستطيع الشركات الصغيرة التي لا تطلب مستلزماتها من خلال وحدات متعددة تشكيل اتحادات مشتريات مع الشركات الأخرى العاملة في مجالها. ففي عام 2008 كانت هناك أقلية احتكارية مؤلفة من أربعة موردين تسيطر على سوق آلات صرف النقود الأوتوماتيكية في أحد البلدان الأوروبية. ورغبة في موازنة القوة التي تتمتع بها هذه المجموعة، أقدمت أربعة بنوك على إنشاء اتحاد لمشتريات قطع غيار آلات صرف النقود الأوتوماتيكية وصيانتها، مما أدى في النهاية إلى خفض التكاليف التي تتحملها البنوك في هذا الصدد بنسبة 25%. ولكي تنجح مثل هذه الاتحادات فلا بد من التوفيق بين مصالح أعضائها وتطبيق نظام سليم للحوكمة. ولتفادي إثارة مشاكل متصلة بمكافحة الاحتكار، ينبغي ألا تكون هذه الاتحادات ذاتها قوية أكثر مما ينبغي، مما يعني أن هذا النهج يتناسب بدرجة أكبر مع الصناعات التنافسية المفتتة نسبياً.

أعد النظر في حزم الشراء: إذا كانت هناك شركة لا تستطيع إنشاء حزم مشتريات كبيرة في فئة معينة من فئات المنتجات أو في منطقة جغرافية معينة، فينبغي عليها النظر في شراء مستلزماتها من فئات ومناطق أخرى. فقد كانت إحدى شركات الاتصالات تتعامل مع مورد قوي تحصل منه على مكوّن بعينه، وتمكنت من الفوز بامتيازات سعرية بأن بيَّنت للمورد أنها اشترت أيضاً مكونات أخرى من ذلك المورّد ذاته، وهذه المكونات يمكن الحصول عليها بسهولة من أماكن أخرى. كما أن هناك شركة عالمية لتصنيع المواد الكيميائية كان من عادتها شراء مكون أساسي من موردين اثنين، أحدهما في الولايات المتحدة والآخر في أوروبا (وكل منهما يتمتع بوضع احتكاري في منطقته)، فأعلنت أنها تنظر في تجميع مشترياتها والاقتصار على مورّد واحد، وشرعت في عملية تأهيل لاختيار أحدهما. ولو أن هذه الشركة قامت بمنح عقد واحد عالمي لأعطت بذلك المورّد الفائز موطئاً لقدم في المنطقة التي يحتكرها المورّد الخاسر. وفي مواجهة هذا التهديد بالمنافسة، وافق كلا المورّديْن على منح الشركة خصماً بنسبة 10%.

في أحيان أخرى تكون الاستراتيجية الصحيحة هي تفكيك حزمك الحالية؛ لأن هذا قد يساعدك، في الأحوال التي تنعدم فيها المنافسة، على خلق منافسة بين المورّدين. فعندما قررت إحدى شركات السلع الاستهلاكية معاودة التفاوض على عقدها المبرم مع مزود معلومات قوي يوفر حزمة عالمية متكاملة من السلع والخدمات، سرعان ما أدرك فريق المشتريات ضرورة أن يفرّق بين البيانات (التي كان المورّد يحتكرها في بعض المناطق الجغرافية) والخدمات التحليلية (التي تتمتع بسوق تنافسية عموماً). كما قرر الفريق أيضاً التفاوض على مستوى كل دولة، مما يتيح للموردين الذين يمكنهم تغطية بعض المناطق الجغرافية، لا كلها، فرصة المشاركة في هذه العملية. نتيجة لذلك حققت الشركة وفورات بنسبة 10% فيما يخص البيانات و20% فيما يخص التحليلات.

قلّل حجم المشتريات: الطريقة الثالثة لتغيير الطلب هي حرمان المورّد القوي من الحجم، والأمثل أن يكون هذا بالتحول إلى بديل أو منتَج أقل تكلفة. ومجرد التهديد بهذا الإجراء يمكنه زيادة انفتاح المورّد على التفاوض، لكن على مؤسسة المشتري أن تقف وراء فريقها التفاوضي وأن تكون مستعدة لإعادة النظر فيما تشتريه. فقد عقد تاجر تجزئة كنا نقدم له خدماتنا الاستشارية عزمه على خفض تكاليف تكنولوجيا المعلومات، فتبيّن له أن معظم موظفيه لا يحتاجون إلى إنشاء مستندات، وكل ما يحتاجون إليه هو قراءة هذه المستندات. وبهذا تمكن التاجر من إلغاء 75% من تراخيص برمجياته المكتبية مستبدلاً بها بديلاً أقل تكلفة للقراءة فقط.

أنشئ مورّداً جديداً


إذا لم تكن هناك خيارات متاحة أمام تغيير أسلوب الطلب في شركتك، ينبغي عليك كخطوة تالية أن تدرس إنشاء مصدر جديد تماماً للإمدادات. وكما هو الحال مع الاستراتيجيتين الأولى والثانية، فإن هذه الاستراتيجية تسحب الطلب من المورّدين الأقوياء في نهاية المطاف، لكنها تعالج الجانب الآخر من المعادلة. والأرجح أن تكون ضرورية في الصناعات التي قطعت فيها المفاوضات السعرية شوطاً بعيداً إلى حد إخراج معظم المورّدين من السوق، مما أعطى المورّدين الناجين سيطرة احتكارية فعلية. ولا شك أن مثل هذا الإجراء الراديكالي يجازف بتنفير موردك تماماً وربما يغيّر نموذج أعمال شركتك. كما أنه يغيّر أيضاً الديناميات التنافسية، بل وربما هيكل الصناعة التي ينتمي إليها موردك والصناعة التي تنتمي أنت إليها. لهذه الأسباب يعتبر هذا الطرح محفوفاً بالمخاطر، لكن إن أُحسن تنفيذه، فإنه قادر على إحداث تحول في آفاقك المستقبلية. يوجد في الأساس خياران:

أحضِر مورداً من سوق مجاورة: أسهل طريقة لإنشاء مورّد جديد هي الإتيان بمنافس من منطقة جغرافية مجاورة أو مجال عمل مقارب، منافس لا سبيل أمامه غير هذا إلى دخول هذه السوق. فقد خفضت إحدى شركات الخطوط الجوية الكبرى تكاليف التغذية التي تتحملها وحسّنت الجودة بإغراء شركة تموين طعام أوروبية بدخول سوق تموين الخطوط الجوية بالطعام في الولايات المتحدة والتي كانت قبل ذلك تخضع لسيطرة موردَيْن اثنَيْن من أصحاب الأقدام الراسخة وكانا عازفَيْن عن تخفيض الأسعار. كان اللاعب الجديد يتبع نموذجاً مبتكراً في الإنتاج خارج مقره، وساعده هذا على عرض أطعمة أعلى جودة بأسعار أقل كثيراً في مقابل عقود أطول أمداً.



نظراً لأن شركة الخطوط الجوية كانت ستُضطر إلى منح المورّد الجديد عقداً متعدد السنوات، طرح فريق المشتريات خططه على مدير التشغيل في شركة الخطوط الجوية ورئيس عمليات المطار ورئيس قسم التموين. وبعد التوافق على الاستراتيجية بين هذه الوحدات الأساسية، أعلنت شركة الخطوط الجوية أنها منحت عقدها في أحد المراكز الأمريكية الكبرى إلى داخل جديد إلى السوق. وبعد خسارة هذه الحصة من الأعمال، أعفى أحد كبار المورّدين فريقه الإداري من منصبه واتخذ نهجاً يقوم على المزيد من التعاون تجاه شركة الطيران.

تكامَل رأسياً: إذا لم يكن هناك موردون جدد مقبولون في المتناول، فكّر في أن تجعل من نفسك المورّد الجديد بأن تستثمر في الأصول والقدرات اللازمة، ربما بإقامة شراكة استراتيجية أو مشروع مشترك مع شركة تملك بعضاً من تلك الأصول والقدرات. فإذا كنت سعيد الحظ، فإن مجرد التهديد الموثوق باتخاذ هذا الإجراء سيكون كافياً لتبديل ميزان القوى، كما كان الحال مع شركة ورق كانت تعتمد في إمداداتها الكهربائية على مرفق خاضع للتنظيم.

بعد أن عجزت الشركة عن الحصول على سعر أفضل من مرفق الكهرباء، شرعت في التخطيط لبناء محطة كهرباء خاصة بها وحرصت أن يصل نبأ خططها هذه إلى مرفق الكهرباء. قضت الشركة تسعة أشهر في البحث عن موقع وتأمين السعة اللازمة لخطوط الأنابيب واستخراج التصاريح والدخول في شراكة مع شركة تجفيف تريد استخدام البخار الذي ستولده المحطة. وقد أفلحت هذه الاستراتيجية، حيث وافق مرفق الكهرباء على خفض أسعاره بنسبة 40% للحيلولة دون بناء الشركة للمحطة. وبطبيعة الحال فإن الخطر الذي ينطوي عليه هذا النهج هو قدرة الآخرين على التنبؤ بمدى جديتك من عدمها في تهديدك بالتكامل رأسياً. لذا فقبل الشروع في هذا الخيار، تأكد من قدرة المشروع الجديد على تحقيق قيمة تفوق التكاليف الاستثمارية وتعويض الشركة عن اهتمام الإدارة الإضافي والتكاليف الخفية والتحديات التي قد تنشأ عن ذلك.

تصرَّف بلا هوادة


لو أخفق كل ما سبق، فربما يكون الحل الوحيد بدلاً من توقف عملك هو إلغاء طلبياتك أو استبعاد موردك من الأعمال المستقبلية أو التهديد بالملاحقة القضائية - أو أي مزيج من هذه الإجراءات. وهذه في الحقيقة تكتيكات يُصار إليها كملاذ أخير.

واجهت إحدى الشركات العالمية العاملة في مجال الخدمات المالية موقفاً خطيراً؛ لأنها اضطرت إلى خفض التكاليف بمقدار 3 مليارات دولار. ولكي تخفض تكاليف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، طلبت من موردها الرئيس للأجهزة خفضاً بنسبة 10% في الأسعار. وعندما رفض المورّد ذلك، اتصل مدير المعلومات في الشركة بالرئيس التنفيذي للمورّد لينبئه بتعليق جميع مشاريع المورّد في الشركة، مع النفاذ فوراً. وفي غضون ساعة تم حذف المورّد من نظام الدفع، وتم إخطار فرق المشتريات وتكنولوجيا المعلومات والتطوير بالتوقف عن العمل معه. ولما وجد المورّد نفسه في مواجهة خسارة المشاريع الحالية والمستقبلية، سارع إلى الموافقة على خفض الأسعار.

ثم هناك الملاحقة القضائية. في أوائل العقد الأول من القرن الجاري، قررت إحدى شركات الأمن وكانت تقدم خدمات نقل النقود للبنوك زيادة أسعارها بنسبة 40%. ولأنها كانت تسيطر على 70% من السوق، لم يكن أمام عملائها إلا بدائل قليلة. لكن أحد البنوك كان يواجه ضغوطاً كبيرة فيما يخص هوامش ربحيته ولم يكن مستعداً لقبول هذه الزيادة السعرية. ولكي يفهم الدوافع من وراء هذه الزيادة، طلب مراجعة القوائم المالية لشركة الأمن، فلم يتبين منها إلا زيادة بنسبة 10% في التكاليف، أي أن هذه الزيادة الحادة لم تكن مبرَّرة.

اتخذ هذا البنك نهجاً ثنائياً، حيث التقى مدير التشغيل فيه مدير التشغيل في شركة الأمن ليقول له إن الزيادة غير مقبولة وإنها ستقوض العلاقة بينهما. وهدّد فريق المشتريات في البنك الشركة بتكاتفه مع المؤسسات المالية الأخرى للفت أنظار السلطات الوطنية المسؤولة عن مكافحة الاحتكار إلى هذه المسألة. فتراجعت شركة الأمن وفرضت زيادة سعرية تتناسب بدرجة أكبر مع الزيادة في تكاليفها.

كما بيّنّا، فإن الشركات التي تتفاوض مع موردين أقوياء أمامها طرق كثيرة لإعادة ترسيم العلاقة. ومهما كان الطريق الذي تختار المضي فيه، يجب أن يكون لديها فهم واضح للمشكلة، والقدرة على العمل على حل هذه المشكلة عبر التخصصات، والاستعداد للتفكير خارج الصندوق، والقدرات التحليلية القوية التي يمكنها أن تكشف عن الصورة في عموم المؤسسة وتتمخض عن رؤى ثاقبة مفيدة. من المهم أيضاً أن يكون هناك التزام من جانب كبار المسؤولين التنفيذيين بالتحركات الاستراتيجية لا التكتيكية. في وجود هذه العناصر، يتحول ما كان يبدو من قبل مهمة تفاوضية مستحيلة إلى مجرد مهمة تفاوضية تنطوي على تحديات.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!