لقد بتنا نستهلك اليوم كماً من المعلومات أكبر بخمس مرات مما كنا نستهلكه في العام 1986، وهو كمّ مذهل يكافئ قراءة 174 جريدة يومياً. وبالطبع قد يتضمن ذلك الكثير من منشورات إنستغرام وما شابهها، لكنه لا يقتصر إطلاقاً على ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي. كما اتسع نطاق التعلم ضمن الشركات وتضاعف حجمه تسع مرات على مدار الأعوام الـ16 الماضية، فغدت 80% من الشركات في الولايات المتحدة تقدم لموظفيها فرص تدريب على الشبكة مباشرة، الأمر الذي يوفر لهم كماً غير مسبوق من المعلومات.

ربما يظن المرء أنّ هذا الكم من المعلومات يمكن أن يترجم إلى كم كبير من المعرفة. لكن، ولسوء الحظ، لا يبدو ذلك صحيحاً. فقد بقيت علامات الأشخاص الأميركيين متوسطي المعرفة في اختبارات المعارف المدنية العامة (وهو نمط المعرفة الذي نتوقع أن يلتقطه الناس من خلال تصفحهم لكل تلك المواقع على الإنترنت) ثابتة على مدار الـ80 عاماً الماضية. وفي نطاق الشركات، أظهرت الإحصاءات أن الموظفين الاحترافيين لا يطبقون في كثير من الأحيان إلا حوالي 15% مما يتعلمونه في الدورات والبرامج التدريبية التي توفرها لهم شركاتهم.

إننا نستهلك كماً أكبر من المعلومات لكننا لا نتعلم أكثر. وباختصار، لقد بتنا نتعلم بفعالية أقل من السابق.

ولكن باستطاعتنا، من خلال اعتماد نهج متعمد لاستهلاك المعلومات وتطبيق الممارسات الفضلى في كيفية التعلم، أن نعكس الاتجاه السائد في التعلم غير الفعال. وفيما يلي أربع طرق تساعدنا على التعلم بفعالية أكبر.

احصر غالبية المعلومات التي تستهلكها في موضوع واحد على مدار أشهر عدة. وبدلاً من أن تترك العناوين الرئيسية تجرفك مع تقلباتها، اختر موضوعاً محدداً واحصر به القراءة والمشاهدة. فإلى جانب الفائدة الواضحة المتمثلة في إتاحة الفرصة أمام المعلومات المستهلكة حديثاً لكي تتراكم فوق المعلومات القديمة وتعززها، هنالك فائدة أخرى مهمة أيضاً مرتبطة بكيفية عمل دماغنا. يقول آدم غزالي في مقابلة أجريت معه مؤخراً حول كتابه "الذهن المشتّت" (The Distracted Mind): "إنّ ما يحدد أعلى سوية من الأداء في مجال عمل الذاكرة، هو قدرتك على فلترة وإقصاء المعلومات غير المناسبة. فعندما تضطر إلى معالجة معلومات غير مناسبة لأهدافك، يحدث تداخل واختلاط بين المعلومات المختلفة. إنّ نجاحنا في فلترة تلك المعلومات غير المفيدة وإقصائها هو أمر حيوي لكي نستقبل المعلومة ونتذكرها ونقرر ماذا نفعل بها". ولا شك في أنّ المبالغة في استهلاك المعلومات بسطحية وعدم التركيز من شأنه أن يؤدي إلى عواقب خطيرة يجب الانتباه إليها.

حاول تأطير ما تتعلمه. تؤدي الأطر دور البنيان الداخلي لدماغنا من خلال توفير الحيز المناسب للمعلومات التي نتلقاها. ويعود اكتشاف أهمية الأطر في العملية التعليمية إلى عالم النفس جان بياجيه الذي استخدم تعبير "المخططات" في عشرينيات القرن الماضي لتوصيف عملية تصنيف المعلومات ضمن أنماط ثابتة. فمن شأن المخططات – أو الأطر – أن تساعدنا على الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة من خلال ربطها بطريقة منظمة وقابلة للتكرار بما نعلمه أصلاً. ولعلنا نعلم ذلك بحدسنا البديهي؛ فمن الأسهل أن تجد جهازك الكمبيوتر عندما تضعه في مكتبك المنزلي منه عندما تضعه في مستودع كبير غير مقسم إلى غرف مستقلة.

ولتطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع، حاول بعد قراءتك لهذه المقالة أن تنشئ في ذهنك إطاراً خاصاً بكيفية التعلم بفعالية أكبر. قد تشكل هذه الاستراتيجيات الأربع مجرد البداية، ومع قراءة المزيد حول هذا الموضوع يمكنك توطين المعلومات في هذا الإطار الجديد وربطها بفهمك القائم للموضوع وبالمعلومات التي تعرفها أصلاً.

ولّف ما تتعلمه من معلومات على نحو منتظم. أي تجميع الأجزاء لتشكيل الكل، مع التركيز على خلق معنى جديد أو تركيبة جديدة. ويعود هذا التعريف إلى ما يسمى "تصنيف بلوم للتطور الإدراكي" في أحدث نسخة منقحة له طبعت في تسعينيات القرن الماضي، والذي يرسم هيكلية هرمية لمهارات التفكير، ويضع التوليف (الذي يطلق عليه اسم الخلق) في رأس الهرم وفوق خمس مهارات أخرى من بينها التطبيق. ونتيجة لذلك، فإنك عندما تولّف المعلومة التي استهلكتها، لا تستطيع إلا أن تستفيد منها إلى أبعد حد ممكن.

تشكل عملية التوليف بالنسبة لنا تحدياً كبيراً لأنها تنطوي على منح المعلومة الجديدة معنى جديداً في ضوء ما نعرفه أصلاً من معارف سابقة. وتختلف عملية التوليف عن عملية التلخيص بأنّ التوليف يشمل إبداء الرأي أيضاً فيما هو مهم، في حين أنّ التلخيص هو عبارة عن مجرد اجترار للمعلومة. هنالك طريقة سهلة للتدرب على هذه المهارة، ألا وهي أن تطرح على نفسك السؤال التالي: "ما هي خلاصاتي الرئيسية من هذه المقالة؟".

حاول إدخال فترات من الراحة بعد مراحل استهلاك المعلومات بكثرة. من المهم أن تكون هنالك فترات تخفف فيها استهلاكك للمعلومات، بحيث تتمكن من التركيز على مراجعة تلك المعلومات والتفكير فيها والاستفادة منها. ولتتذكر أنّ المعلومات الجديدة قد تتداخل وتختلط بالمعلومات المستهلكة سابقاً. وقد وجد القائمون على تطبيق دوولينجو لتعلم اللغات أنّ الأشخاص الناجحين في تعلم اللغات يقضون وقتاً طويلاً في مراجعة معلوماتهم القديمة، أطول من أولئك الذين يتوقفون عن التعلم.

ولكن كيف تعرف متى يتوجب عليك تلقي المعلومات ومتى يتوجب عليك التوقف؟ ينصح القائمون على تطبيق دوولينجو بمراجعة المعلومات القديمة عندما يجد المتعلم نفسه على حافة نسيان ما قد تعلمه. حاول أن تولف ما قد تعلمته حول موضوع ما؛ وإن لم تستطع ذلك، راجع معلوماتك القديمة حول ذلك الموضوع.

لسنا مجبرين على أن نقع ضحية ملايين المواقع وفيديوهات اليوتيوب ومنشورات الفيسبوك وحتى الكتب الإلكترونية التي تسعى إلى جذب انتباهنا من دون أن تمنحنا الكثير من القيمة المضافة. فلنتخذ القرار بأن نصبح متعلّمين فعالين، وسوف نتمكن حينئذ من جني ثمار هذا النمو الهائل في المعلومات وفي إمكانية الوصول إليها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!