يمكن أن يكون العمل مع شخص يسعى إلى الكمال شيء منهك للقوى، وفي حين أنه من الرائع العمل مع الذين يراعون جودة عملهم، إلا أن الكماليين يأخذون بالأمور إلى أبعد من ذلك، حيث يمكن أن تكون معاييرهم الصارمة مسببة لضغوطات وصراعات لا داعي لها، ويمكن أن تسبب أيضاً تجاوزات لمواعيد التسليم بسبب فشلهم في إعطاء الأولوية للهدف الحقيقي على حساب التفاصيل. وإذا حاولت تذكيرهم بأنّ "السعي وراء الكمال لا يتوافق مع الالتزام بمواعيد الإنجاز"، فإنهم قد يرونك شخصاً تبحث عن الطرق السهلة. إنّ الكمالية شائعة بما فيه الكفاية بحيث نلتقي جميعنا بأشخاص يسعون إلى الكمال في مكان العمل. إذاً، كيف يمكنك التعاون معهم بطريقة أكثر إنتاجية؟

إليك خمسة اقتراحات مستخلصة من بحوث نفسية في الكمالية والقلق؛ ذلك القلق الذي يكمن عادة وراء السعي إلى الكمال. وإذا كنت نفسك شخصاً تسعى لأن تكون مثالياً؛ سوف تجد هنا بعض الإرشادات حول كيفية إنشاء علاقات عمل أكثر متانة.

اكتشف مع أي نوع من الكماليين تتعامل

من خلال تجربتي، وجدت أنّ نوعين من الكماليين ينتشرون بشكل كبير؛ الشخصية "الاجتنابية"، وهم الذين يواجهون صعوبة في "البدء" بالمهام، إذ أنّ مواعيد التسليم النهائية تثير قلقهم لأنهم يريدون القيام بالأمور بشكل مثالي، وبالتالي، فإنهم يتلكؤون عند البدء بمشروع جديد. من ناحية أخرى، تجد أنّ الشخصية "الوسواسية" تعاني في "إكمال" مهامها.

لدى كلا النوعين مشكلة في تحديد الأولويات، ويصارعان من أجل تكريس الوقت وفقاً لما هو أهم، كما أنهما يشتركان في سلوك توسيع نطاق المشاريع. ولكن قد يختلف الأسلوب الذي تتعاطى فيه مع هذه السمات وفقاً للنوع الذي تتعامل معه.

بالنسبة للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في البدء بعملهم، يمكنك مساعدتهم من خلال توضيح المهمة وتجزئتها إلى مكونات أصغر. أما بالنسبة للأشخاص الذين يعانون لأجل إنهاء عملهم، يمكنك التركيز على تحديد أولويات عناصر المهمة، وتذكيرهم بالقرارات السابقة حول غرضها.

بما أنّ الكماليين غالباً ما يجدون صعوبة في وضع حدود منطقية للمهام بأنفسهم، فقد يجدون أنه من المفيد أن يساعدهم شخص آخر بذلك، وإذا كانت علاقتك مع زميلك تتسم بالاحترام والثقة المتبادلة؛ فإنّ تحديد ذلك الأمر معهم يمكن أن يحسّن العلاقة عوضاً عن خلق التوتر، هذا صحيح تماماً، خاصة عندما تكون الكمالية ناتجة عن القلق.

لا تتحمل تبعات التوقعات غير الواقعية

خذ بعين الاعتبار هذا المثال: يريد منك زميلك الكمالي تحديث جدول بيانات مكوّن من 15 عموداً كل أسبوع؛ في حين أنّ ورقة من 5 أعمدة هي كل ما تحتاج إليه، وسوف تُستخدم فعلياً مرة واحدة فقط في الشهر.

يميل الكماليون إلى الموازنة بين الوقت والجودة، لذلك يجب أن تكون مراعياً لهم ودبلوماسياً في توضيح سبب عدم رغبتك في قضاء هذا القدر من الوقت في هذا العمل، حيث يكون الهدف هو شرح تكلفة الفرصة البديلة لقضاء الوقت الزائد بملء 10 أعمدة من البيانات ذات الفائدة الهامشية، بينما يكون بإمكانك خدمة الشركة بطرق أكثر إنتاجية. كن دقيقاً وقدم معلومات مفصلة حول ماهية هذه "الطرق الأكثر إنتاجية"، وكن واضحاً وواقعياً في شرح سبب عدم جدوى هذه الأعمدة الـ10 الإضافية.

إذا كان هذا النقاش صعباً بالنسبة إليك؛ فلا تأخذ الأمر بشكل شخصي، حاول أن تفكر بأنّ كل فرد، بما في ذلك أنت، لديه عيوبه الخاصة، فالمواقف التي تسبب التوتر في مكان العمل طبيعية، وحاول تذكر أنّ المواجهة الصعبة لا تنعكس سلباً عليك أو على زميلك كأشخاص، وإنّ تبعات إجهاد نفسك وربط تراكمات عاطفية غير ضرورية بالموقف سيكون أكثر ضرراً من مستوى الإنتاجية.

اكتشف كيف يفضّل زميلك الكمالي تلقي الملاحظات، إذ يمكن أن يفضل البعض استلامها عبر البريد الإلكتروني؛ حتى تتاح لهم فرصة معالجة أي ردود فعل دفاعية أولية لديهم بينهم وبين أنفسهم؛ حيث يتوصل الكماليون الواعون عادة إلى رد فعل بنّاء عندما يكون لديهم وقتهم الخاص لذلك.

قدم الدعم للإجراءات التي تساعد الفريق على التركيز على الهدف الحقيقي

هنالك سمة مميزة للكمالية الإشكالية وهي أنها تغفل عن الهدف الحقيقي، وفي حين أنّ تطوير الإجراءات وجعل جميع أعضاء الفريق يرّكزون على الأولويات الرئيسية؛ هي من مهام قائد الفريق، إلا أنّ هنالك بعض الأمور التي يمكن لأي شخص في أي مستوى وظيفي القيام بها بمحاولة منه لتقديم المساعدة؛ فقد تطرح خلال اجتماعات الفريق أي من الأسئلة التالية:

  • هل هناك طريقة أبسط يمكننا من خلالها تحقيق هدفنا؟
  • هل يمكننا تقليص مقدار الوقت الذي نمضيه على هذه المهمة؟
  • ما هي تكلفة الفرصة البديلة في قضاء وقت إضافي في العمل على هذا الأمر؛ مقابل مهمة أخرى؟

بالنسبة للمشاريع التي تعمل عليها مع شخص كمالي، يمكنك أيضاً محاولة إنشاء قائمة مرجعية أساسية لمساعدة المجموعة في أن تبقى منظمة، وللتخفيف من حدة القلق المحيط بها، وضمان عدم التغاضي عن أي شيء. يجب أن يساعد الالتزام بالعملية الواضحة لاتخاذ القرار وتوثيق القرارات التي تم اتخاذها على المضي قدماً بالأمور.

يمكنك تشجيع استخدام المعطيات لاتخاذ القرارات التي تساعد كل فرد في الفريق على تحديد الأولويات بسرعة وكفاءة، مثلاً: "إذا كانت الفرصة تساوي أقل من (س) دولار، فسوف نرفضها تلقائياً"، أو "إذا انتهى المشروع بأخذ وقت أكثر من (س) ساعة لإكماله، فسوف نبلغ مديرنا بذلك".

وضع الحدود

يمكن لتوقعات الشخص الكمالي غير الواقعية جعل زملائه يشعرون، عن غير قصد، بأنّ وقتهم لا يتم تقييمه. لنأخذ مثالاً عن الكمالي الذي يصعب التعامل معه، والذي يرسل لك عدداً كبيراً من رسائل البريد الإلكتروني – كل رسالة تتضمن سؤالاً أو اقتراحاً مختلفاً – عندما يشعر بالإرهاق.

قد يكون من المغري تجاهل هذه الرسائل، أو حتى الإجابة عنها بأسلوب مقتضب، ولكن عوضاً عن ذلك قم برسم حدود مناسبة.

على سبيل المثال، قد تختار عدم الرد على رسائل البريد الإلكتروني التي يرسلها زميلك الكمالي في مساء اليوم أو في نهاية الأسبوع، أو قد تأخذ قراراً بأنك سوف تجيب على جميع رسائله مرة واحدة في اليوم؛ لا شيء أكثر من ذلك. ولكن إذا تمت الإجابة عن رسائل البريد الإلكتروني ذات الأولوية المنخفضة في عطل نهاية الأسبوع أو في وقت متأخر من الليل، فقد تحتاج إلى وضع سياسة للفريق أو إرشادات حول هذا الأمر.

من المهم إدراك أنّ كل فرد يمكن أن ينخرط في بعض سلوكيات التخريب الذاتي التي تؤثر بدورها على بقية الفريق. ولكن من خلال تطوير الحدود، سوف تخلق ثقافة تشجع النمو على الصعيد الشخصي.

تعزيز مشاعر الأمان من خلال التأثير المتبادل

التأثير المتبادل هو عندما يسمح لك زميلك بالتأثير على طريقة تفكيره ويكون العكس صحيحاً أيضاً، إنه عامل هام؛ حيث يساعد أي علاقة ناشئة على الشعور بالأمان. إذا كانت عادات الشخص الكمالي تثير غضبك؛ فحاول التكيف. حدد عناصر روتينهم الخاص التي قد تنسجم وتندمج مع روتينك، إذا كنت تتوقع من شخص آخر أن يتماشى مع أسلوبك، فأنت بحاجة لأن تظهر رغبتك في فعل الشيء نفسه.

عندما يشعر الأشخاص بأمان العلاقة، يكون من الأسهل عليهم تلقي ملاحظات نقدية، وهناك عدة طرق تتمكن من خلالها مساعدة زميلك الكمالي بأن يشعر بمزيد من الأمان، أظهر له بأنك تحترمه كثيراً، وأنك تؤمن بموهبته وقدراته. يجب أن يعلم الكمالي بأنّ نظرتك له إيجابية، وأنّ الأخطاء الصغيرة، مثل الخطأ المطبعي، لن تؤثر على ثقتك فيه. عندما يثق الشخص الكمالي بأنك سوف تقدم ملاحظاتك دون الحكم عليه، فإنه سوف يكون قادراً على التغلب بسهولة على الحواجز العاطفية وتحقيق أداء أفضل.

تختلف ديناميكية العلاقة بين الموظف ومديره مقارنة بالعلاقة بينه وبين زملائه في العمل، ومع ذلك، لكي يشعر الطرفان بالأمان، يجب أن تكون هناك عناصر ذات تأثير متبادل، بما في ذلك الانفتاح والتجاوب. يتمتع الكماليون بالعديد من نقاط القوة ويمكنهم تكوين علاقات عمل رائعة، تأكد من أنّ تأخذ فرصتك للتعلم من نقاط قوتهم.

من خلال فهم بعض العادات الشائعة لدى الكماليين، يمكنك فهم وجهة نظرهم وصراعاتهم بشكل أفضل. عند قيامك بذلك، فإنك تفتح مجالاً لإنشاء علاقة صحية، حيث يمكنكم التعلم من بعضكم البعض وخلق بيئة عمل أكثر اتساقاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!