لقد مررنا جميعنا بهذا الموقف، حيث تجري محادثة مع شخص من ثقافة أخرى، ربما في رحلة عمل أو أثناء العمل مع زميل على أحد المشاريع، وينتابك شعور سيء بأنك ارتكبت خطأ ما يؤدي لضياع ماء الوجه والخزي، ربما كانت دعابة غير ملائمة أو اختراق غير مقصود للمساحة الشخصية، أو سوء فهم للسياق والدلالات.

يمكنك التعافي من هذا الخطأ بسرعة إذا وقع ضمن ثقافتك، لأنك ستتمكن من الاعتذار ضمن إطار أدب السلوكيات. ولكن إذا وقعت الزلّة بين ثقافتين مختلفتين، قد تكون عندئذ عاجزاً عن معرفة ما عليك فعله وكيف يمكنك الرد.

إليك خمس خطوات لتتعافى من الزلّات الثقافية وتحويلها في الوقت ذاته إلى فرص للتعلم.

1- تخلّ عن هاجس الأداء

بداية، أعد صياغة طريقة تعاملك مع ارتكاب الأخطاء، وتقبلها على أنها آثار جانبية حتمية للعمل عبر الثقافات. هذا أمر صعب بالتأكيد، بالأخص على من يسعون للكمال والذين يخاطرون بالكثير، كعضو في فريق المبيعات العالمية يحاول إنهاء صفقة مثلاً. كما يصعب ذلك إذا كنت تعمل مع ما تدعوه الأخصائية النفسية كارول دويك “ذهنية الأداء“، حيث تعتبر الأخطاء دليلاً على أوجه القصور الكامنة لديك.

والمشكلة هي أنه عندما يتملكنا هاجس بشأن إمكانية ارتكاب الأخطاء أو نشعر بالذعر بشأن كيفية تعافينا منها، يصبح تفكيرنا مقيداً، وهذا التقييد النفسي يجعل تمتعنا بالراحة والعفوية والأصالة صعباً، وهي الصفات الشخصية الأساسية لبناء العلاقات في المقام الأول.

إلى جانب ذلك، يمكن لذهنية الأداء الكمالية أن تجعل الموقف يبدو أسوأ مما هو عليه في الحقيقة، وتؤدي إلى نشوء افتراضات خاطئة ذات نتيجة عكسية. على سبيل المثال، يمكنها أن تقودنا إلى التفكير بأنّ الهدف من التعاملات عبر الثقافات هو تقليد الثقافة الأخرى أو تمثيلها بدقة وكأننا سنتلقى تقييماً على أدائنا هذا. ويمكن أن يقود هذا إلى تضخيم الأمور (كأن أفكر: إذا انحنيت بصورة خاطئة سأخسر الصفقة بأكملها)، وذلك يؤثر علينا وبالتالي تكون نتائجنا ضعيفة.

ولكن ذهنية التعلم مفيدة وممتعة أكثر بكثير، حيث تعتبر الأخطاء فرصاً للتعلم والتطور. وبالتأكيد، إن كنت تعمل بذهنية الكمالية لن يكون من السهل عليك تغييرها والتحول إلى متعلم، ولكنه ليس أمراً مستحيلاً. تذكر أنّ التطور يحتاج إلى الوقت وسيتضمن على الأغلب ارتكاب الأخطاء باستمرار.

2- سلّح نفسك بالمعرفة

غالباً ما تقع الزلات الثقافية ضمن مجريات الحياة اليومية في الثقافة الجديدة. ولكنها قد تحصل أيضاً في مواقف لا تتكرر، كفعالية تواصل أو مقابلة أو فرصة إلقاء خطاب. في هذه الحالات يكون لديك وقت أكبر وموارد أكثر لإعداد نفسك بتعلّم الأعراف الثقافية. مثلاً، إن كان دورك في الشركة يتطلب منك حضور الولائم مع الشركاء المصنعين في الصين، يمكنك أن تجري بحثاً مسبقاً لمعرفة السلوكيات المناسبة للتعامل مع نظرائك الصينيين وأنواع العثرات الثقافية التي يمكن حدوثها في هذا الموقع.

ابحث عن لغة الجسد والتعابير اللفظية التي يستخدمها الناس عند وقوع زلة ثقافية. على سبيل المثال، هل يقولون “اعذرني” أو “أنا آسف”، أو حتى يبتسمون أو يضحكون أو يصرفون نظرهم إلى مكان آخر؟ هل يقبلون تحمّل المسؤولية أو يظهرون الأسف والتواضع، هل يعالجون الزلة علناً أم بصورة شخصية، هل يلقون اللوم على أحد المرؤوسين أو على القدر، هل يلقون دعابة أم هل يتجاهلون الخطأ ببساطة ويتصرفون وكأن شيئاً لم يحدث؟ تذكر دائماً أنه ليس هناك أعرافاً موحدة بين معظم الثقافات للتجاوب مع الأخطاء، والسياق الذي تقع ضمنه أمر أساسي. (وحتى في بلدك، يختلف الأمر كثيراً بين دعابة يساء فهمها مع زميلك وتوجيه إساءة غير مقصودة لزبون كبير). ومن أجل اكتساب المعرفة بشأن هذه الأمور، تعوّد على مراقبة سلوك الناس في الثقافة الأخرى وكيفية تحدثهم مع الأشخاص الذين تبني علاقاتك معهم، وفكر بالعمل مع مدرب ثقافي أو شخص مطلع على الثقافة الأخرى.

وأخيراً، ولأن هذه الزلات تحدث عادة مع الأشخاص الآخرين، يتمثل جزء هام من استعدادك في الاستثمار بالعلاقات الرئيسية مسبقاً. إن كنت تعمل أو تتعامل بصورة منتظمة وإيجابية مع شخص ما، سيكون على الأغلب قادراً على رؤية أنّ زلاتك ما هي إلا جهد شخص محبوب ومقدّر لديه يبذله بنية حسنة بهدف التصرف بصورة ملائمة. وهذا بالطبع سيجعله يتغاضى عن أي تصرف غير مألوف ثقافياً يصدر منك.

3- حافظ على هدوئك عندما ترتكب خطأً

غالباً ما تكون طريقة تجاوبك مع الزلة الثقافية مهمة بقدر أهمية حقيقة أنك أخطأت، لذلك وقبل التصرف، تنفس وتذكر الأمور التي هيأت نفسك بها.

أولاً، قيّم نوع الخطأ الذي ارتكبته وما إن كان من الضروري اتخاذ إجراءات للحدّ من الضرر. تكون بعض الهفوات مضحكة ببساطة وتكفيها ابتسامة نقد ذاتي بسيطة، بينما تتطلب هفوات أخرى الاعتذار. وإذا ارتكبت خطأ من النوع الذي يتطلب الاعتذار، وكنت قد تعلمت صيغة الاعتذار في هذه الثقافة، يمكنك محاولة إيصال اعتذارك بالأسلوب الأقرب لما هو ملائم. كما أنّ بناء روابط مع الأشخاص المعنيين له ذات القدر من الأهمية، فهو سيجعل تجاهل زلتك ونسيانها ومسامحتها أسهل بكثير بالنسبة لهم.

4- استعن بالتأمل الذاتي

قد يصبح الحدّ من الضرر أسهل عند الاعتذار أو الاستجابة المباشرة في لحظة وقوع الزلة، ولكن التعلم الحقيقي يأتي من الاستعانة بالتأمل الذاتي من أجل تحويل أخطائك إلى دروس متعددة الثقافات تستفيد منها.

ابدأ بأسئلة التأمل الذاتي المدروسة لتتمكن من فهم المغزى واستخلاصه من الزلة بصورة أفضل. على سبيل المثال: ماذا فعلت؟ كيف كانت ردة فعل الآخرين؟ كيف عرفت أنك ارتكبت خطأ؟ ماهي ردود الأفعال الأخرى التي كانت ممكنة، ولماذا اخترت ردة فعلك التي قمت بها؟ ماذا يمكن أن يكون قد فاتك أو ما الذي قمت بافتراضه؟ ما الذي لم تفهمه؟ وما هي الخيارات المختلفة التي ستختارها في المرة القادمة؟

وبالتمعن في فهمك للأمور وردود فعلك حيالها ستتمكن من استخلاص الأفكار عن الثقافة الأخرى وعن نفسك. فكر بكتابة أفكارك على الورق أيضاً، إذ يمكن أن يساعدك ذلك على رؤيتها من وجهة موضوعية وتقديرية أكثر. وكذلك، ستكون أفكارك هذه جاهزة لتشاركها مع مدربك أو دليلك الثقافي في الخطوة التالية.

5- احصل على التقييم

يتمثل جزء كبير من تبني عقلية التعلّم بإظهار انفتاحك وقبولك للتقييم الذي يعتبر الحصول عليه حجر الزاوية في عملية التعلم الثقافي، لأنك دونه لن تتمكن من الخروج من أفكارك حقاً ومعرفة إن كنت تتصرف بصورة صحيحة أم لا.

قم بالتواصل مع الأشخاص الذين تبني العلاقات معهم بصورة دورية، واسألهم إن لاحظوا عليك تصرفاً قد يكون غير لائق ثقافياً. ستمنحهم بهذا فرصة لتقديم آرائهم، وتشير بوضوح إلى تقبلك لها في المستقبل في حال حدوث أمر ما. إن كنت تعلم أنّ هناك فعالية قادمة في وقت قريب، كتقديم موضوع لإدارة عليا في دولة أخرى، يمكنك أن تجري تقديماً تجريبياً أمامهم والحصول على آرائهم قبل موعد الحدث الأساسي.

وسيكون من الرائع أن تحصل على الآراء والتقييمات بعد ارتكاب الزلة بوقت قصير، وهنا يأتي دور التأمل الذاتي الذي تقوم به. وبعد مشاركة السيناريو وآرائك مع الأشخاص الذين تبني العلاقات معهم، يمكنك أن تطلب منهم مساعدتك في فهم ما لا تفهمه ومواضع خطئك وكيف يكون التصرف الأفضل من منظور الثقافة الأخرى. وينبغي أن تحصل على آراء الآخرين بشأن كيفية إصلاح الأمور بناء على طبيعة العلاقة وما إن كانت قد صدرت عنك إساءة أم لا. سَل إن كان هناك ما يمكنك فعله أو ادعهم بصورة غير مباشرة لتناول القهوة من أجل إصلاح أي ضرر وقع. سيساعدك ذلك على تجاوز الموقف وعلى متابعة سير عملية التعلم مع التركيز على بناء العلاقات.

كما يمكنك أيضاً الاعتماد على كونك أجنبياً بدلاً من محاولة إخفاء ذلك إن كنت في مواجهة مع شخص لم تبن معه علاقة بعد. يمكن أن تكون هذه الطريقة مفيدة جداً عندما لا يكون بإمكان الآخرين معرفة أنك من ثقافة أخرى من مظهرك، وبالتالي لن يتمكنوا من معرفة عذر خطئك. وبمجرد أن يعرفوا أنك غريب عن ثقافتهم سيتمهلون، وسيخبرونك عن التصرف الأفضل، وربما ابتسموا أو ضحكوا.

في النهاية، لا يرغب أحد بارتكاب أخطاء ثقافية، ولكنها مع ذلك أفضل طريقة للتعلم. وعن طريق تبنّي موقف استباقي، حيث تعمل لتفادي الزلات مع الاستفادة منها كفرص تعلم في الوقت ذاته، ستكون لك قدم السبق في تطوير نفسك كأخصائي عالمي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!