وصلت منى إلى مفترق طرق في حياتها، فقد غادرت ابنتها المنزل منذ فترة وجيزة لتلتحق بجامعتها، في حين كان زوجها منشغلاً بأعماله ومتابعة أموره الخاصة. ومع أنّ منى كانت في الماضي تستمتع بعملها ضمن المصرف، إلا أنه الآن لم يعد يعنيها كثيراً. ولقد راودتها فكرة ترك عملها، لكنها كانت تخشى من ردة فعل زملائها ورئيسها في العمل!

إنّ تيار الوعي هذا قد أجبر منى لطرح أسئلة أعمق من شأنها أن تقودها إلى اكتشافات مهمة: “ماذا لو كانت جميع خياراتها التي اتخذتها من قبل مجرد استجابات لتوقعات الآخرين ورغباتهم؟!”. كانت منى على الدوام الابنة المحببة لأبويها، فقد كانت طالبة لامعة وتزوجت من الرجل المناسب الذي اختاراه لها، كما أنها دخلت مجال العمل ذاته الذي اختاره والدها وجدها من قبلها. أما الآن وقد بلغت الخامسة والأربعين من عمرها، فإنها تتساءل عما إذا كانت خياراتها في الحياة خيارات حقيقة نابعة من ذاتها أم مجرد خيارات زائفة اتخذتها تحت تأثير ضغط أبويها. والأخطر من ذلك أنها راحت تشكك بجميع الخيارات الأخرى التي اتخذتها في تلك المرحلة من حياتها.

شرعت منى تطرح على ذاتها المزيد والمزيد من الأسئلة. ما منشأ هذه الحالة التي تمرّ بها؟ وهل هنالك جانب خفي من ذاتها لم تعيه أو حتى لم تعرف بوجوده بعد؟ وراحت تستعيد مرحلة مراهقتها وتستذكر كيف كانت دائمة الانشغال بما يريدها الآخرون أن تفعل وماذا يريدونها أن تكون. ربما آن الأوان لإعادة النظر بتلك التساؤلات والتركيز على ما ترغب راما فعلاً في أن تكون وليس على ما يتوقعها الآخرون أن تكون. ولكن، ما هي الرغبة الفعلية “لراما الحقيقية؟”.

لقد شغلت فكرة “الذات الحقيقية” و”الذات الزائفة” أو “الظل” علماء النفس منذ زمن بعيد، فطرح كارل جونغ على سبيل المثال فكرة الظل أو الجانب المظلم من شخصية الإنسان ووصفه بأنه الجانب المجهول من تلك الشخصية المكوّن من مشاعر بدائية سلبية لا تلقى قبولاً اجتماعياً كالجنس والنهم للسلطة بالإضافة إلى مشاعر الأنانية والجشع والحسد والغيرة والغضب. وبالرغم من أنّ هذا الجانب المظلم من شخصيتنا يجسّد كل ما نخشاه وبالتالي نرفض الاعتراف بوجوده، إلاّ أنه يبقى جزءاً لا يتجزأ من شخصيتنا. ويعتقد جونغ أننا ما لم نتصالح مع هذا الجانب من شخصيتنا فإننا سنقع ضحية له من دون أن ندري.

وبشكل مشابه طرح عالم النفس المشهور إريك إريكسون مفهوم أزمة الهوية. وكما العالم جونغ، يرى إريكسون أنّ لعملية تشكّل الهوية جوانبها السلبية والمظلمة. فثمة جوانب جذابة في شخصيتنا بيد أنّها تسبب لنا المشاكل وبالتالي فإننا نتجه لطمسها وإخفائها. وأثناء عملية نضوج الشخصية فإننا لا نتشرب فقط الخصائص والميزات المقبولة اجتماعياً، بل أيضاً (ولو من غير أن نشعر بذلك) مواقف وآراء أبوينا والمجتمع حيال خصائص وميزات غير مستحبة. وبالنسبة للكثيرين منا فإنّ تلك الأمور “غير المستحبة” تتحول إلى “فاكهة ممنوعة” ننجذب إليها. ولكن، كي نشعر بأننا أناس حقيقيون لا بدّ لنا من دمج تلك الفاكهة الممنوعة داخل هويتنا.

وجاء العالم دونالد وينيكوت ليتابع البحث ويتعمق أكثر في فكرة “الذات الحقيقية” و”الذات الزائفة”، فبيّن أننا منذ طفولتنا المبكرة، ورداً على المخاطر التي نشعر أنها تهدد سلامتنا، نبتكر آليات دفاعية من شأنها أن تتطور إلى ما يسمى “الذات الزائفة”. ويرى وينيكوت أنه عندما لا تلقى احتياجاتنا الأساسية اعترافاً بوجودها وتقبلاً لها، وذلك من خلال انعكاسها إلينا عبر أبوينا، فإننا سنفترض أنها غير مهمة وبالتالي سنهملها. إنّ انصياعنا لرغبات أبوينا يدفعنا إلى كبت رغباتنا الحقيقية ويجعلنا عاجزين عن تجسيد ما نريد فعلاً. قد نعتقد بأنّ رفض الإذعان لرغبات أبوينا من شأنه أن يعّرض دورنا في أسرتنا للخطر، كما قد نميل أيضاً إلى تشرب أحلام أبوينا وتبنّي طموحاتهم ومنحهم الشعور بالنصر من خلال إنجازاتنا، بيد أنّ هذا الأمر ليس إلا كذبة عاطفية تقوم على حساب كبت احتياجاتنا الشخصية الحقيقية. ففي سعينا لإسعاد الآخرين وإرضائهم، نخفي “ذاتنا الحقيقية” وننكرها، ما يُفضي بنا إلى الشعور بحالة الاغتراب عن الذات، وحينها تصبح الغلبة “للذات الزائفة” التي تتحول بدورها إلى درع يخفي الذات الحقيقية ويبقيها مخبّأة ومركونة في قاع الشخصية.

وإذا ما اتسعت الهوة بين الذات “الحقيقية” والذات “الزائفة” فوق الحد المقبول فإنّ الإحساس بالهوية يغدو ضعيفاً. وعندما نعجز عن امتلاك الشعور الثابت والقوي بالهوية فإنّ ذلك قد يودي بنا يوماً ما إلى حالة حرجة تماماً كالحالة التي مرت بها منى؛ إذ بعد انصياعها طوال حياتها لتوقعات الآخرين ورغباتهم بدأت تختبر ما قد يطلق عليه إريكسون أزمة هوية متأخرة. وفي مرحلة محددة من حياتها بات من الصعب عليها أن تتحمل تلك الكذبة وتتعايش معها.

تُبيّن حالة منى أيضاً أنّ رحلة اكتشاف الذات والإحساس بالهوية التي غالباً ما تبدأ في مرحلة المراهقة، لا تتوقف عندها. فقد بلغ الصراع القائم بين “الذات الحقيقية” و”الذات الزائفة” لدى منى ذروته، الأمر الذي أسهم في تجدد الشعور بالتشويش، شعور سبق لها أن عانت منه في مرحلة مبكرة من حياتها. إنّ تركيزها في حياتها على جوانب معينة من شخصيتها وغياب جوانب أخرى منها سبق أن أطلقنا عليها الجوانب المظلمة أو السلبية، قد استنزف قواها ودفعها إلى اتخاذ خيارات في حياتها لا تنسجم مع احتياجاتها الفعلية ورغباتها الحقيقية. كما إنّ تجاهلها للجانب المظلم من شخصيتها أهدر قدراً هائلاً من طاقتها وقدرتها على الإبداع، وولّد لديها أعراض الضغط والتوتر بما فيها ردّات الفعل التي تنمّ عن الاكتئاب والإحباط.

بيد أنّه لا يجوز النظر إلى “استيقاظ الجوانب المكبوتة” بالمنظار السلبي المحض. وعلى الرغم من أننا قد ننظر إلى تلك الجوانب من شخصيتنا بوصفها انعكاساً لحياة لم نعشها، إلا أنّ أزمة الهوية المتأخرة قد تحتوي على بذور تُجدد النفس وتحث صاحبها على اتخاذ مسارات جديدة وتحث صاحبها أيضاً على خوض تجارب أخرى في الحياة. إنّ النظر إلى الجوانب المظلمة من شخصيتنا بمنظار عاطفي إيجابي، من خلال الرغبة والاستعداد لتقبل تلك الجوانب التي لم نعشها من حياتنا وتعلّم التقاط الرسائل التي تبثّها واستيعابها، من شأنه أن يمكّننا من بلوغ مستوى أعمق من الوعي تتوهج فيه مخيلتنا بالأفكار الإيجابية الخلاقة التي لطالما كانت تقبع في القاع تنتظر لحظة الولوج في مرحلة تحققها وترجمتها على أرض الواقع. فتحقيق الرغبات الدفينة يساعدنا ليس فقط في الإجابة على سؤال “من أكون؟”، وإنما أيضاً على السؤال الأهم “ماذا أريد أن أكون؟”، ما قد يخرجنا من دوامة الإحساس بالشفقة على الذات ويدخلنا في مسار تحقيق الذات.

هذا تماماً ما جرى في حالة منى؛ فقد شرعت في استيعاب تجاربها الحياتية السابقة وتدوين أحلامها في دفتر مذكراتها اليومية، كما سجلت الأفكار التي راودتها وكتبت رسائل إلى ذاتها الماضية وتلك المستقبلية، وأطلعت زوجها على أحلامها وطموحاتها وما أثارته في ذاتها من مشاعر كثيرة اختبرتها، كالإحباط والقلق. وبدوره بدأ زوجها يُشركها أيضاً في أحلامه، وفي نهاية المطاف، أخذت محادثاتهما منحى ملموساً وأكثر واقعية، إذ تطرقا إلى مناقشة أمور مستقبلية بما فيها مساراتهما المهنية وشؤونهما المالية وخياراتهما الحياتية القادمة. فاكتشاف الذات وسبر غورها قد منحا راما وعياً أكبر لواحة ذاتها العميقة ومعرفةً أفضل لماهية مسار حياتها في الماضي وفي الحاضر.

وبعد أن استعادت منى طمأنينتها النفسية وثقتها بذاتها وأطلقت العنان لطاقاتها الدفينة، ألقت نظرة جدية نقدية على مسؤولياتها في عملها وراحت تخطّ مسارات جديدة من شأنها أن تُحدث تغييرات تصب في منفعة المصرف الذي تعمل به، إضافة إلى منفعتها الشخصية. كما خاضت نقاشاً في السياسة مع والدها على مائدة العشاء وكم تفاجأت حينما وجدته يبدي احتراماً واضحاً لأفكارها وآرائها!

أخيراً، قد يمر معظمنا في تجربة منى وإحساسها بالمصاعب والتشويش، إلاّ أنّ تعلّم الطريقة المثلى للتعامل مع الجوانب السلبية الكامنة في ذواتنا من شأنه أن يحررنا ويمنحنا الإحساس بالسلام والطمأنينة. وإنّ طرح التساؤلات والتفكير العميق بالإجابات والتحدث بشكل جدي مع أشخاص مهمين يحظون بمكانة خاصة في حياتنا من شأنه أن يساعدنا على التعرف على الجوانب المظلمة في شخصيتنا والتصالح معها، كما من شأنه أن يقلص الهوة بين ذواتنا الحقيقية وتلك الزائفة ويخلق الحد المطلوب من التقارب فيما بينها لتحقيق السلام الداخلي. ولبلوغ تلك الحالة من الاستقرار النفسي علينا أن نتعلم كيف نتقبل ما نكتشفه عن ذواتنا دون حكم أو تقييم. ويكون ذلك من خلال سعينا إلى التعرف على ذواتنا كما لو كنا في مغامرة مذهلة أو في رحلة استكشاف للمكنونات الثمينة والكنوز الدفينة في عالم ذواتنا المجهول.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!