إن كنت مدير التوظيف في الشركة فإنّك ستكون سعيداً على الأغلب إن تمكّنت من إدراك حقيقة أحد المرشحين للوظيفة من خلال مقابلات غير منهجية تتيح لك التعرف إلى تفاصيل عشوائية تظنّ أنّها مثيرة للاهتمام وتخدم هدف المقابلة. (ما رأي المتقدم للوظيفة بمديره السابق؟ هل تحبّ أبوظبي؟ ما الذي تفعله في أوقات الفراغ؟). قد ترى أنّ من حقّك أن تسأل ما يحلو لك لأنّ مهمّتك أساساً هي التعرّف إلى المرشّح للوظيفة. ولكن في الوقت الذي نرى أنّ المقابلات غير المنهجيّة هي المفضّلة دوماً من ناحية الفعالية بين مدراء التوظيف، إلا أنّ الكثير من الدراسات تشير إلى أنّها تقدّم أسوأ المؤشّرات على الأداء الحقيقي في العمل، وأنّها أقل وثوقية من اختبارات القدرات الذهنية التقليدية، أو اختبارات الكفاءة أو الشخصية. ولكن لماذا نصرّ على استخدام طريقة يتّضح أنّها غير ناجعة، في حين يمكن الاعتماد على وسائل تساعد على اتخاذ القرارات كالاختبارات والمقابلات المنهجية وأسئلة التنبؤ بالسلوك، وهي أساليب من شأنها أن تقلل من الخطأ في توقّع أداء الموظف إلى حدّ كبير؟ يرى المختصّ النفسيّ في مجال الشركات سكوت هايهاوس أنّ هذه الممانعة "هي أكبر فشل يواجه مختصي علم النفس الصناعي والتنظيمي". إنّ هذا التمسّك بهذه المنهجيّة من التقييم عائدٌ إلى عاملين اثنين: المدراء يشعرون بثقة مبالغ بها بخصوص خبراتهم ومهارتهم، كما أنّهم لا يحبّون اللجوء إلى آليات منهجيّة التي تحوّل الحكم البشري إلى آليّ. حين قامت عالمة الاجتماع لورين ريفيرا بمقابلة مصرفيين ومحامين ومستشارين فإنها عرفت منهم أنّهم كثيراً ما كانوا يبحثون في المقابلات عن أشخاص يشبهونهم. إنّ محاولة خلق نسخٍ جديدة منّا أثناء التوظيف تساهم في زيادة التمييز بين الجنسين في بعض الوظائف، إذ يميل المصرفيون الذكور إلى اختيار الموظفين الذكور، أمّا المعلّمات فيتجنّبن تعيين المعلمين الذكور ويفضّلن اختيار المعلّمات. ويبدو في بعض الأحيانّ أنّ علينا أنّ نتعلّم عن طريق الخطأ. أدرك المشرّعون في ولاية تكساس قبل عدّة سنوات أنّ الولاية تعاني من نقص في أعداد الأطبّاء. ولحلّ هذه المشكلة طلب المجلس التشريعي في الولاية من كليّة الطب التابعة لجامعة تكساس في هيوستن أن تزيد عدد الطلبة المقبولين من 150 إلى 200، وذلك بعد أن اختارت لجنة القبول الطلبة البالغ عددهم 150 لتلك السنة. وبما أنّ غالبية الطلبة يتقدمون بطلبات لأكثر من كليّة طبية في آنٍ معاً، فإنّ معظم المتفوقين كانوا بالفعل قد قُبلوا في كليّات أخرى. وهذا يعني أنّ المتوفّرين للترشّح لهذه المقاعد الخمسين هم الطلبة الذين حصلوا على أقل درجات التقييم من قبل لجنة القبول. وقد كان من بين الطلبة الخمسين الذين وقع الاختيار عليهم في النهاية سبعة فقط تلقّوا فرصاً للدراسة في كليّات طبّية أخرى. وهكذا صار هذا المتطلب الحكوميّ مجالاً خصباً للدراسة، حيث نبّه الباحثون في جامعة تكساس إلى ضرورة النظر فيما إذا كان التقييم الأوليّ للطلبة أساسياً في تحديد مستوى أدائهم أثناء مرحلة الدراسة وبعد الانتهاء منها. وقد كانت النتيجة الصاعقة كالتالي: لم يكن ثمّة فرق بين أداء الطلبة الذين قُبلوا أوّل مرّة وأولئك الذين رفضوا. ومن خلال البحث بشكل أوسع، وجد الباحثون أنّ الفرق بين تقييمات الطلبة المقبولين والمرفوضين في ثلثي الحالات لم يكن عائداً إلى اعتبارات موضوعية كالعلامات، بل إلى آراء لجان المقابلة من خلال أسئلة غير منهجية كانت تطرح على الطلبة. ويتساءل الباحثون أمام هذه النتيجة عن السبب الذي يدعو المسؤولين عن مقابلة الطلبة بعد النظر في التقييم الأكاديمي المبدئي إلى ترك طريقة المقابلة التقليدية واللجوء إلى طرقٍ أشبه بالمقامرة على مصائر الطلبة المرشحين للقبول. لا أتوقّع أن تحلّ هذه الأساليب العشوائية مكان المقابلات، ولكنّ الأدلّة التي تشير إلى سلبيات المقابلات غير المنهجيّة يجب أن تجعل مدير التوظيف يتوقّف قليلاً ويدرك أنّها لا يمكن أن تكون الأداة المعتمدة في التقييم، لأنّها محفوفة بالتحيّز القائم على معلومات لا ترتبط بالعمل. يجب على المدراء في المقابل أن يستثمروا في تلك الأدوات التي أثبتت التجارب أنّها قادرة على توقّع مستوى أداء المرشّح إلى حد بعيد. ومن أهمّ هذه الأدوات اختبارات عينة العمل المتعلقة بالمهام المتطلبة من المرشح للوظيفة. فعلى سبيل المثال، قررت شركة كومبوز (Compose)، وهي شركة للتخزين السحابي، بالتوقّف عن اعتماد السير الذاتية وتقييم المرشحين للعمل بناء على قدرتهم على حلّ مسألة ما متعلّقة بالوظيفة. وهنالك شركات عديدة مثل شركة أبلايد، وبلندور، وإيدج، وغاب جمبرز، وبارادايم، ويونيتف، تقدّم أدوات وبرامج تحليل معتمدة يمكن أن تجعل عملية التوظيف أكثر منهجيّة. في الوقت ذاته ما تزال معظم الشركات ترغب في "معاينة" المرشحين للوظيفة حتّى بعد أداء اختبار عمليّ. ولذا يجب على الشركات أن تعتمد على مقابلة منهجية ذات عمليّات موحّدة بحيث يتمّ تقليص مساحة الحكم الشخصي على المرشّح. وتكون الأسئلة في هذه المقابلات مرتّبة ترتيباً ثابتاً بحيث تزداد المقدرة على عقد مقارنات واضحة بين المرشحين وإجاباتهم. وفي حين تبدو هذه المنهجية في المقابلات سهلة التطبيق، إلا أنّها مهملة إلى حدّ كبير. ويمكن أن تتوقّع بطبيعة الحال أن يكون سير الحوار خلال المقابلة المنهجية أكثر إرباكاً، ولكنّ النتائج التي تحصل عليها تستحقّ بعض العناء. كما يلزم أن يشتمل نظام المقابلة المنهجية على ضرورة أن يسجّل المقابل نتيجة كل سؤال مباشرة بعد تقديم الإجابة، وذلك من أجل تجنّب إطلاق أحكام غير موضوعية، فالمقيمون الذين ينتظرون حتّى نهاية المقابلة ليدوّنوا تقييمهم للإجابات معرضون لنسيان الإجابات الجيدة التي قدمها المرشّح في بداية المقابلة أو الميل إلى تفضيل المرشح الذي يمتلك أسلوباً أكثر تشويقاً ورشاقة في الحديث على غيره وإن كانت إجاباته أقل جودة. ومن الأفضل كذلك مقارنة إجابات المرشحين للوظيفة بشكل أفقيّ؛ أي إن كنت قد قابلت خمسة مرشحين، فيجب أن تقارن كل إجابة من إجابات الخمسة على السؤال الأول، ثم تنتقل إلى تقييم إجابات السؤال الثاني وهكذا. حتّى أنّ الأكاديميين ومن ضمنهم أنا يتبعون هذه الطريقة عند تصحيح الامتحانات. ففي الحالة المثالية يقوم المقيّمون بإخفاء تقييمهم للسؤال الأول- أي يمنعون أنفسهم حرفياً من النظر إليه- كي لا يؤثر حكمهم على الإجابة الأولى في نظرتهم إلى إجابات بقية الأسئلة. يمكن أن لا يكون هذا الأمر مريحاً لأنّ المسؤول عن المقابلة سيجد أحياناً أنّ المرشّح أعطى إجابة ممتازة على بعض الأسئلة وإجابات أخرى مخيبة لأسئلة أخرى، مما يجعل عملية التقييم أكثر تعقيداً. ولكنّ اكتشاف هذه الحالة من عدم الاتّساق في الإجابات أمرٌ جدير بالعناء وبالأخص إن كانت هناك أسئلة ذات اعتبار خاص في المقابلة. إن التقييمات التي تعتمد على المقارنة تساعدنا على معرفة الفروق بين المرشحين للوظيفة كما أنّها تحدّ من الميل إلى الاعتماد على الصور النمطية بناء على الانطباعات التي نشكلها عن المرشحين. ففي بحث مشترك أجريته مع ماكس بارزمان من كلية هارفارد للأعمال وألكساندرا فان غرين من جامعة إرازموس روتردام، اكتشفنا أنّ الانطباع الذي يجعلنا نتوقع أنّ النساء أفضل في الوظائف التي ترتبط عادة بالمرأة، كالتمريض، وأنّ الرجال أفضل في الوظائف المرتبطة نمطياً بالرجل، كالهندسة، يظهر بشكل أسرع عند النظر إلى مرشّح بعينه عمودياً في وقت واحد. ووجدنا في المقابل أنّ الناس أقلّ عرضة للوقوع في فخّ التنميط عند تقييم المرشحين أفقياً في الوقت ذاته وعقد المقارنة بينهم بشكل منهجيّ. ولا تتعلق المقابلات المنهجيّة بالانضباط في طرح الأسئلة وحسب، بل إنّ هنالك بعض الشركات، مثل شركة غوغل، تقوم بترتيب محتوى مقابلات العمل فيها باستخدام البيانات. إذ يقوم العاملون في قسم تحليل بيانات الأشخاص بدراسة البيانات لتحديد الأسئلة الأكثر ارتباطاً بتقدير النجاح في الوظيفة. فإن قدّم المترشّح إجابات متميّزة على هذه الأسئلة فإنّ ذلك سيعطي دليلاً للمقيّم على الأداء المتوقّع له في العمل، ولذا فإنّ من المنطقيّ أن يكون لهذه الأسئلة وزن واعتبار خاصّ في نظر المقيّمين. إنّ الاستغناء عن المقابلات غير المنهجيّة لصالح المقابلات المنهجيّة ليس سوى جزء بسيط من مما يجدر القيام به. فعلى المدراء أيضاً على سبيل المثال أن يتوقفوا عن الاعتماد على المقابلات التي تجري في لجانٍ أو مجموعات. فليس ثمّة دليل على أنّ هذا النوع من التقييمات الجماعيّة أقدر على التنبؤ بالأداء المستقبلي للمرشّح للوظيفة. بل إنّ الأفضل هو أن يبقى المقيّمون مستقلين عن بعضهم قدر الإمكان. ولعلنا لا نحتاج دليلاً على قولنا إنّ الحصول على أربعة وجهات نظر عن المرشّح للوظيفة من خلال مقابلته أربعة أشخاص بشكل مستقلّ ستكون أفضلَ من الحصول على نقطة بيانات واحدة من مقابلة جماعيّة. وحين يقوم جميع المعنيين بتقييم المرشّح فإنّهم يقدّمون آراءهم في اجتماع لمناقشة التقييمات التي حصل عليها المرشّح، وجمع النقاط التي حصل عليها في إجاباته- بمقياس 1 إلى 10 نقاط على الأسئلة المطروحة بنفس الترتيب. فإن كانت النقاط التي حصل عليها المرشّح تتجاوز الحدّ الأدنى المقبول فإنّه ينتقل إلى مرحلة أخرى من عملية التوظيف. أما تلك الأسئلة من قبيل فريق كرة القدم الذي يشجّعه المرشّح فالأجدر أن لا تُطرح أصلاً، ومن الطبيعيّ أنّها لا تؤخذ في الاعتبار عند تقييمه. إن اعتماد هذه التعديلات ليس سوى بداية الطريق نحو الوضع المثالي المنشود. أهمّ ما في الأمر هو أن تدرك الخلل في المقابلات غير المنهجيّة، وأن تستمر بعد ذلك في تعديل أساليبك حتّى تصل إلى أنسب الطرق في سياق شركتك. فعلى سبيل المثال، أقوم أنا وزملائي حالياً بالعمل مع حكومة دولة كبيرة للمساعدة في تحسين إدارة المهارات فيها. فقمنا بإجراء عدد من اختبارات A/B لقياس القدرة التشخيصية لبعض الاختبارات العملية وأسئلة المقابلات التي تطرح على المترشحين لوظائف في القطاع العام. إن تحليل البيانات وابتكار التصاميم الجديدة كالتقييمات الخاصة بالمقارنة تساعد مؤسسات الأعمال على الالتزام بمعايير موضوعية للجميع وتعزيز قدرتها بشكل كامل على جذب المهارات والكفاءات. يعدّ مدراء التوظيف من الأشخاص الذين يتأثرون بقوّة وبدون قصد غالباً بتحيزاتهم المسبقة، مثل كثير غيرهم من الناس في المجالات الأخرى. وصحيح أنّه يصعب تخليص المرء تماماً من تحيّزاته، ألا أنّه يبقى من الممكن تصميم المقابلات بطريقة تجعل من الصعب على هذه التحيّزات أن تؤثر على الحكم الصادر فيها. يجدر بنا أن نتوقف عن إهدار مصادرنا في السعي وراء نزع التحيّزات من عقول المدراء والالتفات بدل ذلك إلى نزع إمكانيّة التحيّز في إجراءات التوظيف. إنّ الاختبارات العمليّة، والمقابلات المنهجية، وتقييمات المقارنة هي من الأدوات الذكية والمناسبة التي تساعدنا على توظيف الكفاءة الحقيقيّة بدل من توظيف من يدّعيها. إن التصميم الأذكى لعمليات وإجراءات التوظيف قد لا تكفي لتحرير عقولنا ممّا يعتريها من نقص، ولكنّها تستطيع أن تحيّد التحيّزات، فلا تعود سبباً في التمييز والإقدام على تصرفات غبيّة.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!