لطالما كنتَ أنت شخصاً بارعاً يحقّق الإنجازات. فقد كنت الأوّل على صفّك، والكابتن في الفريق الرياضي في مدرستك، والموظف النجم والرائع الأداء في شركتك. والآن بات عليك أن تدير فريقاً من الموظفين النجوم ضمن أحد الأقسام في شركتك وهو القسم الذي يُعتبرُ مثار حديث الجميع في الشركة. وأنت واثق من قدرتك على مواجهة هذا التحدّي وتحقيق النجاح الكبير في هذه المهمّة.

أنت واثق من نفسك تماماً، وتضع أهدافاً واضحة لنفسك ولقسمك. وأنت تدرك تماماً بأنّك تحتاج إلى الاعتماد على مهاراتك في مجال الذكاء العاطفي لكي تتفهّم الديناميكية التي تحكم العلاقة بين أعضاء فريقك الجديد وتتمكّن من التعامل معها. وأنت تركّز على تحقيق أهدافك والوصول إلى النتائج المنشودة. ولكن لا يمرّ وقت طويل حتى تبدأ بمواجهة المشاكل. ففريقك لا يبدو متجاوباً مع خططك، وهو لا يؤدّي المطلوب منه. والأسوأ من ذلك هو أنّ أعضاء فريقك لا يصغون إليك ويحاولون إسكاتك. وفي حركة يائسة من طرفك، تلجأ إلى عدد من المرشدين الموثوقين الذين سيخبرونك بما يلي:

"أنت ورثت فريقاً يمثّل النخبة في الشركة. وأنا لست واثقاً بأنّ أعضاءه يحتاجون إلى مدير حتّى، فهم جيّدون جدّاً، ويمتلكون حافزاً كبيراً."

"هؤلاء هم نجومنا. وأنا واثق من أنّك قد لاحظت بأنّك ثالث مدير جديد يعيّن خلال العامين الماضيين."

يتّضح إذن بأنّه ليس من السهل إدارة فريق من الأشخاص ذوي الذكاء الفائق والإنجازات العالية، وخاصّة عندما تكون أنت واحداً منهم. وبما أنّك كنت نجم النجوم في وظائفك السابقة، فقد كنت تحقق كل هدف من أهدافك وفي كلّ مرّة. ولم تكن تدع شيئاً يقف حجر عثرة في طريقك، حيث أنّك كنت دائماً تنجز ما تريد. ورغم أنّك كنت تتمتّع بعلاقات رائعة مع زملائك في الفريق، إلا أنّك لم تكن بحاجة إليهم فعلياً. أمّا الآن فقد أصبحت بحاجة إليهم لأنّك لن تستطيع أن تحقق أهدافك حتّى من دونهم، ناهيك عن تحقيق الأهداف التي وضعتها الإدارة. وأنت تدرك بأنّك كنت تدفعهم بقوّة لتحقيق أهدافك، وتساورك الشكوك بأنّ هناك شيئاً ما مرتبطاً بدافعك الذاتي هو ما يتسبّب بالمشكلة هنا. وأنت تريد حلاً لذلك.

لقد درس العالم العظيم الراحل ديفيد ماك كليلاند، ثلاثة حاجات أو محفّزات إنسانية تُعتبرُ في غاية الأهمية في حالة إدارة الناس، ألا وهي: الحاجة إلى تحقيق الإنجازات، والحاجة إلى السلطة، والحاجة إلى العلاقة مع الآخرين. وقد أشار إلى أنّ هذه المحفّزات الثلاثة يمكن أن تخدمنا جيّداً في عملنا وفي تفاعلنا مع الناس. ولكن إذا لم نتفهّم هذه الحاجات ونتدبّر أمرها، فإنّها يمكن أن ترتد سلباً علينا. ودعونا هنا ندرس كلّ واحد من هذه المحفّزات بدوره.

الحاجة إلى تحقيق الإنجازات

إن دافعك إلى الإنجاز يشكّل على الأرجح جزءاً هامّاً من سبب نجاحك الكبير طوال حياتك. فأنت تحبّ التفوّق والتميّز، كما أنّك تضع لنفسك أهدافاً تنطوي على الكثير من التحدّي، ومن ثمّ تحاول تسخير كل مواردك الشخصية لتتمكّن من تلبية توقعاتك الشخصية، بل وتجاوزها حتّى. فأنت تريد أن تربح، وعادة ما يتحقق لك ما تريده. وتتوقّع الشيء ذاته من أعضاء فريقك. هذا الأمر يمكن أن يكون أمراً جيّداً، طالما أنّك قادر على التحكم بدافعك إلى الإنجاز دون أن تدعه هو يتحكّم بك.

ولكن لسوء الحظ، يجد الكثير من الأشخاص ذوي الأداء الفائق والرائع صعوبة في إعادة توجيه دافعهم للإنجاز بعيداً عن أهدافهم الشخصية، وتوجيهه نحو إنجاح الآخرين. فعلى سبيل المثال، قد تعتقد بأنّك تقدّم يد العون إلى الناس عندما تتدخّل لاستكمال تقرير يقومون هم بصياغته أو تضع "لمساتك النهائية" على عرض يحاول أحد أعضاء فريقك إعداداه. لكنّ الناس في هذه الحالة يرون بأنّك مهتمّ حقاً بأهدافك وبمعاييرك، وليس بأهدافهم ومعاييرهم هم. وسرعان ما يتعلّمون عدم الثقة بك. كما أنّ عدم صبرك الذي تظهره معهم، ومحاولتك لدفعهم، ونزعتك إلى تصحيح الأخطاء في أعمالهم، يمكن أن تكون مهينة بالنسبة لهم.

والطريقة الصحيحة التي يجب أن تستعمل بها دافعك الذاتي للإنجاز هي أن تستخدمه لمساعدة الآخرين في العثور على أهداف فيها تحدّيات كبيرة بالنسبة لهم وفي إعانتهم على تحقيقها. ويجب أن تتعلّم كيف تخرج من بقعة الضوء وأن تسلّط الضوء على إنجازات الآخرين. فهذا الأمر يمنحهم شعوراً عظيماً، ويشكّل مصدر إلهام لأقرانهم. وبطبيعة الحال، فإنّ حاجتك أنت إلى الإنجاز لن تختفي. ولكن كلّ ما عليك فعله هو أن تتعلّم كيف توازن بينها وبين الاهتمام برغبة الآخرين في أداء عمل جيّد، بشروطهم الذاتية. وهذا الأمر يحتاج إلى قدر هائل جدّاً من الذكاء العاطفي، بدءاً بالوعي الذاتي. بعد ذلك أنت بحاجة إلى الإحساس بالتعاطف مع الآخرين، وإلى الاستعداد لفهمهم، وإلى إدارتك لذاتك.

الحاجة إلى العلاقة مع الآخرين

نحن جميعاً نحتاج إلى أصدقاء في مكان العمل. ولكن إذا كنت مديراً جديداً، فسيكون من الصعب كثيراً أن تحقق التوازن الصحيح بين الجانب المهني والجانب الشخصي في علاقتك مع مرؤوسيك المباشرين. فجزء من نجاحك حتّى هذه اللحظة كان مرتبطاً بقدرتك على جعل الناس يحبّونك. فأنت شققت طريقك نحو القمّة دون أن تجعل الناس يكرهونك من خلال مصادقتك للجميع. وربما تكون هذه هي استراتيجيتك التي لاتزال تعتمد عليها حتّى الآن على الأرجح.

لكنّك يجب أن تكون حذراً للغاية. فالحدود الموجودة بينك وبين موظفيك هي حدود حقيقية. فهم "يعملون" لصالحك. هذا لا يعني بأنّك لا يمكن أن تكون ودوداً وإنسانياً. بل يمكن القول بأنّك إذا تعلّمت كيف تكون صادقاً وحميمياً مع الناس الذين يعملون تحت أمرتك، فإّن ذلك سيخدمك مدى الحياة. ولكنّك يجب أن تكون حذراً من عامل الغيرة. لا شكّ في أنّك قد أثرت شيئاً من مشاعر الحسد وأنت في طريقك إلى الصعود. والآن وبما أنّك قد أصبحت مديراً، فإنّ مشاعر الحسد قد تنقلب إلى غيرة، والغيرة هي حالة خطرة وهدّامة، لك ولهم. ورغم أنّك غير قادر على التحكّم بمشاعر الآخرين، إلا أنّك قادر على فعل بعض الأشياء لتساعد الناس على تجاوز هذه الحالة. لا تحاول ودون أن تقصد أن تقارن عملهم بما كنت قد اعتدت على فعله في تلك الوظيفة. حاول أن تسلّط الضوء على نجاحهم، واعترف بفضلهم المستحق، وحاول أن تساعدهم على التطوّر وبمنتهى الصدق.

هناك الكثير من الأسباب الأخرى التي تثبت مدى صعوبة إقامة صداقة حقيقية مع مرؤوسيك المباشرين – فأنت تتحكّم بدوام هذا الموظف، وبحجم العمل الملقى على كاهله، وبترقياته، وبرواتبه، على سبيل المثال لا الحصر. ولكن هناك أشخاص في مكان العمل بوسعك أن تقيم صداقة حقيقية معهم. فهذا هو الوقت المناسب لتنظر إلى جانبيك، لا إلى الأعلى ولا إلى الأسفل. حاول أن تقيم صداقة مع أقرانك. قد يكون هذا الأمر صعباً بالنسبة لك، فمعظم الموظفين النجوم يركّزون على المدير وليس على أقرانهم. لكنّ أقرانك هم إمّا من سيساعدك على النجاح أو أنّهم سيشدّونك إلى الأسفل أثناء محاولتك الارتقاء. فإذا بنيت علاقات قائمة على الثقة مع أقرانك في مرحلة مبكرة – وهل هناك طريقة أفضل من الصداقة لفعل ذلك – فإنّك ستكون أفضل حالاً في مرحلة لاحقة.

الحاجة إلى السلطة

يشعر معظمنا بشيء من الحب والكراهية في الوقت ذاته تجاه دافعنا إلى السلطة. ويعود السبب جزئياً في ذلك إلى أن السلطة تُعتبرُ "قذرة" نوعاً ما. لذلك فإنّ بعضنا يحاولون تجاهل هذا الدافع أو التقليل من شأنه. ولكن كما أشار ديفيد ماك كليلاند فإنّ الحاجة إلى السلطة هي حاجة إنسانية.

وإذا كنت مديراً، فإنّك بالتأكيد تمتلك سلطة التأثير في الآخرين. لكنّ هذا الدافع بالتحديد هو ربّما أكثر دافع سيتسبّب لك بمتاعب إذا لم تتعلّم كيف تتدبّر أموره منذ المراحل المبكرة. ويعود السبب في ذلك إلى أنّه من السهل علينا أن ننزلق إلى حالة السماح لحاجتنا الطبيعية إلى السلطة بأن تتصاعد بما أنّنا قد حصلنا على السلطة الشرعية – وتحديداً إذا كانت حالة النجومية لدينا قد أعطتنا بعض الامتيازات الخاصّة.

فحتّى الأشخاص الطيبون يمكن أن يقعوا فريسة لغواية استعمال السلطة لمصلحتهم الشخصية. وهذا ما أطلق عليه ماك كليلاند اسم "السلطة المُشخْصنة". ولكن بوسعك أن تستعمل حاجتك إلى السلطة بطريقة مختلفة كأن تستعملها لتحسين أوضاع الآخرين وأضاع المجموعة، وهنا يمكن أن نقول أننا أمام "سلطة ذات طابع اجتماعي"، تسمح لك بأن ترضي حاجتك الإنسانية جدّاً إلى امتلاك النفوذ – وإلى أن يُنظر إليك بوصفك صاحب نفوذ – ولكن في الوقت ذاته هي تمكّنك من أن تصنع معروفاً لصالح الناس ولصالح شركتك. وبالنسبة للموظفين النجوم الذين أصبحوا الآن مدراء، هذا أمر في غاية الأهمية، لأنّ الناس سوف يراقبون كلّ تحركاتك ليروا إن كنت ستواصل تحقيق النجاحات. كما أن مرؤوسيك المباشرين يتمتّعون بحساسية مفرطة تجاه طريقة استعمالك (أو إساءة استعمالك) لسلطتك، ناهيك عن أنّ الأشخاص المحيطين بك والأشخاص الذين يشغلون مواقع أعلى من موقعك يدققون في وضعك ليروا إن كنت ستظل قادراً على مواصلة السير في طريقك أم لا. وهم لا ينظرون إلى النتائج التي تحققها فقط، وإنّما هم ينظرون ليروا كيف تتعامل مع دورك الجديد ومع السلطة التي تأتي مع هذا الدور.

هناك الكثير من الأشياء التي يجب تعلّمها عندما يتولّى أشخاص متفوّقون في الأداء مثلك تلك الوظيفة الإدارية الكبيرة للمرّة الأولى. ومعظم ما يجب تعلّمه لا يمتّ بصلة كبيرة إلى الجوانب التقنية للوظيفة، وإنّما الكثير منه يتعلّق بك أنت كشخص. نحن بمعظمنا لا نفكّر كثيراً بالدوافع التي تحرّكنا لنتصرّف بالطريقة التي نتصرّف بها، ولكن تعلّمك لكيفية استعمال ذكائك العاطفي لتفهم "لماذا تتصرّف بالطريقة التي تتصرّف بها" هو الخطوة الأولى والمفقودة غالباً في طريق تحوّلك لتصبح مديراً نجماً، وقائداً عظيماً.

من الناحية الجوهرية، أنت بحاجة إلى أن تفهم المحفّزات التي تحرّكك، وأن تتعلّم كيف تستعمل دوافعك لتبني علاقات إيجابية لخدمة الآخرين أولاً، ولخدمة نفسك ثانياً. وهذا ليس بالأمر السهل دائماً بالنسبة للناس الذين تربّعوا على القمّة طوال حياتهم. بل هو بصراحة تحوّل كبير يحتاج إلى تركيز ومجهود كبيرين. والأهم من كلّ ذلك هو أنّ الأمر يحتاج إلى ذكاء عاطفي. وبالتالي فإنّ تطوير الوعي الذاتي، والتعاطف، وإدارة الذات هي أمور ستساعدك في فهم دوافعك والتعامل معها. وماذا ستكون المكاسب التي تحققها؟ بعد أن تترك ذاتك كموظف نجم خلف ظهرك، سوف تصبح مديراً ناجحاً ومحبوباً جداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!