تُعتبر محبة شخص أكثر من آخر طبيعة بشرية. لكن عندما تكون أنت المدير، فليس من الحكمة أو العدل معاملة مرؤوسيك بشكل مختلف، وخاصة تفضيل أحدهم على الآخر. لذلك، ما الخطوات التي يمكنك اتخاذها لتتأكد من أنك لا تُبدي معاملة خاصة لأي كان من موظفيك؟

ما يقوله الخبراء

يقول روبرت سوتون الأستاذ في جامعة ستانفورد والمؤلف المشارك لكتاب “الارتقاء بالتميز” (Scaling Up Excellence): “عندما يتعلق الأمر بالمحاباة، فأنت مذنب في الغالب مهما كنت تعتقد نفسك عادلاً ومهما كان مرتفعاً معدل الذكاء العاطفي الذي ترى أنك تمتلكه”. وتؤكد الدراسات أيضاً افتقادنا جميعاً للوعي الذاتي، “معظمنا ليس لديه أدنى فكرة كيف تحدث المحاباة”. ومع ذلك يبقى من الطبيعي أن يكون لديك علاقات مختلفة مع مختلف الأشخاص في العمل. تقول كارين ديلون، مؤلفة دليل هارفارد بزنس ريفيو لسياسات المكاتب (HBR Guide to Office Politics): “هناك سبب وجيه يجعلك تنجذب إلى أشخاص ترى فيهم زملاء ممتازين، أشخاص يمكنك الاعتماد عليهم والاستمتاع معهم”. لكن تفضيلك موظفاً على آخر يجعل المعنويات والإنتاجية في مأزق. تُصيف ديلون: “الخطر في الأمر هو أنك بذلك تؤسس لفريق معطل”. وعليه، إليك بعض الاستراتيجيات تضمن الإنصاف في التعامل.

انتبه للمخاطر

يساعد معرفتك سلبيات المحاباة على تحفيزك لمعاملة الأشخاص بعدل أكثر. وهناك أسباب كثيرة لذلك. أولاً، تقول ديلون: “إذا كنت تركز بشكل ضيق على اختيار فريقك المثالي، فكأنك تضع البيض كله في سلة واحدة”. إذ ربما هؤلاء المفضلون لا يبقون في المؤسسة إلى الأبد. “أنت لا تُعطي الآخرين فرصة لكي ينمو ويطوروا قواهم ويوسعوها”، حيث يحدّ هذا مما بإمكان فريقك إنجازه ويحد من المسارات المهنية المتوفرة لكل فرد من أفراد الفريق. كذلك تخلق المحاباة ثغرة في تطورك المهني. تقول ديلون: “نحن نفضل غالباً أن نكون محاطين بأشخاص يرون العالم كما نراه ويفكرون بنفس طريقة تفكيرنا”، لكن الدراسات أظهرت أنّ كونك منفتحاً لوجهات نظر وأفكار مختلفة هذا أمر محفز على الابتكار. “إنه تحد لك” كما تقول ديلون. “وأنت لن تتطور إن عملت فقط مع أشخاص يشبهونك”.

تتبّع ما يقوم به كل شخص

من أفضل الطرق لتحرص على أنك لا تنحاز لموظفين محددين أن تبذل جهداً واعياً لتوزيع المهام بشكل عادل ومتساو. تقول ديلون: “كن مسؤولاً، وتتبع من يقوم بكل مهمة”، وتضيف: “أنا أضمن لك أنّ الأشخاص الذين لا يتم اختيارهم للقيام بأفضل المهام متنبهون جداً إلى أنه لم يتم اختيارهم، لهذا عليك أن تُبقي سجلاً تعرف من خلاله آخر شخص رافقك إلى عرض تقديمي رفيع المستوى ومن قاد آخر مشروع كبير”. واسأل نفسك “دور من الآن؟”، إذ يمكن لأمور بسيطة كالطلب من شخص مختلف في كل مرة أن يقود الاجتماع الأسبوعي المساعدة في إرساء العدل عند تولي المشاريع.

كن شاملاً

هناك استراتيجية أُخرى لتجنب المحاباة، وهي التفكير بشمولية بدل التفكير بحصرية بينما تعمل على توزيع المهام والمشاريع الخاصة. تقول ديلون: “عندما تختار فريقاً لمهمة، فكر في نفسك هل بإمكاني إضافة دور آخر، حتى ولو كان دوراً ثانوياً؟”. وشجع جميع مرؤوسيك على رفع أصواتهم والإدلاء بما لديهم. ينصح سوتون بمحاول تقسيم الأشخاص إلى مجموعات فرعية صغيرة بحيث يكون لكل شخص رأي وفرصة لإبداء ما لديه.

اطلب رأي شخص من الخارج

إذا كنت قلقاً من أنك ربما تُفضل موظفين محددين على غيرهم، ينصح سوتون بطلب رأي طرف ثالث. فقد يفيدك أحياناً التعرف على وجهة نظر شخص خارجي. ويقترح سوتون أن تطلب من زميل في قسم آخر أن يحضر أحد اجتماعات الفريق، ويعطي رأيه حول مكامن تركيز طاقتك واهتمامك. ربما يفيدك أيضاً أن تسأل زميلاً يعمل بشكل دوري مع فريقك أن يطلعك على رأيه لتعرف إذا كنت عادلاً بما يكفي.

اعثر على قواسم مشتركة

إذا كنت تشك بميلك للمحاباة، أو أنك على الأقل تتجنب أحد أفراد الفريق لأنه ليس المفضل لديك، فعليك في هذه الحالة أن تعمل على تكوين روابط مع ذلك الشخص. تقول ديلون: “من الصعب مقت شخص لديك تواصل شخصي معه”. “لهذا كن مبادراً”. وفتش عن أشياء لديكما فيها اهتمام مشترك. ربما تكونان كلاكما معجبين بنفس الفريق الرياضي أو تحبان نفس الأفلام الأجنبية، أو يكون لديكما أطفال من نفس العمر. بإطلاقك حوارات حول هذه النواحي، تنتقل من كونك سلبياً إلى محايد. بالإضافة لهذا، تضيف ديلون، عليك ألا “تبدد طاقتك” على كره زميل لك. ففي نهاية المطاف “أنت معه للعمل. ليس عليكما الذهاب في رحلة استجمام معاً”.

كن متفهماً للمشاعر

يقول سوتون: “إذا كان في فريقك شخص لا تحتمل وجوده فعليك أن تجتهد لتطور فهماً لمشاعر ذلك الشخص”. لكن تذكّر أنّ تفهّم المشاعر لا يتعلق فقط بجعل الآخرين يشعرون بشعور جيد بل هو أيضاً تمييز وتقدير لمشاعرهم. باعتبارك القائد، سيكون هناك أوقات يكون عليك فيها التعبير عن عدم موافقتك، لهذا فأنت كلّما تفهمت أكثر الشعور الذي تولّده عند ذلك الشخص، ستكون فعالاً أكثر.

ويتوجب عليك استيعاب أنّ لا ضير في منح بعض الموظفين اهتماماً أكثر من غيرهم في بعض الأوقات. فلا تتوقع من نفسك أن تكون عادلاً في كل وقت وحين. لذا عليك تمييز الفارق بين أن يكون لديك موظفين مدللين وبين اتخاذك قراراً استراتيجياً حول الأشخاص الذين تستثمر فيهم جهدك ووقتك. يقول سوتون: “لا يعامل الجميع بالتساوي في الفرق الأفضل أداء، حيث يتمتع الشخص صاحب أكبر قدر من الخبرة في العمل الذي تريد القيام به في موقف ما بالسلطة الأكبر لاتخاذ القرار”. إضافة إلى ذلك، عندما تواجهك مشكلة قانونية مثلاً، يكون الاستشاري القانوني لديك “الشخص الأكثر أهمية في الغرفة”، وأنت مطالب بوضع “مهارات هذا الشخص في محور الاهتمام”. بعبارة أُخرى، تحويل انتباهك الإداري وطاقتك إلى موظفين يستحقون تسليط الضوء عليهم في مواقف معينة أمر منطقي وحكيم.

مبادئ عليك تذكرهاً

افعل:

  • ابذل جهداً واعياً لتوزيع العمل على فريقك بشكل متساو من خلال تتبع من حصل على الفرصة الأخيرة.
  • اعمل على تكوين روابط شخصية مع جميع موظفيك، خاصة أولئك الذين لا تحبهم فعلاً.
  • اعرف وجهة نظر كل موظف وفكر كيف تجعلهم يشعرون.

لا تفعل:

  • تجاهل مخاطر المحاباة. وإدراكك للمخاطر يساعد في الإبقاء على صراحتك.
  • افتراض أنك عادل دوماً. سواء كنت تعي ذلك أو لا، لكن على الأغلب أنت ستفضل موظفين محددين على غيرهم.
  • الخجل من سؤال طرف ثالث ما إذا كنت عادلاً أم لا.

دراسة حالة رقم 1: فكر بشمولية وكوّن روابط مع أعضاء الفريق على المستوى الشخصي

يعمل ماريو تشامورو مسوقاً للنمو في سان فرانسيسكو، ويعرف مدى أهمية معاملة الموظفين بإنصاف. إذ يقول: “أفكر في دوري كمدير على أنه سبب لتقوية أفراد فريقي”.

قبل بضع سنوات، كان ماريو يدير فريقاً صغيراً في الشركة الناشئة “باي آريا” (Bay Area). كان يحب العمل مع الجميع، إلا أنه كان يفضّل بشكل خاص زميلاً واحداً اسمه “براد”. يقول ماريو: “كنت وبراد متشابهين، كان كل منا مبدع، هزلي، ومنطلق”. ولأنه وبراد كانا منسجمين معاً ويستمتعان بالعمل معاً، كان ماريو حذراً من إظهار أي معاملة خاصة له. لهذا السبب كان ماريو يفكر ملياً قبل انتقاء الأشخاص الذين سيوكل لهم المشاريع المهمة. مثلاً، في إحدى المرات حظي فريقه بفرصة عرض خدماته على شركة (3M). كان اختيار براد ضمن الفريق أمراً لا نقاش فيه، “فقد كان متحدثاً وقاصاً رائعاً”، كما يقول ماريو.

لم يكن براد بالضرورة محتاجاً للمساعدة في عرضه التقديمي، لكن ماريو أراد أن يكون شاملاً، لهذا أوكل إلى زميلة أُخرى، تدعى ناتالي، مهمة أن تكون في الفريق الذي سيقدم العرض. كانت ناتالي شخصاً أقل كلاماً، لكن كان لديها قوى مفيدة في هذا الموضوع. يقول ماريو: “لم تكن العروض التقديمية من مهارات ناتالي، لكنها كانت شخصاً يولي عناية كبيرة بالتفاصيل وممتازة في التعامل مع الأرقام”.

وضع ناتالي في الفريق أعطاها فرصة لتنمو وتطور. كما شعرت بأهمية الفريق عند وجودها في غرفة الاجتماع. يقول ماريو: “لقد قوّاها هذا، وكان أداؤها رائعاً خلال فترة الأسئلة والأجوبة”.

هناك طريقة أُخرى استخدمها ماريو ليحرص على معاملة موظفيه بإنصاف، وهي تطوير علاقات شخصية قوية مع كل فرد منهم. يقول ماريو: “أنا بطبيعتي شخص يحب التواصل وأحب تكوين صداقات مع الأشخاص، لهذا لم أعتقد أنّ الأمر يتطلب مني جهداً كبيراً. إنها طريقة لرؤية القوى الخارقة الخفية لدى الأشخاص وجعلها تشع”. يضيف قائلاً: “ساعدني هذا لمعرفتهم بشكل أفضل”.

دراسة الحالة رقم 2: تفهم المشاعر ووسع تفكيرك حول معنى نجاح فريقك

عندما عمل تريفور لونجينو مع شركة ناشئة في أورلاندو، رُقيّ خلال الأشهر الستة الأولى من كاتب نصوص ترويجية إلى نائب لرئيس الشؤون التسويقية. يقول تريفور: “لم تكن لدي خبرة حقيقية في إدارة فريق كبير ومتنوع. وبطبيعة الحال، هناك أشخاص أحببتهم أكثر، وأشخاص أحببتهم أقل. لكنني لم أرد أن أفضل شخصاً على آخر”. كان ذلك صعباً. فقد كان لدى تريفور مرؤوساً مباشراً لم يكن يحتمله اسمه “جوي”. لم تكن لدى جوي أخلاقيات العمل القوية، فهو من النوع العابس، ويُمضي الكثير من الوقت في مشاهدة “اليوتيوب” خلال ساعات العمل. يستذكر تريفور: “لم ننسجم معاً، وكان ذلك مزعجاً. بمرور الوقت، أدرك تريفور أنّ ازدراءه لجوي يؤثر على إدارته للفريق. ويقول: “كنت أوكل أفضل المهام للأشخاص الذين ألعب معهم كرة القدم في فترة الغداء، وللزملاء الذين أخرج لقضاء الوقت معهم بعد العمل. كنت أحبهم، وأعرف كيف أعتمد عليهم”.

في أحد الأيام، أدرك تريفور كم مجحفة معاملته لجوي بينما كان يتحدث إلى زميل آخر. فقد أقحم جوي نفسه في نقاشهم بقول شيء لا علاقة له بالنقاش، وكالعادة لم يلتفت تريفور لجوي. يقول تريفور: “لكن زميلي، وهو شخص أحترمه وأثق به، قال شيئاً مثل هذا جميل، يا جوي. أنا وتريفور مشغولان الآن بمناقشة شيء آخر. سآتي إليك لاحقاً لنتحدث عنه أكثر”.

رأى تريفور كيف أثر هذا الرد بشكل واضح على موقف جوي وسلوكه. فقد بدا سعيداً وهو يمسي مبتعداً. هذه التجربة جعلت تريفور يدرك أنه كان صادّاً لجوي وأنه كان عليه أن يجتهد أكثر لجعل علاقته معه ودية ومهنية أكثر.

يقول تريفور: “تعلمت أن أكظم غيظي، ولم تصبح علاقتي به أفضل في ليلة وضحاها، لكنها تحسنت نوعاً ما”.

اليوم تريفور رئيس شؤون التسويق في شركة ناشئة تركز على الإنتاجية بمونتريال. يقول أن أسلوبه في القيادة تطور: “لقد اكتسبت الكثير من الخبرة، وأدركت أنّ التفكير في نجاح كل فرد لا يقل أهمية عن التفكير في نجاح الفريق ككل. بإمكانك البقاء مع أشخاص تحبهم وترى أنك تحب العمل معهم، لكن هذا يخلق انعزالاً”.

وحتى لا يقع في فخ المحاباة، يتحدث تريفور مع كل من مرؤوسيه المباشرين مرة كل ربع سنة ليناقش أهدافهم. يقول تريفور: “أسألهم أين يريدون أن يصبحوا خلال سنة أو اثنتين، ومن ثم نعمل بتأن على اختيار المشاريع التي توصلهم حيث يريدون. وهذا كفيل بجعل الأشخاص يعملون فعلاً على ما يحبون القيام به”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!