من الصعوبة بمكان أن تعمل مع أشخاص (أقران أو زملاء مبتدئين أو حتى رؤساء) لا يعيرونك سمعهم. وسواء كان زملاؤك يقاطعونك أثناء الحديث أو يتحدثون كثيراً، أو يبدو عليهم الشرود، أو دائماً ما ينتظرون دورهم كي يتحدثوا، فالنتيجة واحدة، وهي أنك لا تشعر أنّ هناك من يسمعك، وتزداد فرص سوء الفهم والأخطاء. فهل هناك أساليب يمكن استخدامها لتشجيع زملائك على حسن الاستماع؟، وهل ينبغي عليك التحدث معهم حول مهاراتهم السيئة في الإصغاء؟، وما الطريقة المثلى لتوصيل الرسالة؟

ما يقوله الخبراء

تقول سابينا نواز (Sabina Nawaz)، التي تعمل مديرة تنفيذية ومدربة تنفيذية دولية: "إنّ التعامل مع زملاء لا يستمعون إليك يُعد أمراً صعباً ومحبطاً في آن واحد. فعندما لا يكون الشخص حاضراً معك بذهنه بصورة كاملة، ستشعر بإهدار قيمة ما تقول". وتتسبب هذه التجربة، على سبيل المثال، في أن "تقطع حبل أفكارك" أو "تقوض ما خططت له في الأصل كي توصله إلى مستمعيك". وتُضيف سابينا: "يمكن أيضاً أن تخرج عن المسار الذي تسير فيه لتدخل في مأساة تفسير سبب حدوث ذلك". "وربما تأخذ الأمر على محمل شخصي وتقول: زميلي شديد الغرور". وبحسب قول كريستين ريوردان (Christine Riordan)، رئيسة جامعة أديلفي ومدربة قيادة: "لا تقتصر المشكلات المحتملة على سوء التفاهم والمشاعر غير الودية". فالزميل الذي لا يُصغي يمكن أن يتسبب في حدوث نتائج سلبية فيما يتعلق بالعمل وغالباً ما تحدث الكثير من الأخطاء لأن المشروعات لم تنفذ على النحو الصحيح. لهذا يتحتم مواجهة المشكلة. وفيما يلي نستعرض بعض الاستراتيجيات الخاصة بالعمل مع الزملاء الذين لا يبدو عليهم أنهم مستمعين أبداً.

راع أنماط العمل

ربما يكون بعض زملائك من الأشخاص الكسولين الذين يعيشون في عالمهم الخاص ويتعذر عليهم الانتباه، أو يمكن أن يكونوا من الأشخاص الأكثر اهتماماً بالوسائل البصرية ويجدون صعوبة في التعامل مع التعليمات الشفهية، حيث تقول ريوردان: "بعض الأشخاص يهتمون بالوسائل البصرية والبعض الآخر يهتم بالوسائل الشفهية". وتنصح بأن "تسأل زميلك عن الطريقة التي يفضلها في تلقي المعلومة". اسأله: "هل ينبغي إجراء محادثة، أم تود أن ترى التعليمات مكتوبة؟"، وتضيف نواز قائلة: "حاول أن تكون مرناً وشريكاً متفهماً في المحادثة. ويجب أن تستغل وقت زميلك استغلالاً فعالاً".

تأمل في سلوكك أنت

تقول ريوردان: "إنّ تساهلك مع زميل سيء الاستماع غالباً ما يؤدي إلى أن تنظر في المرآة وتتساءل عما إذا كنت أنت مستمعاً جيداً". وتردف قائلة: "ربما نتعلم من القدوة السيئة تماماً كما نتعلم من القدوة الحسنة". وكنوع من محاسبة النفس، تقتضي الحكمة أن تتأمل في كيفية بدء محادثات احترافية وما يمكنك فعله كي تتحسن، على حد قول نواز. وأردفت قائلة: "ربما تكون متكلماً كثير الاستطراد، وربما تُغرق مستمعيك بسيل من الأرقام، وربما تحتاج لسرد المزيد من القصص". وأضافت: "استغرق وقتاً لجمع بعض البيانات عن أسلوب التواصل الذي تتبعه" حتى يمكنك تشكيل السلوك الذي تود أن تراه.

اتبع أسلوب الإنصات العاطفي

تقول ريوردان: "من الطرق المتبعة لتشجيع زملائك على حسن الاستماع اتباع أسلوب الإنصات العاطفي". حاول جديّاً أن تفهم وجهة نظر الشخص الآخر. أما نواز فتنصح بتدوين الملاحظات في الوقت الذي يتحدث فيه زميلك ويكفي تذكير بسيط "من كلمة واحدة أو كلمتين". وبعد ذلك، عندما تكون هناك وقفة طبيعية في المحادثة، أكد على النقاط الرئيسة التي أثارها زميلك، مع دمج أفكارك في المحادثة بذات الوقت". والهدف من هذا، كما تقول نواز، هو "التفكير في مستمعيك" و"ما الذي سيستفيدون منه".

أبرز أهمية رسالتك

يمكن للتأكيد على أهمية رسالتك مقدماً أن يساعدك أيضاً. تقترح ريوردان قبل بدء المحادثة أن تقول شيئاً من قبيل "لدي موضوع مهم حقاً أود أن أحدثكم عنه، وأحتاج إلى مساعدتكم". هذه الجملة سترسل إشارة إلى زملائك أنهم يجب أن يغادروا المنصة ويعيروك أسماعهم. "يجب أن تعزز الجملة وعيهم لينصتوا إليك بمزيد من الاهتمام"، على حد قولها. وتنصح ريوردان أيضاً أن تعبّر عن رأيك "أكثر من مرة وبطرق متعددة". كُن صريحاً وواضحاً فيما تفعله. قل لهم: "أريد أن أكرر هذه المعلومة، لأني أود التأكد من أنها مفهومة". ثم يجب أن تتبع كلامك بالسؤال: "هل هذا مفهوم؟"، وبهذه الطريقة يمكنك "التأكد مما قلته وهل ثبت في أذهانهم".

اخلق نوعاً من المساءلة

من المهم أيضاً "مساءلة" زميلك عن مدى التزامه بالاستماع، على حد قول نواز. فعند التحدث مع مديرة شاردة الذهن، على سبيل المثال، تقترح نواز أن تدع مديرتك "تعرف أنها مسؤولة عن أمر ما" وأنه سيكون هناك "إنجاز" مطلوب في نهاية المحادثة. ربما تقول، على سبيل المثال: "لدي ثلاث استراتيجيات أريد أن أخبرك عنها. وأتوقع منك أن تتخذي قراراً بشأن واحدة منها في نهاية المحادثة". تقول ريوردان: كن واضحاً بشأن أولوياتك. فإذا كنت تتعامل مع زميل في العمل لديه استعداد لنسيان محادثات بعينها، "فيجب أن تضع إطاراً زمنياً لترسخ" توقعاتك "في ذهن زميلك"، بحسب قول ريوردان. قل له: "إن هذه المهمة تمثل نقطة حاسمة لهذا المشروع. فهل حددت موعداً لإنهائها؟"

اظهر الاهتمام

يُفضي التحدث بشكل صريح عن سلوك أحد الزملاء السيئ إلى نتائج عكسية بشكل عام، ولكن يمكنك التصريح عن هذا التصرف إذا تعاملت مع الأمر من "منطلق التعاطف" والإشفاق، كما تقول نواز: "ربما تقول شيئاً مثل: يبدو أن لديك الكثير من المهام التي تتطلب انتباهك. هل هناك شيء ما بوسعي فعله للتخفيف من العبء الواقع عليك لتكون حاضر الذهن تماماً عندما نتكلم؟"، ويجب أن يكون اقتراحك صادقاً، وإلا فقد يبدو وكأنه سلوك سلبي عدواني. إلى جانب ذلك، كن صبوراً تجاه حالات تشتت الانتباه في العمل. وإذا استمر هاتف زميلك في الطنين أو الرنين، ولاحظت أنّ عينيه تتحركان في اتجاه الهاتف، أوقف الكلام واسأله: "هل تحتاج إلى الرد على الهاتف؟"، ربما ستكون الإجابة، "لا، سأغلق الهاتف". أو ربما ستكون، "نعم، فأنا أنتظر مكالمة مهمة. هل يمكننا التحدث لاحقاً؟"

واجه المشكلة مواجهة مباشرة

إذا كان سبب المشكلة زميل مقرب منك أو مدير تربطك به صلة وثيقة، فضع في اعتبارك مواجهة المشكلة بشكل مباشر عن طريق إخباره بأنه لا ينصت لما يجب على الناس قوله. واحرص، كما تقول ريوردان، على "الاستشهاد بمثال لم يكن فيه زميلك مستمعاً وأدى ذلك إلى عواقب سيئة بالنسبة للفريق". ولكن نفذ هذه الخطوة بحذر. تضيف ريوردان قائلة: "يلزمك حقاً أن تربطك بالشخص علاقة إيجابية كي تكون هذه الخطوة فعالة"، وإلا فسينتهي الأمر بدفاع الشخص عن نفسه.

اقترح عمل عقد اجتماعي

تضيف ريوردان أنّ هناك خياراً آخر إذا استمرت المشكلة يتمثل في اقتراح إبرام "عقد اجتماعي" يضع معايير حول "طريقة تعامل أعضاء فريقك مع بعضهم البعض". وبرفع الأمر إلى مستوى الفريق فإنك لا تميز شخصاً بعينه على الآخرين، بل تبرم اتفاقاً بينهم كمجموعة. وينص العقد الذي يجب أن يتم "تحديثه بانتظام" على أنّ الزملاء "لا يسيطرون على المحادثة" بل يتيحون "للجميع فرصة لمشاركة الآراء". وتعمل هذه العقود بشكل أفضل في أماكن العمل التي تتمتع بثقافة قوية وداعمة نسبياً قبل كل شيء. وفي حال عدم انضمام الإدارة العليا، فستفقد السيطرة على الأمور. تقول ريوردان، "لقد رأيت فرقاً تعاني من اختلال وظيفي حيث لم تُجد فيها هذه الطريقة نفعاً". إذا وقع فريقك في هذا الفخ، تجنب هذا الرأي المشترك وركز بدلاً منه على الطريقة التي يمكن أن تحسّن بها ردود أفعالك الفردية.

مبادئ ينبغي تذكرها

افعل:

  • احرص على أن يشعر زملاؤك أنّ كلامهم مسموع ومفهوم، وذلك من خلال التأكيد على النقاط التي يطرحونها.

  • أكد على أهمية رسالتك قبل الشروع في المحادثة: "لدي موضوع مهم سأقوله، وأحتاج إلى مساعدتكم".

  • فكر في طرح فكرة عمل عقد اجتماعي لفريقك يضع معايير حول كيفية تعامل الزملاء مع بعضهم البعض.


لا تفعل:

  • لا تتجاهل تفضيلات زملائك بشأن الطريقة التي يُحبون تلقي المعلومات بها والتعامل معها، فبعض الأشخاص يفضلون الوسائل الشفهية، والبعض الآخر يفضل الوسائل البصرية.

  • لا تغفل عن نمط التواصل الخاص بك. وفكر جيداً في أفضل طريقة تجذب بها انتباه زملائك.

  • لا تخش من لفت انتباه زميلك لسلوكه السيئ، لكن افعل ذلك بطريقة إيجابية. قل شيئاً مثل: "يبدو أنك شارد الذهن. هل هناك شيء ما يمكنني مساعدتك به؟"


دراسة حالة رقم 1: أكد أهمية رسالتك وتابع الموضوع كتابة

عمل جيم جاكوبز (Jim Jacobs)، رئيس مؤسسة "فوكاس إنسايت" (Focus Insite)، المتخصصة في أبحاث السوق ومقرها مدينة ويست تشيستر في ولاية بنسلفانيا، عمل مرة مع زميل له ويدعى غاري، لم يكن غاري مستمعاً جيداً.

يسترجع جيم القصة قائلاً: "كان غاري يحب أن يسمع نفسه وهو يتكلم. وكان يعانى أيضاً من مرض النسيان الانتقائي، كنا نعقد اجتماعاً جيداً، ونضع خطة، ثم إذا به ينسى ما كنا نتحدث عنه".

منذ عدة سنوات، بدأت مؤسسة "فوكاس إنسايت" في إجراء دراسة كبيرة لأبحاث السوق، حيث احتاجت لتعيين أطباء ومرضى ومقدمي رعاية من جميع أنحاء الدولة ممن لهم دراية بحالة طبية معينة. وكانت فرصة مهمة ومربحة، لذا لم يستطع جيم تحمل أي احتمال لسوء التواصل. يقول جيم: "إنّ خطأ واحداً في التواصل يمكن أن يكلف شركتنا مئات الآلاف من الدولارات أو حتى الملايين، إذا وضعت في اعتبارك قيمة الحياة بالنسبة للعميل".

كان جيم بحاجة إلى إخبار غاري عن حجم الأعباء والمسؤوليات التي تنطوي عليها الدراسة. يقول جيم: "أخبرته قائلاً: هدفنا هو تعيين عدد محدد من المشاركين في موعد محدد. إنّ هذا الأمر مهم حقاً، ويجب أنّ نحقق ذلك. وإذا لم نستطع، ستكون هناك عواقب سيئة: فنحن لن نحصل على مكافآتنا وحسب، بل وربما نخسر العميل".

ثم تابع جيم الأمر مع غاري من خلال البريد الإلكتروني للتأكد من أنّ رسالته أصبحت مفهومة. وحدد الإطار الزمني للمشروع والأهداف المراد تحقيقها. كان ذلك عرفاً متبعاً في "فوكاس إنسايت". يقول جيم: "بعد كل اجتماع، أياً كان من عقده، يتم إرسال ملخص بما ناقشناه عبر البريد الإلكتروني. ونحن نستخدم تطبيق "سلاك" (Slack) لأنه بطريقة عرضه يمكنك رؤية الموضوع كاملاً".

في النهاية، وللتأكد من أنّ غاري فهم المطلوب إنجازه، أجرى جيم "محادثة صريحة" حول أهمية التواصل القوي. كانت علاقته بغاري جيدة بشكل عام، لكنه ما زال حذراً من وضع غاري في موقف الدفاع عن النفس. قال جيم: "اسمح لي أن أُخبرك شيئاً عن موظف سابق، اسمه فيل، لم يكن يبدي الاهتمام وتسبب لنا ذات مرة في عدم الالتزام بالموعد النهائي، فتعذر علينا إرسال قائمة بالحساب، وخسرنا العميل، وتعلمنا درساً من تلك التجربة القاسية. وإنني أحاول تجنب الوقوع في موقف كهذا، وهذا هو سبب احتياجي لمساعدتك".

إذن، إنّ التعبير عن المشكلة بهذه الطريقة ساعد غاري على الشعور بأنّ جيم مهتم بنجاحه ونجاح الشركة. يقول جيم: "أردت أن أبين له أنني مهتم بشؤونه". لقد نجح المشروع، وغاري تحسّن تماماً في مهارة الاستماع.

دراسة حالة رقم 2: أظهر الشفقة وتفهّم دوافع زميلك

في بداية مسار آش نورتون (Ash Norton) المهني، كانت تعمل مع زميلة سنسميها نانسي لديها صعوبة في إبداء الاهتمام.

لم يكن واضحاً ما إذا كانت نانسي تفتقر إلى مهارة الاستماع أو لا تريد أن تسمع ما يقوله الناس. "لم يكن الأمر مرتبطاً بكون نانسي تنسى الأشياء، بل الأرجح أنّ تلك الأشياء لم تكن تمثل لها أولوية أو أنها لم تكن تركز عليها"، على حد قول آش، التي كانت تعمل في ذلك الوقت مشرفة معمل في شركة كبيرة. وأضافت قائلة: "كانت تظن حقاً أنّ طريقتها هي الأفضل أو الأسهل أو الأسرع".

وبعد أن تسبب فشل نانسي في الإصغاء بحدوث خطأ فادح. تقول آش: "حيث أخطأت في تسجيل مقياس التوافق"، وتسترجع آش الموقف قائلة: "كان مجرد خطأ بسيط، ولكن كان من الممكن أن يترتب عليه آثار مالية وتنظيمية جسيمة للشركة". قبل أن تجلس آش مع نانسي، أمضت وقتاً في إعداد ما خططت لتقوله. وتأملت في الدوافع التي تحرك نانسي وكيف يمكن أن تشجعها على إبداء مزيد من الاهتمام. تقول آش: "أدركت أنّ الأولوية بالنسبة لنانسي هي التباهي بعملها وتمييزه، لذا فإنها بعد أن تهتم بما تريد فعله فقط، تشعر وكأنها تركت أثراً.

هذا الإلهام ساعد آش في إعداد المحادثة بشكل فعال. تقول آش: "جعلت المناقشة تدور في إطار تفهم منه نانسي "أننا" نعترف بإسهاماتها ونكنّ لها التقدير، لكن هذه الإسهامات لا يمكن أن تحدث بمعزل عن المهام الأُخرى". وضعت نانسي وآش معاً خطة عمل (تتضمن المواعيد والأهداف المراد تحقيقها) لمساعدة نانسي في إنجاز ما تتطلع إليه. وتحسّن مستوى نانسي مع الوقت.

والآن تقدم آش دورات في تنمية القيادة للمهندسين. كما ساعدت العديد من المدراء في تشجيع زملائهم على تعلم كيفية تحسين مهارة الاستماع. ونصيحتها الأولى لهم هي: أنصت أولاً. "من السهل افتراض أنّ الشخص الآخر لا يسمعك"، على حد قولها. "لكن ربما أنهم يفسرون، أو بالفعل هم يفسرون "ما قلته" بشكل مختلف. أو أنّ لديهم وجهة نظر مختلفة. لذا، فلتحرص على التمتع بعقل متفتح حقاً ولتنصت إلى الآخرين".

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!