ألقينا مؤخراً كلمة عن التغيير. وفي بداية جلسة الأسئلة والأجوبة رفعت شابة يدها وقالت متحدثة بحماس عبر الميكروفون: "أنا شخص يحب التغيير، وأتبناه، وأرحب به". ثم توقفت قليلا وسألت سؤالاً مؤثراً فيه نبرة من الحزن: "لكن كيف أتأكد من أنّ كل هذا التغيير لن يُخرّب عليّ يومي؟".

كيف كنت ستجيب على هذا السؤال؟ يبدو السؤال ظريفاً، لكنه يُعبّر في الحقيقة عما نفكر به جميعنا. كم منا يرغبون فعلاً بحصول تغيير إيجابي حولهم، ويريدون في الوقت نفسه ألا يُمّس عالمهم الصغير؟ كم منا يريدون فعلاً أن يُستبدل الروتين المريح والمألوف الخاص بهم بتغييرات جذرية في عاداتهم المتأصلة وعلاقاتهم الراسخة ومهاراتهم التي تعبوا في اكتسابها وآرائهمم الجوهرية ومعتقداتهم القيمة؟ وهل كانوا سيرغبون في حدوث هذه التغييرات لو كانت ضرورية لتطوير أنفسهم أو إن كانت مؤسساتهم تطالبهم بها؟ وعلى فرض رغبتهم بحدوثها، فمن منا يعرف فعلاً من أين يبدأ؟

إذا لم نستطع الإجابة عن ذاك التساؤل الذي طرحته تلك الفتاة حول الكيفية التي يهدد بها التغيير يومها (وكيف نتعامل مع العواقب العديدة لذلك)، سنظل نحن وفرقنا ومؤسساتنا وحتى مجتمعاتنا عالقين في مكاننا. مع أنّ تلك الفتاة تعمل في مصرف، لكن سؤالها كان يمكن أن تطرحه معلمة أو رئيسة مؤسسة أو موظفة حكومية أو عضو في مجلس النواب أو ربة منزل. ما لم نوائم أنفسنا بطرق لا تعد ولا تحصى مع التجديدات الكثيرة التي يتطلبها التغيير، سنكون نحن أنفسنا من يضع العصا التي تعيق دوران عجلتنا بتحركنا ضد التغيير بدل الانتقال بانسيابية نحو المساحات التي نتفق جميعناً (نظرياً فقط) على حاجتنا لشغلها.

لكن لماذا علينا التغيير؟ لأن منهجنا القديم لا يمكنه توليد الأفعال الجديدة الضرورية للتحرك قدماً بطرق مختلفة وأكثر فعالية. على الصعيد الفردي، يمكن لهذا أن يؤذي فرصنا في العمل وعلاقاتنا وحتى صحتنا. أما على مستوى القيادة العليا فيمكنه أن يؤثر علىى المسيرة المهنية للأشخاص، وعلى فرص نجاحهم أيضاً.

على سبيل المثال: كان دور ستيف بالمر الذي قاد مايكروسوفت كرئيس تنفيذي من عام 2000 وحتى عام 2014 مجرد الإبقاء على الشركة واقفة على قدميها بعد مغادرة بيل غيتس لها، وهو ما نسميه "القائد الحارس". كانت الأجهزة والبرمجيات الوصفة للاستمرار بالنجاح، أخبرنا الاستراتيجيون في فترة رئاسة بالمر للشركة عن تجاهل بالمر مناشدات كبار فريق الإدارة للاستثمار في الحوسبة السحابية منذ عام 2007. بدل ذلك وضع بالمر كل رهانات مايكروسوفت على نظام التشغيل فيستا الذي مني بالفشل. لم يخلق بالمر شراكات استراتيجية يمكنها تأسيس نمو جديد وقنوات جديدة في السوق. وفي عهده هبطت أسهم مايكروسوفت من حوالي 60 دولار للسهم الواحد في عام 2000، إلى 30 دولار تقريباً عندما غادر المنصب في فبراير/شباط لعام 2014.

الآن خذ في المقابل ساتيا نيديلا الرئيس التنفيذي للشركة منذ عام 2014. أصبحت مايكروسوفت خلال 24 شهراً من قيادة ساتيا شركة رائدة في الحوسبة السحابية بتطويرها منتجات متنوعة منها أوفيس 365 (Office 365)، وأزور (Azure). كما خلق نيديلا شراكات استراتيجية حتى مع المنافسين مثل أوراكل (Oracle) وسيلزفورس (Salesforce) لزيادة الزبائن الذين تصل إليهم مايكروسوفت. هذا الرئيس هو ما ندعوه "القائد المسرّع". خلال سنتين من تولي نيديلا القيادة قفزت الأسهم 43 في المئة لتصل إلى 51 دولار للسهم الواحد.

ما الحكمة من هذا؟ لعقليتنا تأثير كبير على ما نحققه من نجاح في كل يوم. هل لديك عقلية تتبنى النجاح وترى فيه فرصة مذهلة للارتقاء بك إلى أفق جديد؟ أم أنّ النجاح (حتى النجاح الذي تعرف أنك بحاجته) يثير توترك؟ الطريقة الأفضل للتقدم في بيئة هذه الأيام العاصفة والعالمية هي أن تكون قائداً مسرّعاً في حياتك، تبتكر وترى في كل مشكلة جديدة أحجية مثيرة لم تجد لها حلاً بعد، وتتبنى ما يدعوه الأستاذ في جامعة ستانفورد كارول دويك "عقلية النمو".

إذاً، هل سيطرأ تغيير على يومك إن أنت ناضلت للتقدم ضمن مجال تأثيرك وخارج منطقة راحتك؟ بكل تأكيد. فتحقيق نتائج جديدة يتطلب تبني عقليات جديدة وإظهار سلوكيات جديدة. فبلوغك لنتائج مختلفة يعني، بالتعريف، تعطيل روتين يومك.

وتبقى الأخبار السارة أنّ كل يوم سيحمل معه فرصة لتحقيق أكبر قدر ممكن من التطور.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!