قمنا خلال الفترة الماضية بالطلب من قراء هارفارد بزنس ريفيو مساعدتنا على معرفة مدى "التصلب البيروقراطي" (bureaucratic sclerosis) داخل شركاتهم، حيث تلقينا إجابات أكثر من 7000 قارئ يعملون لدى شركات مختلفة في مجالات عملها وعدد موظفيها. وقمنا بعدها باستخدام أداة تُدعى "مؤشر كتلة البيروقراطية" (Bureaucracy Mass Index) على تلك الإجابات لنخرج بالاستنتاجات المقدمة أدناه.

البيروقراطية شر لا بد منه

كانت الإجابات التي قدمها قراؤنا نقطة البدء التي انطلقنا منها لحساب مؤشر كتلة البيروقراطية الإجمالي، إذ قمنا بتوزيع تلك الإجابات ضمن 7 فئات تمثل مستويات البيروقراطية في المؤسسة وهي: "التورم" (bloat)، و"الاحتكاك" (friction)، و"الجزع" (insularity)، و"عدم التمكين" (disempowerment)، و"النفور من المخاطرة" (risk aversion)، و"القصور الذاتي" (inertia)، و"استخدام المهارات السياسية" (politicking). عملنا بعدها على حساب مؤشر كتلة البيروقراطية الإجمالي مستخدمين مقياساً تتراوح درجاته بين 20 و100 درجة، معتمدين على الأسئلة العشرين الأولى من الاستبيان. وهنا إذا حققت الشركة علامة 60 على مقياسنا، فإنّ ذلك كان يعني معاناة الشركة من مشاكل بيروقراطية عميقة، أمّا إذا كانت علامة الشركة أقل من 40، فكان ذلك يعني غياب البيروقراطية نوعاً ما لديها.

بالعودة إلى إجابات القراء، رأينا 64% من الإجابات كانت علامتها 70 أو أعلى، وأقل من 1% منها كانت علامتها أقل من 40. كما لاحظنا علاقة طردية بين مستوى البيروقراطية وحجم الشركة. وكانت علامة الشركات التي يزيد عدد موظفيها عن 5,000 موظف أعلى من 75. في ذات الوقت، 75% ممن الشركات التي حصلت على علامة 40 أو أقل كانت شركات يقل عدد موظفيها عن 100 موظف. يؤكد هذا استنتاجنا المتمثل في أنه كلما زاد حجم الشركة، كلما عانت الشركة من بيروقراطية أكثر.

البيروقراطية في حالة تزايد بين الشركات، لا تناقص

قال ثلثا المجيبين عن الاستبيان أنّ شركاتهم أصبحت أكثر بيروقراطية ومركزية وتحفظاً والتزاماً بالقواعد على مدى السنوات القليلة الماضية. قال فقط 13% منهم أنّ شركاتهم أصبحت أقل بيروقراطية. وفي حال نظرنا إلى الإجابات من منظور قطاعات الأعمال، سنجد أنّ العاملين في مجالات خدمة العملاء والمبيعات والإنتاج والخدمات اللوجستية والبحث والتطوير هم الذين أشاروا بشكل رئيسي إلى زيادة البيروقراطية في شركاتهم مقارنة بمن يعملون في مجالات الموارد البشرية والمالية والتخطيط والشراء والإدارة. بكلمات أُخرى، أكثر من شعروا بالبيروقراطية هم الأشخاص الذين يعملون على خلق المنتجات التي تقدم قيمة للعملاء.



تزايد المستويات الإدارية

على الرغم من تلك الخطابات التي نسمعها من الشركات حول اللامركزية و"تقليل المستويات الإدارية" (flatarchies)، قال المجيبون أنهم يعملون وسطياً في شركات تملك 6 مستويات إدارية على الأقل، في حين كان لدى الموظفين الذين يعملون في شركات أكبر حجماً (أكثر من 5,000 موظف) 8 مستويات إدارية أو أكثر.

تستهلك البيروقراطية وقتاً كبيراً

أشار المجيبون إلى أنهم يقضون وسطياً 28% من وقتهم أي (ما يقارب ربع عدد ساعات عملهم الأسبوعية) في مهام بيروقراطية مثل إعداد التقارير وحضور الاجتماعات والامتثال للطلبات الداخلية وتسجيل حضورهم ووظائف أُخرى مشابهة، والتي لا تولد قيمة مطلقاً أو تولد قيمة ضئيلة جداً للشركة. كما رأى 40% أو أقل منهم أنّ العمليات البيروقراطية التقليدية (مثل وضع الميزانيات وتحديد الأهداف واستعراضات الأداء) "مفيدة" جداً. كما لاحظنا لدى تأمل الإجابات أدلة أُخرى على الزمن المهدور بسبب البيروقراطية: قال ما يقرب من 40% أنهم قادرون على تقديم نفس العمل الذي يقومون به حالياً أو حتى أفضل إذا أصبح عدد موظفي مكتبهم أقل بنسبة 30%.

تتسبب البيروقراطية بالبطء الكبير

رأى 66% من المجيبين أنّ البيروقراطية تُشكل عبئاً كبيراً على سرعة اتخاذ القرار في شركاتهم، وزادت النسبة إلى 80% في الشركات الأكبر حجماً، حيث تسببت البيروقراطية في صعوبة الحصول على أي تمويل خارج الميزانية المحددة مسبقاً، والتي يجب أن تتوفر إذا أرادت الشركة امتلاك ردة فعل سريعة للمتغيرات التي تحدث من حولها. وكان متوسط الوقت اللازم للحصول على الموافقة من أجل النفقات غير المدرجة في الميزانية 20 يوماً أو أكثر في الشركات الكبيرة، مقابل 13 يوماً في الشركات الصغيرة ذات عدد موظفين أقل من 100.



تؤدي البيروقراطية إلى ضيق أفق التفكير

قال المشاركون في الاستطلاع إنهم يقضون 42% من وقتهم تقريباً في حل قضايا داخلية مثل "حل النزاعات" و"تضارب الموارد" و"حل قضايا شخصية" و"تفاوض على الأهداف"، ومهام داخلية مشابهة شاقة. كانت هذه النسبة لدى الرؤساء التنفيذيين في الشركات الكبيرة تزيد عن 50%. إلى جانب ذلك، لاحظنا أيضاً قلة تركيز كبار القادة على الأمور الخارجية مقارنة بمرؤوسيهم وهو أمر يُثير القلق كونهم المسؤولون عن وضع استراتيجية الشركة. يفسر هذا إلى حد كبير بطء هؤلاء القادة في الاستجابة للتهديدات أو الفرص الناشئة.



تقوّض البيروقراطية التمكين

عندما سُئل المشاركون عمّا إذا كانوا يملكون الاستقلالية جزئياً أو كاملة فيما يتصل بأولويات العمل واتخاذ القرارات بشأن أساليبه واختيار رؤسائهم، أجاب 11% فقط أنّ لديهم هذه الاستقلالية. كما قال 10% تقريباً من العاملين في شركاتهم أنهم قادرون على إنفاق 1,000 دولار من دون الحصول على توقيع المدير. إضافة إلى ذلك، لاحظنا مؤشراً آخر على إعاقة العمل، إذ أشار 75% وأكثر من المستطلع آراؤهم إلى أنّ الموظفين المسؤولين عن التواصل المباشر مع العملاء كانوا إمّا "غير منخرطين مطلقاً" في تصميم وتطوير مبادرات التغيير، أو كانت مشاركتهم "محدودة". وندرك من خلال خبرتنا أنه في حال فرضت الإدارة تغييراً على الموظفين، سيكون هناك مقاومة كبيرة له، خصوصاً في حال لم يتم الأخذ بمدخلاتهم. وبالتالي عدم إشراك هؤلاء الموظفين سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة معدلات فشل أي تغيير ستحاول الإدارة القيام به.

البيروقراطية عدوة للابتكار

لا يمكن لأي شركة أن تحيا دون أفكار جديدة، لكن أشار 20% فقط من المجيبين إلى أنّ شركاتهم تُرحب بالأفكار غير التقليدية. كما قال 80% إنه من المحتمل أن تواجه الأفكار الجديدة لامبالاة وشك وحتى مقاومة صريحة. ومن الأمور التي تثير القلق أيضاً عدم دعم الشركات للتجارب. هناك شركات أدركت قيمة الابتكار، مثل جوجل وأمازون وفيسبوك وإنتويت، وباتت تقدم الدعم حتى لأصغر موظف لكي يعمل على إطلاق فكرته وتجربتها على نطاق صغير. إلا أنه لم نلاحظ ذلك في الشركات التي شاركت في استطلاع الرأي الخاص بنا، حيث قال 96% من الموظفين الذين يعملون في شركات لديها 1000 موظف أو أكثر إنه "ليس سهلاً" أو "صعب جداً" على موظف في المرتبة الوظيفية الأدنى إطلاق مبادرة جديدة.

تؤدي البيروقراطية إلى الشلل

يبدأ التغيير في الشركات البيروقراطية من أعلى الهرم الوظيفي إلى أسفله. وتكمن المشكلة هنا أنه عند قدوم قضية مهمة أو عاجلة بما يكفي لجذب اهتمام الإدارة العليا للقيام بتطبيقها، ستصل إلى باقي أرجاء الهرم الوظيفي متأخرة جداً. ويؤكد كلامنا هذا ردود المجيبين على الاستطلاع، إذ قال ما يقرب من 60% ممن شملهم الاستطلاع أنّ برامج التغيير في شركاتهم كانت "في الغالب" أو "دائماً" تركز على اللحاق بركب باقي الجهات. في ذات الوقت فقط 10% أو أقل من المشاركين التابعين للشركات الكبيرة قالوا أنّ برامج التغيير كانت تركز في الغالب أو دائماً على دخول مجال جديد.

تؤدي البيروقراطية إلى سيطرة النزاعات والنفوذ السياسي

في أي تسلسل هرمي رسمي، هناك دائماً منافسة للصعود نحو الأعلى وفائز وخاسرون. واكتشفنا خلال ردود المجيبين انتشار عداوة ونفوذ سياسي في الشركات، إذ أشار 70% تقريباً من المشاركين ممن يعملون في الشركات الكبيرة إلى وجود سلوكيات السياسة بشكل كبير في مؤسساتهم (مثل إلقاء اللوم على الآخرين واحتكار الموارد والمعارك الباطنية). بشكل عام، قال 64% من أفراد العينة أنّ المهارات في السياسة هي التي تُحدد بشكل كبير وأغلب الوقت من يتقدم مهنياً بغض النظر عن مؤهلاته. إلى جانب ذلك، قفزت النسبة إلى 76% في الشركات الكبيرة، وهو أمر لا يثير الدهشة أبداً. كما أنه تذهب السلطة والترقي ضمن الشركات البيروقراطية في الغالب إلى الأكثر دهاء سياسياً بدل الأكثر كفاءة. صحيح أننا نعيش في عصر البيانات الكبيرة وشفافية المعلومات، لكن لم تتطور كثيراً الحيل السياسية ولا نزال نراها في الشركات بشكل ألعاب كما تعرضها مسلسلات مثل "رجال مجانين" (Mad Men) و"هاوس أوف كاردز" (House of Cards).



مع النظر إلى ما سبق، يمكننا القول بأنّ مؤشر كتلة البيروقراطية يقدّم لنا دليل التأثير السلبي للبيروقراطية على الإنتاجية والمرونة وعلى الإنجاز بشكل عام. وليس من السهل للأسف إزالة البيروقراطية من الشركات بسهولة. صحيح أنّ هناك شركات قدمت أمثلة رائعة حول الإزالة الفعّالة للبيروقراطية من أعمالها مثل نوكور (Nucor)، ومورنينغستار (Morning Star)، وسبوتيفاي (Spotify)، وهاير (Haier)، حيث برهنت أنه يمكن إدارة شركات كبيرة ومعقدة بأقل قدر من البيروقراطية وتحقيق ميزات هائلة، لكن في ذات الوقت، هناك عوائق حقيقية عميقة وكبيرة ضد إزالة البيروقراطية بالكامل من الشركات.

عندما طلبنا من المجيبين على الاستبيان تحديد أهم العوائق التي تمنع إزالة البيروقراطية، أشار 57% منهم عدم رغبة كبار المسؤولين التنفيذيين في تشارك السلطة، وقال 50% أنّ هناك اعتقاد سائد لدى الرؤساء التنفيذيين يقول بأنّ البيروقراطية ضرورية للسيطرة. ولم تكن هذه الردود دقيقة للأسف. بينما يرى ثلثا الموظفين تقريباً أنّ الشهوة إلى السلطة هي التي تمنع إزالة البيروقراطية، ويرى فقط ثلث الرؤساء التنفيذيين هذا. في غضون ذلك، لاحظنا انقساماً مماثلاً أيضاً عندما سألنا عمّا إذا يرون بأنّ البيروقراطية أمر بالغ الأهمية لتحقيق السيطرة. قال 57% من الموظفين بأنّ هذا صحيح، في حين قال فقط 27% من الرؤساء التنفيذيين بأنه صحيح. وظهرت فجوة أُخرى عندما سألناهم إذا كانوا يظنون أنّ البيروقراطية مألوفة ومترسخة، إذ رأى 54% من الموظفين أنّ البيروقراطية تشكل عائقاً، مقابل 23% فقط من الرؤساء التنفيذيين. بالتالي من المحق هنا؟، هل هم الموظفون الذين يؤمنون أنّ البيروقراطية مترسخة بقوة وعمق، أم كبار المسؤولين التنفيذيين الذين يرون البيروقراطية عدواً لشركاتهم؟



بالمجمل، ينبغي ملاحظة أنه كان هناك على الأقل مجالاً واحداً اتفقت فيه آراء الموظفين والرؤساء التنفيذيين، إذ اتفق الطرفان على أنّ الافتقار إلى المعلومات والكفاءة بالنسبة للموظفين ليس عائقاً أمام تفويض السلطة والمسؤولية. في الواقع، قال 26% فقط من الرؤساء التنفيذيين و36% من الموظفين أنّ هذا الأمر يُعتبر عائقاً. ويطرح هذا بدوره سؤالاً مثيراً للاهتمام: إذا كان هناك إجماع واسع على أنّ الموظفين، في الواقع، قادرون على الإدارة الذاتية، فلماذا هم غارقون في البيروقراطية؟، إما أنّ كبار القادة أكثر مقاومة لمشاركة السلطة ويشككون كثيراً في قدرات موظفيهم بدل الاعتراف بها، أم هناك عوائق أُخرى أعمق أمام إنهاء البيروقراطية.

ربما يكون أحد هذه الحواجز عدم وجود دليل مفصّل لتفكيك البيروقراطية. بالتالي، على الرغم من إيمان الكثيرين بأنّ إلغاء البيروقراطية ممكن، إلا أنّ قلة منهم تعرف كيفية تحقيق ذلك. من أين يجب البدء؟ كيف يمكن التغلب على عراقيل البيروقراطية؟ كيف يمكن بناء الثقافة والقيم الصحيحة؟ كيف يمكن إعداد الأفراد لتحمل المزيد من المسؤولية؟، وما هي التغييرات اللازمة في نظم المعلومات والحوافز والهيكل التنظيمي؟، للأسف، عندما يتعلق الأمر بالبيروقراطية، لا يوجد دليل تفصيلي للقضاء عليها.

من خلال التاريخ، ندرك أنّ هناك فئة دائماً جاهزة للمضي من غير أي عائق حتى من دون معرفة النتائج. رأينا هذا لدى مؤسسي الولايات المتحدة، ورأيناه لدى من حاربوا لإنهاء العبودية في الولايات المتحدة ضمن القرن التاسع عشر، ورأيناه عند من حلموا بالهبوط على القمر يوماً ما، ونراه الآن لمن يعملون على بناء آلات يمكنها التفكير والاستنباط، ولمن يأملون في إنهاء اعتماد البشرية على الوقود الأحفوري، ولمن يسعون إلى سد الفجوة الرقمية.

لم يكن ما دفع تلك الفئة من الناس يقينهم بالنجاح، بل كانت رغبتهم في تقديم شيء جديد للبشرية وزيادة قدراتها على تقديم أداء أفضل. إذا أردنا تخليص شركاتنا من البيروقراطية، علينا القيام بنفس تلك الخطوات وامتلاك الرواد القادرين على المضي قدماً لإنجاح ذلك.

تكون تكاليف البيروقراطية وفي معظم الشركات مخفية إلى حد كبير، فلا يمكن لنظم المحاسبة في الشركات حساب التكاليف التي تتكبدها بسبب البيروقراطية والخوف وعدم التفويض وباقي الأمور، كما أنه لا يمكن معرفة الهدر الناتج عن قيام الإدارة بأداء دور المفكرين واستخدام الموظفين كأدوات للقيام بالأعمال وكموارد يتم الاستفادة منها من دون الأخذ برأيهم. ولا يوجد نظاماً للمحاسبة لديه القدرة على معرفة الخسائر الناتجة عن وضع الناس في قوالب نمطية وعدم الاستفادة من قدراتها ومواهبها. يمكننا القول أنّ البيروقراطية قادرة على ابتلاع أي مبادرات بشرية وهذا ما يُعتبر تهديداً خطيراً للإبداع والتفكير الحر.

أخيراً، تُعتبر مهمة قياس الخسائر الناتجة عن البيروقراطية الخطوة الأولى نحو تغيير كل هذا. ومع زيادة الضرر الناتج عن البيروقراطية على الإنجاز الإنساني، بات من الصعب تبرير وجودها كل هذه الفترة، وسيصبح من الصعب الدفاع عنها أكثر. وإذا كان القادة، كما يدّعون، مستعدين لتقاسم السلطة، وإذا كان الموظفون، كما يعتقدون، يؤمنون أنهم قادرون على ممارسة السلطة بحكمة، لن يكون هناك أي عذر لعدم العمل على كافة الإجراءات اللازمة لتفكيك البيروقراطية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!